البناء الهرمي للحضارات الإنسانية: رؤية في بيان تصحيح حضارة الإسلام للحضارات الإنسانية يقدمها الحبيب أبو بكر المشهور

كيف تبنى الحضارات الإنسانية؟ سؤال مهم ويطرح دائما يجاوب عنه من خلال تلك المحاضرة التي تعد طرحا عقليًّا للداعية الأديب الحبيب أبو بكر المشهور، ويبين وجهة نظر الدين الإسلامي في الحضارات الإنسانية، وتحديد مفهوم حضارات الشعوب، وتفسير بعض الظواهر عند العلماء الماديين وعند الدين الإسلامي، وبيان على ماذا ترتكز الحضارات الإنسانية، وأكثر ما يهتم به الباحثون فيها، وتأثير الإسلام في الحضارات الإنسانية وتصحيحه لها، ودوره في نقل الحضارة، ومسئولية الإسلام وأهله في كل عصر وزمن ومرحلة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ومنه يستمد العون، ويتحقق الحفظ والصون، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الخاتم الذي أتم الله به النعمة ووحد به الأمة: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: ۱۱۰]، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من أحيى منهج التفاؤل بين الشعوب إلى يوم الدين.
وبعدُ تعتبر الحضارات الإنسانية من وجهة الدين الإسلامي الحنيف ركاماً معرفياً وتراثياً مادياً جامداً، لا روح فيه ولا حياة … لأن أصل الحياة كلها ما نصت عليه الآية الكريمة:{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: ٥٨]
والمعلوم أن كافة حضارات الشعوب المشار إليها بمفهوم الإنسانية يقصد بها من وجهة نظر المدرسة الحديثة (مدرسة الاستشراق) [1] ما بناه وحققه الإنسان قبل تطور معرفي وتفعيل مادي لظواهر الحياة.
وبهذه الرؤية يفسر العلماء الماديون (ظاهرة الديانة والتدين)، بينما يفسر الدين الإسلامي ظاهرة (التطور المادي ومنجزات العقل الإنساني) بأنها ثمرةٌ من ثمرات التفاعل بين (مواهب المخلوق أمام موجودات الخالق)، سواء كانت جارية على يد مسلم مؤمن بالله تعالى، أو على يد كافر ملحد أو وثني جاحد، فالإسلام يفسر التاريخ وحضاراته من حقيقة الإيمان بالخالق وتنفيذ أوامره، بينما الكافر والملحد يفسر التاريخ وحضاراته بالتطور العقلاني للإنسان واستخدامه للوسائل وحسن تفاعله مع الظواهر، ولا مكان هنا لما وراء الطبيعة غير حركة القوانين ونواميس الحركة ذاتها.

ومسميات الحضارات الإنسانية كما يقررها علماء التاريخ تنحصر في التالي:
الحضارة الصينية والهندية والسومرية والآشورية والبابلية والفينيقية والمصرية القديمة والفارسية، ويليها في الترتيب التاريخي القديم الحضارة الإغريقية، بل تعتبر هي الوارثة للحضارات السابقة، لأن الإغريق فلسفوا العلم وصاغوا له النظريات والفروض، وبقيت مؤلفاتهم وكتبهم محفوظة في العصور اللاحقة إلى اليوم.
وتتركز هذه الحضارات بمجموعها على ما تفسره العقول البشرية وتكتشفه من أمور الحياة وما بعد الحياة، ولا علاقة لها بمسألة الوحي والأنبياء والرسالات السماوية بل يفسرها البعض منهم بأنها تصورات فكرية. واعتقادات عقلانية تطورت بفعل الزمن إلى الخوف من المجهول ثم تأليهه وعبادته …
وأكثر ما يتناوله الباحثون حول الحضارات مسألة التجارة والحروب والآثار والتفوق العلمي من هندسة وتخطيط وتعدين وفلك ورياضيات ومعادلات جبرية وهندسية ودراسة الطبائع والأمزجة والعناصر والطب البشري بأنواعه، وعُرفت العديد من العواصم التاريخية مقرونة بهذا التطور الإنساني الهائل.
ولما جاء الإسلام وامتدت حضارته الفكرية والمادية في كثير من البلاد حاول البعض أن يرضخوا الإسلام وحضارته إلى ذات النمط الإنساني المجرد … فيحولون التاريخ المادي القديم إلى مادة معرفة وفكر وفلسفة تؤثر على العقل الإسلامي وتعيد صياغته، حتى إن حركة التدوين والاقتباس التي ظهرت في العصر العباسي فسرها الكثير بأنها قائمة على الفلسفة الإغريقية والسريانية والفارسية، من خلال الترجمة الحرة لموروثات الحضارات السابقة، وأنشأت لمثل هذه الحركة الاقتباسية العديد من دور المعرفة كبيت الحكمة ببغداد، ودار الحكمة بالقاهرة، وجامع القيروان بتونس، وجامع القرويين بالمغرب، والجامع الكبير بصنعاء، وجامع قرطبة بالأندلس وغيرها.
والصحيح أن الإسلام وحضارته لم يتأثر بالحضارات الإنسانية السابقة، وإنما جاء مصححا لأبعادها المادية المجردة، وموازناً بين الروح والمادة، ومعيداً شرعياً للاعتبارات العقلانية مربوطةً بالتوحيد للخالق، ومجردةً عن النظر في المادة وظواهرها، إلا من حيث التفاعل العلمي والعقلي المشروع، ولهذا استجابت المادة للعقل الإسلامي وتطورات بتطوره.
ولهذا برز في مجال الحضارة الإسلامية عشرات المفكرين والعلماء ورواد الفلسفة والطب والرياضيات والهندسة، مقرونةً بإيمان هؤلاء المفكرين برسالة الإسلام الخالدة وبهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، من أمثال ابن الهيثم والبيروني وابن سينا والخوارزمي والكندي وابن خلدون وعشرات من حملة الوعي الإسلامي المتطور.
ولولا هؤلاء العلماء لما كانت الحضارة الأوروبية المعاصرة موجودةً أو حتى معلومةً في تاريخ الحضارات، ولهذا قال بعضهم: (لا نبالغ إذا قلنا: إن أوروبا مدينة للعرب بخدمتهم العلمية … تلك الخدمة التي كانت العامل الأكبر في النهضة العلمية الأوروبية في القرنين الثالث والرابع عشر).
والعجيب أن رواد الفكر المادي في العالم شهدوا للإسلام دوره في نقل الحضارة كوسيط بين الإغريق والحياة الحديثة؛ ولكنهم أغفلوا موقفه الروحي ودعوته الإيمانية، وتجاوزوا دورها في إعادة الاعتبار الشرعي للدعوات الشرعية السابقة، وأغفلوا الحديث عن ذلك ليستثمروا الإسلام مادياً ويحاربونه روحياً وشرعياً، وهذا ما فعلوه ولا يزالوا يفعلونه.
وقد تأثر بلغتهم المادية جمهورٌ واسعٌ من طلاب المعرفة ورواد الدراسات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، ثم ما لبثت أقلامهم كعادتها أن نسبت كثيراً من ثمرات العلم التي جاءت على أيدي العلماء المسلمين إلى الحضارة الأوروبية، دون إشارة إلى الرواد العرب والمسلمين الذين تكلموا عن التطور والجاذبية و الدورة الدموية قبل داروين وديكاريت وهارفي.
فالإغفال المتعمد شمل التجاوز للجانبين الروحي الشرعي وآثاره، والمادي النظري وأسراره، ليُوصَف العربُ والمسلمون في لاحق العصور بالشعوذة والتنجيم والخرافات والأساطير، ثم ما لبثوا أن وصفوهم بالجهلة والبرابرة والقتلة والكهنوت، ثم جاء العصر الأخير ليصفوا الإسلام بالتطرف والإرهاب ودمار الشعوب.
إن دراسة الظواهر بكافة أحوالها مسألة هامة لتحديد مسار الظاهرة وحدوثها وآثار مسيرتها من كل الوجوه، فظاهرة التعدي على الإسلام والتحدي له مسألةٌ قائمةٌ منذ عصر البعثة إلى الهجرة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إلا أن قوة الدعوة ومشروعية مظهرها الإيجابي حدَّ من أصوات الشر وأضعف قدراتها.
وبهذا المظهر الإسلامي الإيجابي عبَّرت الحضارة الإسلامية عن نفسها ورسمت خطوط السلام والأمان والرحمة والمحبة والإخاء بين الشعوب، وفتحت أبواب العلوم ودراسة الحضارات وتقييمها وإدانة الفاسد منها وإحياء ما يجب إحياؤه منها، وحذرت الأتباع من أهل الإسلام من مغبة الاستتباع الأهوج للأمم السالفة … حملة الحضارة المادية المجردة …
وأشار معلم الأمة وداعيها إلى تحرير العقل من عبادة المادة والهوى والنفس والشيطان إلى عبادة الله، وأن هذا المبدأ هو مبدأ الأنبياء عليهم السلام عبر تاريخ الأمم والحضارات، وأن كل أمة مهما عظمت آثارها وحضارتها إنما يشهد لها بالسلامة أو العكس من خلال مواقفها من دعوات الأنبياء، والأنبياء عليهم السلام هم حَمَلة الأمانة الشرعية بين الشعوب والداعون لها.
وما من نبي إلا وكانت له مع الكفر وحَمَلة منهجه الظلماني مواقف، وربما طغى الكفر بظلمانيته في بعض المراحل والأزمنة ليجهض الديانة الشرعية، أو يطمسها، أو يفرغها من داخلها ويستثمرها لصالح الدجل والشيطان، وهذا كتاب الله العظيم بين أيدينا أعظم شاهد على دور الكفر والكفرة من حماة الحضارات الإنسانية المجردة ضد الديانات الشرعية في عموم مسيرة التاريخ الإنساني.
ولأن الأمر خطيرٌ في تقرير حقائق المصير الإنساني فالإسلام وأهله مسؤولون أمام الله أشد المسؤولية مع كل عصر وزمن ومرحلة، عن إقامة منهج العدل وحمايته وإيضاح العلاقة بين مفهوم الحضارة الإنسانية المجردة والحضارة الإنسانية المرتبطة بالشرائع السماوية، ودور الإسلام في إعادة الوجه الشرعي للقراءات الحضارية في تاريخ الأمم السالفة، وما يترتب على هذا المفهوم من ضوابط حوار الحضارات وتقارب الأديان التي تُلَوِّح بها قوى التأثير العولمي في المرحلة المعاصرة.
هذا من جهة … ومن جهة أخرى ما يجب ترسيخه لدى شباب المسلمين ودارسيهم من تصحيح مفهوم القراءة لمدلول الحضارات وضوابط هذه القراءة، بحيث يتفهم الجيل موقعَ الإسلام الحضاري وتفردَه الإيجابي في الأطروحات التاريخية، وعلاجه الناجع أمام فشل كافة المفاهيم المادية المجزأة، سواء المفاهيم المعاصرة القائمة على العقل المجرد، أو المفاهيم القديمة ذات الارتباط بالحضارات الإغريقية والهندية والسومرية وغيرها.
فللإسلام قراءته الحضارية المتميزة، وله موقعه التاريخي الجامع بين تفعيل العقل الإنساني وثمراته، وبين توحيد الخالق وتسخيره لما في العالم الكوني لبني الإنسان، وفق المنهج السماوي القائم على الرسالات الشرعية، والله الموفق.

 

[1] المقصود بالاستشراق اهتمام العالم الغربي بالعالم الشرقي، ودراسة علمائه لعادات وتقاليد واعتقادات دول الشرق، وتفسيرها تفسيراً يتناسب مع السياسات الحديثة.

لابد أن تقرأ بقلم الحبيب أبي بكر المشهور

رؤية ثاقبة للداعية الأديب الحبيب أبو بكر المشهور يقدم فيها نظرة على الذين ينقدون الواقع ولا يملكون أفكارا لتغييره، تشمل الحديث عن الشرعية الدولية الحالية التي نشرت مشاكل الأمم والشعوب، وشرح حال الأمة وواقعها وما تفرع عن النشاط العالمي الموجود الآن، وموقف الإسلام من تحليل الأمور الحالية من خلال دراسته للثوابت والمتغيرات، وحقيقة العقل الإنساني، وبيان المشروع العالمي الإسلامي، وبيان الجوانب الإيجابية من خدمة العلوم النظرية، ومسئوليتنا الشرعية تجاه الإسلام، ووضع اللبنات القائمة على الفكر والديانة وابتعاث الأمانة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال أحد المعلقين المعاصرين في غمرة النشوة بالتغيير: «الدساتير العربية لا تساوي الورق التي كُتبت عليها»، وكنت حينها أتابع مجريات التحولات وأتأمل وجهات النظر حولها، وقلت في نفسي: «لو أنَّ أحداً قال لهذا المعلق وأشباهه إذا كانت دساتيركم العربية كما تقولون لا تساوي الورق التي كُتبت عليها فأين هو الدستور الحق الذي ستتخذونه بديلاً للأمة في حياتها الجديدة؟ وهل ستقبل العقول المدبلجة قولي أنَّ دستور الأمة هو القرآن والسنة؟ ولكن ليس بلغة اللجان القانونية المسيَّسة ولا العصبية ولا الطائفية ولا المذهبية ولا الطبقية المتترسة والمتمرسة ولا الاستشارات الشرقية ولا الغربية …
فمنذ تقسيم «ترِكة الرجل المريض» كما كان «أكَلَة القصعة» يسمونها لم تكن هناك دساتير شرعية بقدر ماكانت مجرد دساتير وضعية تؤدي دوراً مرحلياً يخدمُ حَمَلة القرار وزُمرة العملاء الأحرار، دساتير اكتسبت شرعيتها المحلية والإقليمية من ميثاق الشرعية الدولية المسماة بـ «الأمم المتحدة»، والأمم المتحدة عُصبة من القرارات الإستعمارية والعناصر الإستثمارية ذات العلاقة المباشرة بالثلاثي الآفك (الشيطان – الدجال – الكفر) إنه الثلاثي الهالك للأمم والشعوب وثرواتها، والثلاثي المسيس عالميًا لما يسمى في لغة الأبلسة بالشرعية الدولية ذات العلاقة المباشرة بالمصالح الإستعمارية والإستهتارية والإستثمارية.
هذه الشرعية المسؤلة مسؤلية مباشرة عن الفقر والجوع والعوز المنتشر في الشعوب، وعن القلق والإضطراب الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والأمني والتربوي والتعليمي والثقافي والإعلامي منذ أن وَضَعت يدها ونفوذها على مقدرات الأمم المصيرية بُعيدَ سُقوط قرار الخلافة العثمانية … الخ
ومنذُ ذلك الحين ونحن في مَصيَدةٍ عالمية القوة، عالمية النفوذ، عالمية السياسة، عالمية الأدوار، عالمية المصالح، ويمكن معرفة فـقـراتها المفصلية بالنظر إلى (المؤتمرات الدولية) التي عقدت منذ إقتسام (تركة الرجل المريض) وماتلاها من النتائج والثمرات السياسية والعسكرية والأحلاف والتكتلات والبرامج والمنظمات والجماعات والجمعيات والأحزاب وماشابهها من التشكيلات المتجددة ضمن الإطار العالمي الدولي المشار إليه «بالشرعية الدولية»، وقد تفرع هذا النشاط العالمي وتغلغل في العالم المستعمر والمستثمر منذ تلك الحَقبة بمفاصلها الثلاثة

مرحلة العلمانية: والمُبتدئة رسميًا من إعلان مصطفى أتاتورك دستور الدولة العثمانية الجديد وإرتباط دستور الدولة بالإستعمار،
ثم مرحلة العلمَنة: والمُتفرعة من المرحلة التي تسبقها بتخرج طلبة الدول العربية والإسلامية الموفدين إلى العالم الغربي والشرقي ليتبؤا مناصب العمل الخَدَماتي بكل نماذجِه، وتنفيذ البرامِج العلمية والإقتصادية والسياسية والتربوية والتعليمية والدعوية والإعلامية والثقافية في الوطن المستعمر،
ثم مرحلة العولَمة: وهي المرحلة المعاصرة ذات النجاح الإستثماري الجامع لأطراف التحول المشار إليه سلَفا بمسمى البرامج العلمية والإقتصادية والسياسية والتربوية والتعليمية والدعوية والإعلامية والثقافية … الخ ليؤدي إلى إنشاء فكرة النظام العالمي الموحد، النظام المهيمن سياسيا على كل أطراف الصراع والمسيس له وفق الأطر المعدة سلَفا في المطابخ المَاسونية والصَهيونية.

إن العدو هو العدو وكل ما ساعد العدو على إنجاح برامجه وإمتداد هيمنته فهو جزء منه، ومنتمٍ إليه ولو كان مظهره ديانة وشعاراته وطنية ومنطلقاتُه ثَورية، فالعناوين والشعارات والمظاهر مجرد ركائز ورموز، وإنما المُعَول في التحليل الشرعي الواعي، على ماوراءِ ذلك من الخطط والمشروعات والأجِندات المُهيئة بعبَاءاتها الملونة ومُسمياتِها الإسلامية أو الإعلامية.
وللإسلام الحق موقف واعٍ من تحليل هذه الأمور وتحقيق دقائقها المجهولة، وكشفِها للمُستبصِر المُتأمل في عَظَمَة الدين الإسلامي ووظائِفه الشرعية في قيادة الحياتين (الدنيا والآخرة) من خِلال الدراسة المتأنية للثوابت الثلاثة بتفاصيلها وأركانها العلمية والعملية [1] من جهة ثم الدراسة المتأنية للمتغيرات بأقسامها الثلاثة[2] وتفاصيلها الخمسة [3] المندرجة تحت مايسمى بعلم علامات الساعة وفقه التحولات من جهة أخرى، وهذا هو موضوعنا العلمي الشرعي وأطروحتنا للجيل المعاصر ومن سيأتي من الأجيال اللاحقة.
فالعلم بالأركان الأربعة للدين مهمتنا جميعا وهويتنا المستجدة المتجددة القادرة بإذن الله تعالى على وضع المخارج الفقهية لكافة المعضلات الفكرية المعاصرة سواءًا في عالمنا العربي والإسلامي أو في تحديد موقفنا من العالم الإنساني المتنوع بفصائله المتعددة من أهل الكتاب، وأهل الأوثان، وأهل الإلحاد واللادينيين، وإنسان الغابة ومجاهل القارات بل وفيه أيضا خُطط عَلاقتنا بالمشاريع الإنسانية القادمة في مراحل التاريخ المتحول كمرحلة الدجال ويأجوج ومأجوج، وغيرها من المراحل الصعبة في ثوابتنا النصية المشروعه.
ولعلها اليوم بالنسبة لنا مجرد «مسميات» لانعلم عنها شيئا غير نتف المعلومات المختلف عليها، ولكنها في حقيقة العلم «خريطة الطريق» المنتظر وُرُوده لكافة شعوب الأرض شَأوا أم أبَوا، علِموا أم لم يعلَموا، صَدقوا بذلك أم كَذبوا.
فالعقـل الإنساني على مدى تاريخه الطويل وهو يُعلن جُحُودَه ورَفضه وتحدّيه للحقائق الربانية تبعًا لغـرائز الطبع وشهوات النفس ووساوس الشياطين، ولايكبح هذه الغرائز والشهوات والوساوس إلا العلم الشرعي برباعية الأركان، ودراسة هذه الأركان مجتمعةً مع بعضها البعض في ماعرَّفناه في كتابِنا «دوائر الإعادة ومراتب الإفادة» بالوحدة الموضوعية لحَديث أم السنة (حديث جبريل عليه السلام).
إنه مشروعنا العالمي في مدلول «العالمية الاسلامية»، عالميتنا التي تذوِّب في إشراقاتِها العلمية والعملية كافة العناوين والمسميات المُتمرحلة محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، علمانيةً أوعلمنيةً أوعولميةً، استعمارًا أوإستهتارًا أوإستثمارًا، فكلها في قاموسِنا الإسلامي الرباعي مراحل قَزَميَّة لاتتعدى عند تعريفنا لها «كيد الشيطان وعبث الدجال وعمَالة الدجاجلة» وكلها مشاريع عقلانية وضعية دعمها الشيطان الرجيم بصوتِه وخيلِه ورجِلِه وشارك البشرية من خلال برامجه الإبليسية في الأموال والأولاد وألهاهم بما زيَّنَه وصوَّرَه إعلاميا وأفلاميا {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: ۱۲۰] وهذا هو الجانب السلبي المسيس والذي نحن بصدد كشفه والتحذير منه.
أما الجانب الإيجابي من خدمة العلوم النظرية وتوظيفها فيما ينمى حياة البشرية فلا خلاف عليه، هكذا يحَلِّل ويُفصِّل (الإسلام الصحيح) واقع الحياة الإنسانية، كما يحلِّل ويفصِّل أيضًا واقع الحياة الإسلامية التي تحولت وللأسف بِفِعل البرامج الإبليسية إلى حياة إسـتسلاميَّة ولَن يَكون (إستنهاض) لشعـوب الـقـرآن والـسنة بما هي عـليه من الإستتباع المبرمج سياسيًا وإعلاميًا وثقافيًا وإقتصاديًا وإجتماعيًا ودينيًا فهذه برامج قصيرة المدى توظِّف الدين بأصليه الكتاب والسنة كما توظِّف شعاراته «العبادة، الجهاد، التكافل، الإخاء، المحبة، الرحمة، السلام … الخ» توظيفًا مسيسًا يربط الأطراف العربية والإسلامية والإنسانية على إختـلاف مـتـنـاقـضـاتـها ومـصـالـحـها وأفكارها وأديانها ومطامحها ومطامعها لتحقيق المسيرة الكبرى المذكورة في حديث من لاينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم ((لتتَّبعنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جُحر ضَب لدخلتموه…قالوا يارسول الله اليهود والنصارى؟؟ قال ومن؟؟))
قِف معي هُنا وقفةَ إجلالٍ لسيد الأمَّة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذي حرَّره الله بالوحي والعصمة والأخلاق عن كافة الشرور والآثام والأ مراض والأعراض المُـتَـقَـولِـبة في الأمم السابقة، وجعله للأمم اللاحقة قدوة وأسوة في ذاتِه وصفاتِه وعلمِه وعملِه ومواقـفِه ودلالاتِه وكـل ماجاء به من عـندِ الله سبحانه وتعالى أنه مشروع العالم الأخـير، مشروع السعادة مشروع الأمان والأمن والإطمِئنان، المشروع المتناسب مع كافة الحضارات الماضية والحاضرة، بل والمشروع المهيمن عليها، والموجَّه لغاياتها والبَوصلة الشرعية لرسم طريق السلامة في لُجج البِحار المُـتـلاطمة عبر التاريخ كله مُـنذُ عَهد آدم وخِلافته الأولى في الأرض بالرسالة حتى عهد نبينا محمد خاتم كل نبوة ورسالة.
إن مسـؤلـيـتـنـا الـشرعـية كأمَّة إسلامية تَلزمُنا أن ندعوا الإسلاميين أولا كما يطلق عليهم اليوم من كافة الأحزاب والجماعات والفئات والتيارات والتوجهات للخروج من دائرة البوتقة الـمـسـيـسـة والمبرمجة والمُخَندَقة ضمن مُسَمَّيات السياسة أو الديانة « قديمةً أو حديثةً» لتظل المسميات مجرَّد عناوين تعريفية لاتكـلـيفية، ونعود معًا بإسلامياتنا العالمية ومصادرها الثابتة «الكتاب والسنة» لأحداث التثوير الشرعي بالعلم والقراءة الواعية لموروثنا الرباني غير منفصلين عن العلوم الشرعية الأخـرى ومـتـفـرعاتها بل آخذيـن بها كمادة تأصيل علمي شرعي، ومراجع معرفية ذات قـيمة عـلـمـية وعملية تخدم الإطار الإسلامي الخاص في المذاهب والجماعات والفئات، ولاتكون حجة لأحد ضد أحد، وإنما تُنَظِّم علاقات التعبُّد والأحكام الفرعية فقط.
أما مانحن بصدده من الوحدة الفكرية والوحدة الشرعية والوحدة الإيمانية ووحدة المواقف وعالمية الديانة، فلا علاقة لها بهذه التراكمات المرحلية بمسمياتها العصبية كالطائفية والقبلية والسلالية والطبقية وصراع المذهبية والعقدية والفئوية والتيارية والحزبية، وماشاكلها من عناوين الاحتناك الشيطاني في الشعوب.
بل يجب أن تنشأ العقلية الإسلامية العالمية حاملةً الركنية الرباعية والمنطلقة في معالجة الأمور من خارج دائرة التعامل الآثم مع كتل الشرعية الدولية والمنظمات السياسية والإجتماعية والأحزاب التقـدمية والوطنية، والمسميات الإقلـيمية والعشائرية المطلعة إطلاعًا واعيًا على قاموس الإسلام العالمي بدءً بمفهومنا الشرعي عن مدلول السياسة العالمية في الاسلام وعلاقتها بالسياسات العلمانية والعلمنية والعولمية ووضعها في حجمها المناسب من المراحل المتقدمة وإدانتها إدانة علنية بكل مقوماتها الإستعمارية والإستثمارية.
ثم تذويبها في (عالمية الإسلام) لتظل تابعةً لا متبوعة، وأداةُ توظيفِ لا توصيف ولا تكليف ننتفع بما فيها من شؤون العلم والحضارة وتوظيفها في ما يتناسب مع حاجتِنا لها، ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ومشاريعه الحضارية الكافرة، وأطروحاته الدجَّالية الفاجرة.
وبهذا نكون قد وضعنا اللبنة الأولى لمرحلة الاستنهاض القادم … اللبنة الأولى القائمة على الفكر والديانة وابتعاث الأمانة قـبل صراخنا الجهادي الفج، ونداءاتنا العسكرية المتطرفة، وانخراطنا مع كل ناعـق وكـاذب وصادق، وانجرارنا خلف كل ذي دعـوةٍ سياسية وبرنامجٍ اقتصادي أو اعتقادي محـدث «نُخَبِّطُ لا ندري الطريق إلى الهدى» حتى إذا ما مرَّ الزمان وانكشفت العورات أعلن الشيطان وجنوده سقوط الرُّموز أو قتلها أو كشف حقيقة سياستها.
وعدنا إلى المربع الأول (كما يقولون) وإلى نقطة الصفر نقلب أيدينا ونَعُضُّ على أنامل الندم باحثين عن ثورةٍ جديدة ورمزٍ جديد ومشروعٍ إسلامي مُصنَّع أو مُـقَـنَّع.
أيُّـها السادة والقادة ألم يحن الوقت لمعرفة الحقيقة المرَّة ؟ أليس فينا رجل رشيد ؟ خذوا وريقاتي وادرسوها، واصمتوا سنةً كاملة، وانظروا ماذا في ساحة الحركة من صراعٍ! ثم ارجعوا إلى ما يشار به عليكم من شرف الإرتباط برباعية الأركان المشروعة عبر الدراسة الواعية، وميِّـزوا إن كان هناك من يرغب الخير ويصطفيه.

وأسال الله التوفيق والسداد للجميع
والحمد لله رب العالمين

 

[1] الثوابت الثلاثة: الإسلام – الإيمان – الإحسان.
[2] المتغيرات:علامات الساعة وفقه التحولات وأقسامه الثلاثة (العلامات الصغرى والوسطى والكبرى).
[3] التفاصيل الخمسة: علم النواقض والنقائض – علم البشارات والسند والحصانة والوقاية – علم الكوارث والإشراط – علم المستجدات العلمية والثقافية – علم الربط بين الديانة والتاريخ

بين تربية القوم وثقافة اليوم للحبيب أبي بكر المشهور

الداعية الأديب الحبيب أبو بكر المشهور يستعرض من خلال كلامه هنا تجربته الشخصية الفريدة، ويبين من خلالها استقراءه للواقع الحالي ومقارنته بما مضى من الزمان وأثر ذلك في التربية وثقافة اليوم على الأمة، وبيان أثر التحولات الاجتماعية على حملة العلم الشرعي، وخوضه للحياة الأكاديمية وأهم المسئوليات التي قام بها.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لقد كبرى سني ومر عليَّ من تجربة العمر ما أنا جدير بإثبات إيجابية ومحاكمة سلبياته … ليستفيد من هذه الحصيلة الموثقة من ألقى السمع وهو شهيد …
لقد عاصرت في مرحلة الشباب قيام الثورة اليمنية منذ بداياتها … ولم أكن حينها أعلم عن مؤامرات الغرب ولا مغامرات الشرق … بل كنت شاباً طموحاً أحب الإطلاع والمعرفة والتدخل في كل شيء أستتبع فيه رغبة طموحي …
وساعدني على هذا الانطلاق كثرة قراءاتي ومطالعاتي لكل ما تقع عليه يدي … بدءًا بما مقرر لي على نظر والدي رحمه الله …
ومروراً بما أتلقاه من مشايخي وجملة المعلمين في المدرسة المميزة آنذاك … وما لحق هذه المرحلة من حياه معرفية خارج إطار الجدران المدرسية حتى مرحلة الثورة والاستقلال وما بعدها.
وأستشعر الآن وأنا في هذا العمر أن شخوص المراحل الذي عرفتهم وتأثرت بهم كانوا نماذج شتى ممن كانوا يعرفون والدي ويعايشون لغته وذاتيته الدعوية العلمية والعملية … وممن يدركون حرصه الشديد عليَّ وعلى استقامتي وسلوكي أكثر من غير … فكانوا يساعدونه على مراعاتي ومتابعة تحركاتي في تلك القرية الصغيرة التي كنا نراها أكبر المدن في حياتنا الأولى باعتبارها عاصمة للسلطنة، ثم صارت مركزاً إدارياً للمديرية في محافظة أبين، فهم خير معين لي وخير عين لوالدي.
وربما استغرب القارئ إذا قلت أن المحيط الذي أتحرك فيه آنذاك لا يعدوا المنزل والمدرسة والمسجد والمحيط العائلي الأسري إذْ كانت الأسواق بعيدة عن المنزل … ويصعب الذهاب إليها مباشرة.
وإذا ما ذهبت إلى السوق لسبب وآخر فأنا على علم بالمخالفة ووجود المراقبة، واستنكار الناس وجودي في هذا المحيط غير المألوف لي … وربما نالني من العقاب عند عودتي ما يجعلني أغير وجهة نظري السابقة بالذهاب والمرور فيه.
وجاءت الثورة وانقلبت المقاييس، وتغيرت الأوضاع وجاءت وجوه وقلوب وعقول وأفكار وطموحات أخرى … وبدأ التشكيل الجديد عقلي من خلال ما أشهده وأسمعه من عناصر التغير وساسة التحذير
وكان الواقع المحلي مزحوما بطلبة سيدي الوالد وتلاميذهـ، ولكن الكثير منهم صار في موقع التأثير والثورة والريادة والقيادة، وصاروا يكثرون التردد عليه ويناقشونه ويطلبون منه المشاركة فيما هم بصدده، ويشيرون إلي وإلى إخواني الكبار وما يجب أن نعمله لمصلحة الوطن.
وكنت أشهد الحيرة الواضحة في وجه والدي وهو يجامل ويداري ويحسن المعاملة مع الجميع رغبة منه في حفظ ماء الوجه والدين والعرض والمواطنة.
وإذا تكلم في خطبة جمعة أو محاضرة عامة طلب منه قول شيء فيها حول الأوضاع تراه يتحرى الكلام عما يجمع قلوب الناس ولا يتحرى أحد ولا يتناول فرداً باسمه ولا حاكما ولا مواطنا ولا ما يثير النفوس والقلوب.
وإذا ما عاد إلى المنزل عاد مكتئبا عميق التفكير والتأمل لمجريات التحول وأثارها، ولا يخرجه من ذلك سوى اشتغاله بقراءة القرآن وعمارة أوقاته بكتب العلم ودروسه ولو في محيط المنزل معنا دون غيرنا …
لقد شهدت أثر التحولات التي عاصرها والدي في أحور وقد انعكست على حياته الاجتماعية انعكاسا صعب المعادلة …
ولم يكن له من مال أو عقار أو دنيا ينافسه الناس عليها، وإنما كان جوهره ومظهره العلم والتعليم والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولكن التحولات الاجتماعية كما شهدناها في تلك القرية وكما جرت في بقية أصقاع الوطن كانت لا ترغب في ((حملة العلم الشرعي الأبوي ولا تساند وجهة نظرهم)) بل كانت تتربص بهم وبهفواتهم وأخطائهم وخاصة ما يخص الإجراءات الثورية وقضايا المرأة وغيرها من الأمور …
لكنا نحن باعتبار وجودنا في الواقع الاجتماعي نخترق الواقع الجديد ونشارك فيما نستطيع المشاركة فيه، باعتبار ذلك طموحا عمليا يصنع للمشارك موقعاً في الحياة [1] .
وعلى مدى السنوات المتلاحقة والمرحلة غرائب التحول وتدفع بالمجتمع نحو الإحتدام والاصطدام والتشفي بين الطبقات الاجتماعية.
وازداد الأمر تعقيدا بمرحلة الانتفاضات التي دفعت بالأمور إلى الذروة، وذهب سيدي الوالد يرسم خطة السفر عن الوطن إلى حيث يأمن على نفسه ودينه وخاصة بعد أن استغنى عن خدماته.
ووجهني خلال هذه المرحلة القلقة للسفر من مدينتي إلى الريف محملا إياي ضرورة التعليم بين البادية، لأكون بعيداً عن مجريات التحولات والتغيرات.
وسافر سيدي الوالد متجها إلى الحجاز في ظروف صعبة وكنت حينها بعيدا عن مسقط رأسي ولكن الأخبار وصلتني بالرسائل.
ودخلت مرحلة مفصلية جديدة … سواء في المرحلة ورموزها، أو بالعلاقة بالتقاليد والقيم التي نمثلها في الواقع الاجتماعي، أو في الاحتكاك في الواقع المتحول ورموزه.
وكانت تجربة صعبة بكل المقاييس دفعتني لاتخاذ موقف جديد لا بد منه.
استكمال الدراسة المنهجية الأكاديمية.
فالشهادة التي في يدي لا تتجاوز المتوسطة، وقد حصلت عليها بعد الثورة بمعاناة شديدة، وقد كنت لا أملك شهادة رسمية.
وبدأت إجراءات الانتقال من قريتي أحور إلى مدينة عدن، وساعدني على ذلك عدة ظروف ليس هنا موضع ذكرها، ونتقلت إلى عدن لتبدأ مرحلة مفصلية جديدة، ولكنها مرحلة اختلفت كثير عن واقع القرية التي ولدت فيها.
فهنا تقلصت نظرة الشامتين والحاسدين والجاهلين، وخضنا معركة العلم الأكاديمي من جهة، ومعركة التدريس في مدارس الحكومة من جهة أخرى.
وأكثر ما أرهقني في هذه المرحلة جدلية الحوار، وصعوبة امتلاك أسباب الاستقرار.
حوار جدلي في الجامعة، وحوار في المنزل مع أشباهي وأمثالي حوار في المناسبات المنعقدة وحوار جدلي في المدرسة، منهجية التدريس الجامعي تدرس الجدلية المادية، ودورات العمل الدراسي وتدرس الفكر الماركسي، وفي موقع عملي الرسمي ثلة من المعلمين الرافضين مسألة الديانة من أساسها … يمتهنون الصلاة والصيام، ويتحدون المعلم هنا ولا غير الإبتذال والتمدي والتعدي وكانت تلك سنة القمة والقاعدة.
فالكل يعمل على محاربة الإسلام، وهذه شهادتي أمام الله ولكنهم يركبون الإسلام كحصان طرواده
وضاق صدري بالمدينة وما فيها ولكني تجاوزت المرحلة الأكاديمية بنجاح، وبدأ التفكير في الخروج من الوطن …. ولم أجد معينا على ذلك بدأً من قمة موقع القرار ونهاية بموقع العمل والوظيفة.
فجهزت نفسي لمغامرة الانتقال من الوطن إلى خارجه وما كان خارجه آنذاك إلا الشطر الشمالي من الوطن ذاته.
وكان التجرؤ على الانتقال آنذاك خيانة عظمى، ولكن خرجت نقلت خروجي في قصة سميتها (الخروج من الدائرة الحمراء). [2]
وخلال نصف شهر أو تزيد وصلت إلى أرض الحجاز حيث سكن والدي، وكان المحيط الأول للسكن معه هو المسجد، فنحن أسرة نعيش وننام ونأكل ونعمل في هذا المحيط … وكانت مرحلة مفصلية جديدة.
المجتمع الجديد … أسلوب المعاملة مع أمثالنا كأجانب، حدود حركتنا وخدمتنا للهدف الأسمى الدعوة إلى الله.
ولكنها كانت حياة أسرية أفضل أعادت لي نفس الحياة الأولى، وجمعت لي أشتات النفس والروح والقلب والجوارح مع أبي وأمي وبعض أخوتي وأولادي.
ومرت الأيام الأولي تعيد الأنفاس والإحساس وتربط الذاكرة بين مرحلة التربية الأولى ومرحلة المعركة الاجتماعية الصعبة التي عاناها الوالد في وطنه، وبين معركتنا الاجتماعية والعلمية حتى وصولنا من جديد إلى بر الأمان، ومنذ أن وصلت بدأت الجدية في العلم والعمل:
مسؤولية الأمانة والخطابة والتدريس
مسؤولية الارتباط بمجالس الحبيب عبد القادر
مسؤولية الاجتماع بالأولاد ودراستهم
مسؤولية المجالس الخاصة بسيدي الوالد والقراءة عليه، وشعرت حقا بميلادي من جديد.
وعلى مدى العشر سنوات المتلاحقة نما الذوق والفكر والوعي والعقل والقلب والجوارح على مخزون الماضي وعطاء الحاضر.
ورغم ما فيها من عثرات ولكنها مكنت الروابط وأحكمت الضوابط، ومن عثراتها موت سيدي الوالد رحمه الله.
ومضايقات الأضداد في شأن الاختلافات العلمية، وكلها أسهمت في بناء جسد المستقبل الموصول إلى النهج السوي.
حيث جاءت رحلة العودة إلى الوطن لترسي سفينة الخدمة الفضلى لإعادة منهج القوم وإحياء ثوابته، وتحجيم ثقافة اليوم لتصبح مادة معرفة ووسيلة هادفة.

 

[1] ساهمنا في صرف عيون المندفعين والمنتفعين عن أذى الوالد وملاحقته إضافة إلى تواضع سيدي الوالد ولطفه وحسن معاملته مع الخصوم والأضداد ساعده على تجنب الأذى الصريح والملاحقة المقلقة طيلة تحمله مسؤولية الإشراف على التعليم في المدرسة
[2] ورافق النجاح موت زوجتي ورفيقة حياتي … وأم أولادي

شرح رسالة <آداب سلوك المريد> للحبيب أبو بكر المشهور

يقدم الحبيب أبو بكر المشهور تلخيصاً وشرحاً ودراسة تحليلية لرسالة العلامة الإمام السيد عبد الله بن علوي الحداد، وهي “رسالة آداب سلوك المريد”، مع بيان السياق الذي نشرت فيه الرسالة، وأسلوب المؤلف وأهدافه وأهم الأفكار والمفاهيم والإرشادات التي اشتملت عليها الرسالة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمة
الحمد لله الذي أودع في تراث الأولياء عِبْرة وعِظَة تربط بين العصور وبين ما جاء به النبي المبرور في نص الكتاب وجليل الحديث النبي المشهور، فأفاد كل ذي علم ومعرفة أهل عصره بضوابط العلم الواجب وقواعد السلوك، وقرر لمن بعده نموذجاً يكشف حال العصر وأسلوب التربية فيه، والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا الرسول الأمي سيد المعرفة والتوجيه محمد بن عبد الله المبعوث بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ولُطْف التنبيه، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار.
وبعد: فإن من واجبنا اللازم علينا في هذا العصر المشحون بالثقافات والمعارف ونتاج الحضارات واختلاط الأمم وسائلها على ساحة الإعلام ووسائل الحلال والحرام أن نقف وقفة جادة على مفترق الطرق لنمحِّص ونبيِّن ولا نكون كالأمعة الذي يقول: ((إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت))، فالناس وهواياتهم وغواياتهم ليست قاعدة تشريع، وما تأتي به الرياح المتلاحقة من مشرق الأرض ومغربها ليس حُجَّة على أحد في قبول التطويع والتطبيع، بل حجتنا أمام العالم كله منهج الإسلام الصحيح، وما تفرَّع عنه من نشاط المدارس الإسلامية العريقة ذات الصلة زماناً ومكاناً وسنداً ورجالاً بالإسلام ذاته، هذه بغيتنا وحجتنا في هذا الركام المتلاحق.
ولأجل هذا المطلب تقف أربطة التربية الإسلامية في هذا الجزء من الوطن العربي والإسلامي لتقدم فروض البر والصلة لشيوخ الإسلام السابقين إلى العلم والعمل والتربية، وتتخذ من ذكرياتهم مناسبة لإعادة أصالة منهجهم العلمي والعملي في الحياة، وترفع الغشاوة المقصودة والتعتيم المبرمج الذي فرضته وسائل المدرسة الحديثة على شخصيات الإسلام الصحيح، كل ذلك محاولة جادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في حركة التحولات وتجديد لصرخة الحق في دوامات أعاصير الباطل.
ومن هذا المبدأ وضعنا مؤلفات الإمام الحداد تحت المجهر التعليلي التحليلي ليقرأها جيل المعاصرة بأسلوب المؤلف المعاصر وأهداف المؤلف الغابر، ومن مؤلفاته (رسالة المريد) الرسالة التي تغنينا في هذا البحث المتواضع، وبالله التوفيق.

نبذة عن الإمام الحداد
وُلِدَ عام 1044هـ بقرية (السبير) – إحدى ضواحي تريم – وكف بصره بإصابة من الجدري وهو ابن أربع سنوات، فأدرك بحواسه الأخرى ما فاته من حاسة البصر، وفاق بإدراكاته النيرة وبصيرته النافذة ما لم يدركه المبصرون بأبصارهم، ومنذ الطفولة وجهه والده إلى التعليم والتربية في الكُتَّاب والمساجد، فحفِظَ القرآن وجملة من متون الفقه والعقائد والنحو والسير والأشعار والحِكَم، ثم حفِظَ الأرشاد ونبغ فيه، وساعده المحيط العلمي الذي نشأ فيه على التوغل في صنوف العلم والمعرفة، وكان لأمِّه دور كبير في تهذيبه وتوجيهه وكمال استعداداته.
وكان من جملة شيوخه السيد العلامة عبد الله بن أحمد بلفقيه [1]، والسيد علي سهل بن أحمد باحسن الهديلي، والداعية السيد عمر بن عبد الرحمن العطاس، والسيد الوجيه عبد الرحمن بن شيخ مولى عيديد، وغيرهم.
ومن شيوخه بالمكاتبة السيد العلامة محمد بن علوي السقاف العلوي نزيل مكة وغيرهم.
برز الإمام الحداد مبكراً في مظهر العلم والتقوى والدعوة إلى الله والفتوى، وكانت مجالسة عامرة بالقراءة في كتب العلم والأدب والشعر إلى جانب التصوف والذوق والدقائق وانتفع بمجالسته العشرات وبتصانيفه الآلاف بعد المئات.

نبذة عن تصانيفه
انتشرت كتب الإمام الحداد في أفجاج العالم انتشاراً غريباً، وطُبِعَت رسائله المرات تلوا لمرات، وكانت مزيجاً من الفقه والتوحيد والتهذيب والتاريخ والحِكَم، ومن أبرزها: النصائح الدينية، والدعوة التامة، ورسالة المعاونة، والفصول العلمية، وإتحاف السائل.
كما طُبِعَت أوراده وراتبه وانتشرت في الأقطار الإسلامية، وله ديوان شعري مشهور، ومكاتبات حاوية على جملة من الحِكَم والمسائل النافعة.
وله مواقف واعية مع كافة رجال عصره سواء حكام الدول أو مناصب المقامات أو العلماء أو مع عموم الناس، وكان ينتقد الظلم ويأبى التغني بأمجاد السلف دون اتباع، وفي هذا يخاطب آل البيت ويقول:

ثم لا تغتر بالنسب   لا ولا تقنع بكان أبي

واتبع في الهدي خير نبي    أحمد الهادي إلى السنن

كما ينتقد الإفراط المشين عند بعض الصوفية الغُلاة، وينهى مريديه وتلاميذه عن مطالعة كتبهم، كما كانت له عناية خاصة بأعمال الزراعة ويشجِّع عليها ويفرح بالمزارعين المخلصين في خدمة الأرض ويقدِّم لهم النصائح العامة، وشجَّع بعض أهله وذويه على ممارسة التجارة الحلال رغبة في إيجاد الكسب الذي يعود عليه وعلى الفقراء بالنفع.
وكانت له صدقات وإحسان للفقراء والأرامل والأيتام ويكفل بعض الأيتام ويعلمهم وينفق عليهم.
وبالعموم كان الإمام الحداد مدرسة مستقلة جامعة لأصناف المعارف والمواقف، ويشهد بذلك تراثه وتلاميذه وآثاره الواسعة في كل مكان.
توفي رحمه الله قد ناهز التسعين عام 1132هـ ودُفِنَ بتريم في مقبرة (زنبل)، وبموته فقد العالم الإسلامي وحضرموت رجلاً من رجال الفضل والتقوى لم يستطع غيره أن يملأ فراغه الذي تركه من بعده، وقد ترجم له بعض تلاميذه مثل كتاب (غاية القصد والمراد) للسيد محمد بن زين بن سميط، و(الفوائد السنية) لحفيده أحمد بن حسن بن عبد الله الحداد، وغيرها كثير.

مؤلفات الإمام الحداد
1- رسالة المعاونة؛ ألفها وهو ابن سبع عشرة سنة.
2- النصائح الدينية.
3- الدعوة التامة.
4- اتخاف السائل.
5- الفصول العلمية.
6- رسالة المذاكرة.
7- سبيل الادكار.
8- المسائل العلوية.
9- رسالة المريد.
10- الحِكَم.
11- ديوان الدر المنظوم.
كما جمع تلميذه الشيخ أحمد الحساوى جملة من فوائده وكلامه في كتاب سماه (تثبيت الفؤاد)، وجمعت أيضاً مكاتباته في مجلدين، وله جملة من الأوراد كـ(وسيلة العباد)، و(الورد اللطيف) و(الراتب) وغيرها.
وترجم له العديد من علماء الإسلام تراجم منفردة وبعضها تراجم ضمن المؤلفات التاريخية كما هو في (أدوار التاريخ) للشاطري، و(تاريخ حضرموت) للسيد صالح الحامد، وبعضها تراجم منفردة كترجمة تلميذه السيد محمد بن زين بن سميط في (غاية القصد والمراد) وغيره.

نبذة عن رسالة المريد (موضوع البحث)
رسالة (آداب سلوك المريد) انعكاس حقيقي لمنهاج التربية الأبوية السائد في كثير من بلاد العالم الإسلامي والعربي آنذاك، وهذه التربية ذات ارتباط وثيق بعلم النفس التربوي الإسلامي الذي كان أصلاً من أصول التنشئة الاجتماعية في العالمين والإسلام يحث عليه ويدعو له، وكان صلى الله عليه وسلم يضعه في مقدمة مهمات البناء الاجتماعي للأمة ويضع معادلاً له … قضية التعليم.
فقد ورد قوله صلى الله عليه وآله وسلم حول مبدأ التربية: ((إنما بُعِثْت لأتمِّم مكارم الأخلاق))، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم حول مبدأ التعليم: ((إنما بُعِثْت معلماً)) .
وكان العالم الإسلامي يطبِّق المبدأين معاً في الحياة العامة والخاصة، ويعتني بهما معاً عبر القرون، وزاد أمر الاهتمام بالتربية الروحية والبناء الخلقي مع ظهور المدرسة الصوفية في العالم، المدرسة التي كثر اللغط حولها أخيراً بحق وبغير حق.
وعند التمحيص العادل نجد أنَّ المتناولين لهذه المدرسة لا يملكون البدائل السليمة فضلاً عن معرفتهم لطرفي الإفراط والتفريط في المدارس التقليدية ومنها مدرسة التصوف، والإمام الحداد أحد الأئمة الأفذاذ الذين قرروا مبدأ التوسط في الأخذ بمبدأ التصوف وتركيزه في مهمته التي وضعها الإسلام نصاً وهي مرتبة الإحسان: ((… أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
ونحن اليوم في عالمنا الإسلامي والعربي في أمس الحاجة لمبدأ الاعتدال والأخذ بمبدأ الوسطية (لا إفراط ولا تفريط) سواء كان في المنهج الذوقي الصوفي أو في غيره من مذاهب الإسلام وجماعاته، لأنَّ حاجة الأمة للاجتماع على قواسم دينها المشتركة خير لها من تجديد عوامل الصراع المساعد على توسيع رقعة الخلاف وتمزيق الجسر المتداعي.
وقد أدرك هذا المبدأ أمامنا الحداد وكرَّسه في مصنفاته حاملاً لواء عالمية الدعوة ودعوة المسلمين إلى البناء الروحي الخالص والاعتناء به في مراحل التعليم والتنشئة.
ونعتقد أنَّ كافة مصنفاته تزخر بهذا المبدأ، ولكن رسالة (آداب سلوك المريد) أكثرها عمقاً في شأن التربية ومبادئها المتماسكة، ويجب أن نتعرف على عصر الرسالة وظروف الحياة الاجتماعية والسياسية التي عاصرها المؤلف لنقرأ الرسالة من واقع المرحلة ومن منظور المؤلف الاجتماعي وما يحيط بها من واقع محلي وعالمي.

عصر المؤلف وظروف المرحلة
كان عصر الإمام الحداد عصراً زاخراً بالاهتمامات العلمية والبناء الروحي الصوفي على غرار مدرسة السلف، وقد انتشر أثر هذه المدرسة محلياً وعالمياً، وعرفت الأمة عشرات النماذج في حضرموت والحجاز وشرق إفريقيا وجزر إندونيسيا وغيرها، وهي مرحلة بلغ شأن مدرسة حضرموت الذروة في الانتشار العلمي والعملي، وفيها وفد إلى عواصم العلم في حضرموت عشرات، بل مئات الطلاب من داخل بلاد اليمن وحضرموت ومن خارجها.
وكان الإمام الحداد ذاته يستقبل في الحوطة الحاوي قوافل الطلاب والمحبين والمتعلقين القادمين من بلاد العوالق وحبان وما تسمى سابقاً (أرض القبلة)، ومنهم المشايخ آل بانافع، وآل السليماني، وآل بابكر، وآل بلجفار.
ووفد إليه آخرون من المهرة والإحساء والقطيف، ومنهم الشيخ المحب أحمد الحساوى الشجار، صاحب كاب (تثبيت الفؤاد).
ومن هذا المنطلق كان الإمام الحداد في عصره قدوة المقتدين وعلماً للمهتدين وداعية إلى حقائق الدين وحُسن الاتباع لمنهج سيد المرسلين، ولهذا رسم المنهج العادل في أعماله الكتابية، وحدَّد لمريديه وتلامذته وظائف الأوقات ليشتغلوا – ظاهراً وباطناً – بما يثبت مبادئ المعرفة الدينية والدنيوية، كما هو في رسالة (آداب سلوك المريد).

رسالة آداب سلوك المريد
يقول المؤلف؛ رحمة الله عليه: ((تمَّت هذه الرسالة: وهي إرشاد للمريد، الممنوح من ربه الحميد المجيد، التثبيت والتأييد والتسديد، وكان بحمد الله أملاؤها في سبع ليال أو ثمان من شهر رمضان أحد شهور عام 1071هـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام)) .

طباعة الرسالة
كتب في آخر الطبعة الثالثة سنة 1396هـ – 1976م بالقاهرة مطبعة المدني 68 شارع العباسية، تحت إشراف الشيخ حسنين محمد مخلوف؛ مفتي الديار المصرية سابقاً، وعضو جماعة كبار العلماء.
تم طبعها للقاهرة للمرة الأولى في ربيع الآخر سنة 1378هـ – 8 نوفمبر سنة 1958م من نسخة خطية بقلم عبد الرحمن بن أحمد السقاف ببلدة بوقور بجاوة[2] .
وطبعت للمرة الثانية في شوال سنة 1378هـ إبريل سنة 1959م.
وطبعت للمرة الثالثة في جمادي الآخرة سنة 1396 يوليو سنة 1976م.
كما طبعت هذه الرسالة طباعة فاخرة 1414هـ-1994م ضمن سلسلة كتب الإمام الحداد برقم (7)، قام بطبعها دار الحاوي للطباعة والتوزيع والنشر في 66 صفحة افتتحت بترجمة موجزة للإمام الحداد، وتتميز هذه الطبعة بالخط الجميل الذي تشرَّف بكتابته محمد صفوان محمود صافي.

باعث تأليف الرسالة
يفيد الإمام الحداد – في أخريات مقدمة رسالة آداب سلوك المريد – فيقول: ((اعلم أيها الطالب المريد، والمتوجه الراغب أنك حين سألتني أن أبعث إليك شيء من الكلام المنسوب إلي لَمْ يحضرني منه ما أراه مناسباً لما أنت بسبيله، وقد رأيت أن أقيد فصولاً وجيزة تشتمل على شيء من آداب الإرادة بعبارة سلسله، والله أسأل أن ينفعني وإياك وسائر الإخوان بما يورده علي من ذلك ويوصله إلي مما هنالك فهو حسبي ونعم الوكيل)) .

فصول الرسالة
اشتملت الرسالة على تسعة عشر فصلاً، كل فصل يحمل موضوعاً خاصاً من مواضع الإرادة مدللة بحجتها من الكتاب العزيز والسنة الشريف، وتتمة وخاتمة، وقد اشتملت الفصول على ثلاثة عشر آية قرآنية، وثمانية أحاديث نبوية، و أثراً من آثار السلف موزعة حسب مضانها من فصول الرسالة المباركة

بحث موضوع المقدمة
اشتملت براعة الاستهلال على الحمد لله، والتصلية، وعرض موضوع الرسالة بعد (أما بعد …)، وأول ما طرقته المقدمة من صلب الموضوع علاقة المريد بالحياة الدنيا والزهد فيها بقوله:
((والعاجلة هي الدنيا، فإذا كان المريد لها فضلاً عن الساعي لطلبها مصيره إلى النار مع اللوم والصغار، فما أجدر العاقل بالإعراض عنها والاحتراس منها)) .
الموضوع الثاني في المقدمة: علاقة المريد بالحياة الآخرة والعمل لها … فيقول:
((والآخرة هي الجنة، ولا يكفي في حصول الفوز بها الإرادة فقط، بل هي مع الإيمان والعمل الصالح المشار إليه بقوله تعالى: (وسعى لها سعيها وهو مؤمن) والسعي المشكور هو العمل المقبول المستوجب صاحبه المدح والثناء والثواب العظيم الذي لا ينقضي ولا يفنى بفضل الله ورحمته)) .

الموضوع الأول في المقدمة:
من هو الخاسر من كل وجه، فقال: ((والخاسر من كل وجه من المريدين للدنيا الذي يتحقق في حقه الوعيد المذكور في الآية هو الذي يريد الدنيا إرادة ينسى في جنبها الآخرة فلا يؤمن بها أو يؤمن ولا يعمل لها، فالأول كافر خالد في النار، والثاني فاسق موسوم بالخسار)) .
الموضوع الثاني في المقدمة:
النية الصالحة والنية السيئة، وأورد حديث ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى…)) الخ، وقال: ((فمن حسنت نيته حسن عمله لا محالة، ومن خبثت نيته خبث عمله لا محالة، وإن كان في الصورة طيباً)) .
الموضوع الرابع في المقدمة
الهجرة وما فيها من المعاني، فقال: ((وخص الهجرة عليه الصلاة والسلام من بين سائر الأعمال تنبيها على الكل بالبعض لأن من المعلوم عند أولي الأفهام أنَّ الإخبار ليس خاصاً بالهجرة بل هو عام في جميع شرائع الإسلام)) .
الموضوع الخامس في المقدمة
عرض للسبب الباعث على تأليف الرسالة، وختمها بالدعاء له وللمتسبب ولبقية الإخوان في الله.

******

الفصل الأول

1- تحديد أوليات الوجهة إلى الله وبواعثها:
((اعلم أنَّ أول الطريق باعث قوي يقذف في قلب العبد يزعجه ويقلقه ويحثه على الإقبال على الله والدار الآخرة، وعلى الإعراض عن الدنيا وعما الخلق مشغولون به من عمارتها وجمعها والتمتع بشهواتها والاغترار بزخارفها)) .
2- ما هو الباعث؟:
((وهذا الباعث من جنود الله الباطنة، وهو من نفحات العناية وأعلام الهداية)) .
3- كيف يأتي الباعث؟:
((وكثيراً ما يفتح الله به على العبد عند التخويف والترغيب والتشويق وعند النظر إلى أهل الله تعالى والنظر منهم، وقد يقع بدون سبب)) .
4- حال من أكرمه الله بهذا الباعث:
((ومن أكرمه الله بهذا الباعث الشريف فليعرف قدره المنيف شكرها فليبالغ في شكر الله تعالى على ما منحه وأولاه وخصه من بين أشكاله وأقرانه، فكم من مسلم بلغ عمره ثمانين سنة وأكثر لم يجد هذا الباعث ولم يطرقه يوماً من الدهر)) .
5- كيف يتقوى هذا الباعث:
((وعلى المريد أن يجتهد في تقويته وحفظه وإجابته، فتقويته:
أ) بالذِّكر لله، والفكر فيما عند الله.
ب) المجالسة لأهل الله، والبعد عن مجالسة المحجوبين والإعراض عن وسوسة الشياطين.
ج) وإجابته أن يبادر بالإنابة إلى الله تعالى ويصدق في الإقبال عليه ولا يتوانى ولا يسوِّف ولا يتباطأ ولا يؤخر.
د) وليحذر من غد بعد غد، فإنَّ ذلك من عمل الشيطان.
هـ) ولا يتعلل بعدم الفراغ وعدم الصلاحية.

استدلالات الفصل الأول
الحديث: ((إنَّ لربكم في أيام دهركم نفحات، إلا فتعرضوا لها)) .
الآثار: قال أبو الربيع: ((سيروا إلى الله عرجاً ومكاسير، ولا تنتظروا الصحة، فإنَّ انتظار الصحة بطالة …))، وقال ابن عطاء في الحِكَم: ((إحالتك العمل على وجود الفراغ من رعونات النفس)) اهـ.

الفصل الثاني
(شروط الإرادة)

أول شيء يبدأ (تصحيح التوبة) وتفصيلها ما يلي:
1- التوبة إلى الله من جميع الذنوب.
2- إن كان عليه شيء من المظالم لأحد من الخلق فليردها إلى أربابها، أو أن يطلب الإجلال منهم.
3- صدق الندم على الذنوب مع صحة العزم على ترك العود إليها.
4- أن يكون على غاية من الاعتراف بالتقصير عن القيام بما يجب عليه من حق ربه.
5- الاحتراز من صغير الذنوب فضلاً عن أكبرها أشد من احترازه من تناول السم القاتل.

استدلالات الفصل الثاني
الحديث: ((إن عند المنكسرة قلوبهم من أجلي [3] …)) .

الفصل الثالث
(حفظ القلب أساس الفتح ومحور التلقي)

ما يجب على المريد في هذا الجانب:
1- أن يجتهد في حفظ قلبه من الوساوس والآفات والخواطر الردِّية.
2- أن يقيم على باب قلبه حاجزاً من المراقبة يمنعها من الدخول إليه.
3- أن يبالغ في تنقية قلبه – الذي هو موضع نظر ربِّه – من الميل إلى الشهوات.
4- أن ينقيه من الحقد، والغل، والغش لأحد من المسلمين، ومن الظن السوء بأحد منهم.
5- أن يكون ناصحاً للمسلمين، رحيماً بهم، مشفقاً عليهم، معتقد الخير فيهم، يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشر.

معاصي القلب وأثرها على المريد:
1- من أفحشها الكِبَر، والرياء، والحسد.
2- وأم الجميع وأصلها ومغرسها حُبُّ الدنيا … ((حُبُّ الدنيا رأس كل خطيئة [4] )).

الفصل الرابع
(حفظ الجوارح عن المعاصي)

وما يجب على المريد في ذلك:
1- أن يجتهد في كف جوارحه عن المعاصي والآثام.
2- لا يحرك شيئاً فيها إلا في طاعة، ولا يعمل بها إلا شيئاً يعود عليه نفعه في الآخرة.
3- أن يبالغ في حفظ اللسان عن الغيبة والكذب وسائر الكلام المحضور والكلام الفاحش والخوض فيما لا يعني.
4- أن لا يحرك لسانه إلا بتلاوة أو ذكر أو نصح لمسلم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو شيء من حاجات دنياه التي يستعين بها على أُخراه.

وظيفة السمع والبصر وخطر إهمالها:
اعلم أنَّ السمع والبصر بابان مفتوحان إلى القلب وليكن المريد حريصاً على حفظ سمعه وبصره، وليحذر من النظر إلى الدنيا بعين الاستحسان فإنَّ ظاهرها فتنة وباطنها عبرة.
وإذا نظرت إلى الموجودات فانظر إليها نظر المستدل بها على كمال قدرة موجده ومبدئها سبحانه اهـ.

استدلالات الفصل الرابع
الحديث: ((كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ذكر الله، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر [5])) .

الفصل الخامس
(المداومة على الطهارة وإيثار الجوع على الشبع)

من شروط المريد أن:
1- لا يزال على طهارة كلما أحدث توضأ وصلى ركعتين.
2- إن كان متأهلاً وأتى أهله فليبادر بالاغتسال.
3- يستعين على دوام الطهارة بقلة الأكل.
4- أن لا يأكل إلا عن فاقة، ولا ينام إلا عن غلبة، ولا يتكلم إلا في حاجة.
5- أن لا يخالط أحداً من الخلق إلا ذو فائدة له.

استدلالات الفصل الخامس
الحديث: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، حسب ابن لآدم لقيمات يقمْنَ صلبه، فإن كان لا محالة فثُلُث لطعامه، وثُلُث لشرابه، وثُلُث لنَفَسِه [6] )) .

الفصل السادس
(الإقبال على الله والتفرغ لعبادته)

ومن شروط الإرادة عند المريد أن يكون:
1- أبعد الناس عن المعاصي والمحضورات.
2- أحفظهم للفرائض والمأمورات.
3- أحرصهم على القربات وأسرعهم إلى الخيرات.
4- شحيحاً على أنفاسه، بخيلاً بأوقاته، لا يصرفها إلا فيما يقربه إلى الله.
5- أن يكون له وِرْد في كل نوع من العبادات يواظب عليها.
6- أن يكثر من تلاوة القرآن مع تدبُّر معانيه وترتيل ألفاظه ممتلئاً بعظمة الحق سبحانه عند تلاوة كتابه.
7- أن يكون له حظ من التهجد من الليل فيناجي ربه … التضرع والاستغفار والذلة.

استدلالات الفصل السادس
أثر: ((كل علم لا يعود عليك نفعه فالجهل أعود عليك منه)) .

الفصل السابع
(وجوب إقامة الصلاة والحضور فيها)

من شروط الإرادة عند المريد:
1- الاعتناء بإقامة الصلوات الخمس بإتمام قيامهن، وقراءتهن، وخشوعهن، وركوعهن، وسجودهن، وسائر أركانهن، وسُنَنِهِنَّ.
2- استشعار عظمة من تريد الوقوف بين يديه متجنباً الاسترسال في أودية الغفلة والوسواس والخواطر والأفكار الدنيوية، فإنها موجبة للمقت من الله والطرد عن باب الله.

استدلالات الفصل السابع
حديث: ((إذا قام العبد إلى الصلاة أقبل الله عليه فوجهه، فإذا التفت إلى ورائه يقول الله تعالى: ابن آدم التفتَ إلى من هو خير له مني.. فإن التفت الثانية قال مثل ذلك، فإن التفت الثالثة أعرض الله عنه [7])) اهـ.

الفصل الثامن
(التحذير وترك الجمعة والجماعات والحث على أداء الرواتب)

ومن شروط الإرادة عند المريد السالك:
1- أن يحذر من ترك الجمعة والجماعات.
2- أن يحافظ على الرواتب المشروعات.
3- أن يواظب على الوتر والضحى ما بين العشائين.
4- أن يكون شديد الحرص على عمارة ما بين صلاة الصبح إلى الطلوع وما بعد صلاة العصر إلى الغروب.

استدلالات الفصل الثامن
حديث: ((إنَّ الذي يقعد في مصلاه يذكر الله بعد صلاة الصبح أسرع في تحصيل الرزق من الذي يضرب في الآفاق)) .

الفصل التاسع
(في ملازمة الذكر والتفكُّر)

ومن شروط المريد السالك بعد فعل الأوامر واجتناب المحارم:
1- ملازمة الذكر لله في كل حال وفي كل وقت وفي كل مكان بالقلب واللسان.
2- وأفضل الذكر الجامع معاني الأذكار وثمراتها الباطنة والظاهرة هو قول (لا إله إلا الله)، وهو الذي يؤمر بملازمته أهل البداية ويرجع إليه أهل النهاية.
3- أن يعكف على الذِّكر بقلب حاضر وأدب وافر وإقبال صدق وتوجيه خارق.
4- أن يكثر من التفكر وهو على ثلاثة أقسام:
أ) تفكُّر في عجائب القدرة وبدائع المملكة السماوية والأرضية؛ ثمرته المعرفة بالله.
ب) تفكر في الآلاء والنعم؛ ونتيجته المحبة لله.
ج) تفكر في الدنيا والآخرة وأحوال الخلق فيهما؛ وفائدته الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة.

الفصل العاشر
(زجر النفس عن التكاسل عن الطاعات وعن الميل إلى المخالفات)

ومن شروط المريد السالك أن يرعى نفسه ويقودها إلى الخير كلما ثقلت عن فعله بزمام الرجاء وهو:
– أن تُذكِّر لها ما وعد الله به العاملين من الفوز العظيم والنعيم القيم والرحمة والرضوان والخلود في فسيح الجنان والعز والرفعة والشرف والمكانة عنده سبحانه وتعالى وعند عباده.
أما إذا أحس من نفسه الميل إلى المخالفات والالتفات للسيئات فيردها سوط (الخوف) وهو:
– أن تذكِّرها وتعِظها بما توعَّد الله به من عصاه من الهوان والوبال والخزي والنكال والطرد والحرمان والصِغار والخسران.
وليحذر المريد من الوقوع في الشطحات والاستهانة بشأن الجنة والنار، ويجب تعظيم ما عظَّم الله ورسوله؛ وأسأله رضاه والجنة، وأستعيذ به من سخطه والنار بفضله ورحمته.

الفصل الحادي عشر
(أهوال النفس ولزوم الصبر)

ومن شروط المريد السالك أن يعلم:
1- إنَّ أول الطريق صبر، وآخره شُكر، وأولها عناء، وآخرها هناء، وأولها تعب ونصب، وآخرها فتح وكشف ووصول إلى نهاية الأدب؛ وهو معرفة الله والوصول إليه والأنس به.
2- أن يعلم أنَّ النفس في أول أمرها تكون أمارة تأمر بالشر وتنهي عن الخير، فإن جاهدها وصبر على مخالفة هواها صارت … لها وجه إلى المطمئنة ووجه إلى الأمارة، فإن رفق بها يقودها … الرغبة فيما عند الله صارت مطمئنة تأمر بالخير وتستلذه، وتنهى عن الشر وتفر منه.
3- صاحب النفس المطمئنة يعظُم تعجبه من إعراض الناس عن الطاعات وإقبالهم على المعاصي والشهوات، ثم يتذكر حاله من قبل فيعلم أنه لم يصل إلى ما هو فيه إلا بمجاهدة طويلة وعناية من الله عظيمة.
4- أن يعلم أنَّ الصبر عن المعاصي والشهوات وعلى ملازمة الطاعات هو الموصل إلى كل خير والمبلغ إلى كل مقام شريف وحال منيف.

استدلالات الفصل الحادي عشر
القرآن الكريم:
1- (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابوا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) .
2- (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) .
3- (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) .

الحديث الشريف:
1- ((من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمته الصبر، ومن أوتي حظه منهما فلا يبالي بما فاته من قيام الليل وصيام النهار [8])) .

الفصل الثاني عشر
(الاعتبار بالصابرين وأن الرزق مقسوم)

ومن شروط المريد السالك أن يعلم:
1- أنه قد يُبتَلَى المريد بالفقر والفاقة وضيق المعيشة، فينبغي له أن يشكر الله على ذلك، ويعدّه من أعظم النعم.
2- أن يعلم أن الدنيا عدوَّة، والله يقبل بها على أعدائه ويصرفها عن أوليائه؛ فليحمد الله أن شبَّهه بأنبيائه وأوليائه.
3- أن يعلم أنَّ خير الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان يربط الحجر على بطنه من الجوع، وقد يمر شهران أو أكثر ما توقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نار لطعام ولا لغيره، إنما كان طعامهم التمر والماء، ونزل به ضيف فأرسل إلى أبياته التسعة فلم يجد فيها ما يُطعم الضيف، ومات يوم مات ودرعه مرهونة عند يهودي في صوع من شعير.
4- ليكن قصدك أيها المريد همتك من الدنيا خرقة تستر بها عورتك، ولقمة تسد بها جوعك من الحلال فقط.
5- إياك والسُّم القاتل، وهو الاشتياق إلى التنعم بالدنيا أو تغبط المتنعمين بها من الناس، فسوف يُسألون عن قيمتها ويحاسبون على ما أصابوا من شهواتها.
6- اعلم أنَّ الله سبحانه وتعالى منذ خَلَق الدنيا ما نظر إليها، وأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال عنها: ((الدنيا سجن المؤمن وجنَّة الكافر، ولو كانت الدنيا تَزِن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)) .
7- واعلم أنَّ الرزق مقدِّر ومقسوم، فإن كنت من المقتر عليهم فعليك بالصبر والرضا والقناعة، وإن كنت من الموسع عليهم فأصب كفايتك وخذ حاجتك مما في يدك واصرف ما بقي في وجوه الخير وسبل البر [9] .
8- واعلم أنه لا يلزم على من أراد الدخول في الطريق أن يخرج من ماله إن كان له مال، أو يترك حرفته وتجاربته إن كان محترفاً أو تاجراً، بل الذي يتعين عليه تقوى الله ولا … في الطلب بحيث لا يترك فريضة ولا نافلة ولا يقع في محرم ولا فضول (اهـ).
9- إنْ عَلِمَ المريد من نفسه أنه لا يستقيم قلبه ولا يسلم إلا بالتجرد عن المال والأسباب لزمه ذلك.
10- واعلم أيها المريد أنك لا تقدر على ملازمة الطاعات واجتناب الشهوات والإعراض عن الدنيا إلا بأمور منها:
أ) أن تستحوذ في نفسك أنَّ مدة بقائك في الدنيا قليلة، وأنك عما قريب تموت فتنصِّب أجلك بين عينيك.
ب) إياك وطول الأمل فإنه يميل بك إلى محبة الدنيا ويثقل عليك ملازمة الطاعات والإقبال على العبادات.

استدلالات الفصل الثاني عشر
القرآن: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون وزخرفاً وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين).
الحديث: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ولو كانت الدنيا تَزِن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منه شربة ماء [10] )).

الفصل الثالث عشر
(في الصبر على أذى الناس والحذر من فتنتهم)

ومن شروط المريد السالك أن يعلم:
1- أنه بما تسلط بعض الخلق على بعض المريدين بالإيذاء والجفاء والذم فإن بليت بشيء من ذلك فعليك بالصبر، وترك المكافأة مع نظافة القلب عن الحقد وإضمار الشر، واحذر الدعاء على من آذاك، ولا تقل إذا أصابته مصيبة: ((هذا بسبب أذاه لي)).
2- أفضل من الصبر على الأذى العفو والدعاء له، وذلك من أخلاق الصديقين.
3- عد إعراض الخلق عنك نعمة من ربك، فإنهم لو أقبلوا عليك ربما شغلوك عن طاعته.
4- إن ابتليت بإقبالهم وتعظيمهم وثنائهم وترددهم فاحذر من فتنتهم واشكر الله الذي ستر مساويك عنهم.
5- إن خشيت على نفسك التصنع والتزين لهم والاشتغال عن الله بمخالطتهم فاعتزلهم وأغلق بابك عنهم أو غادر الموضع الذي أنت فيه إلى موضع لا تُعرف فيه.
6- كن مؤثر للخمول فاراً من الشهرة والظهور، فإنَّ فيه الفتنة والمحنة.

استدلالات الفصل الثالث عشر
أثر: ((والله ما صدق الله عبد إلا أحب أن لا يشعر بمكانه))، وقال آخر: ((ما أعرف رجلاً أحب أن يعرفه الناس إلا ذهب دينه وافتضح)) اهـ.

الفصل الرابع عشر
(في إطراح مراقبة الخلق)

من شروط المريد السالك:
1- أن يجتهد وينفر به القلب من الخوف من الخلق أو الطمع فيهم، فإنَّ ذلك يحمل على السكوت على الباطل وعلى المداهنة في الدين وعلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2- إن وصلك أحد من إخوانك المسلمين بمعروف فخذه إن كنت محتاجاً إليه، واشكر الله فهو المعطي في الحقيقة، واشكر من وصله إليك، وإن لم تكن لك حاجة إليه فانظر الأصلح لقلبك، فإن الأخذ أخذت، وإن كان الرد رددت برفق بحيث لا ينكسر قلب المعطي.
3- وإياك والرد للشهرة والأخذ بالشهوة، فلأن تأخذ بالشهوة خير لك من أن ترده للشهرة بالزهد والإعراض عن الدنيا.
4- الصادق لا يلتبس عليه أمر، ولابد أن يجعل الله في قلبه تغير وما يراد منه.

الفصل الخامس عشر
(في الزجر عن طلب المكاشفات والكرامات)

وعلى المريد السالك أن يعلم:
1- أنَّ من أضر شيء على المريد طلبه للمكاشفات واشتياقه إلى الكرامات والخوارق، وهي لا تظهر له مادام مشتهياً لها لأنها لا تظهر إلا على يد من يكرهها ولا يريدها غالباً.
2- قد تقع الخوارق لطائفة من المقرونين استدراجاً لهم وابتلاءً، وهي في حقهم إهانات وليست كرامات.
3- لا تكون الكرمات كرامة إلا إذا ظهرت على أهل الاستقامة، ومتى ظهرت يجب كتمها على الناس وإن لم تظهر فلا تتمنى ولا تأسف على فقد ذلك.
4- اعلم أنَّ الكرامة الجامعة لجميع أنواع الكرامات الحقيقيات والصوريات هي الاستقامة المعبر عنها بامتثال للأوامر واجتناب النواهي ظاهراً وباطناً فعليك بتصحيحها وإحكامها.

الفصل السادس عشر
(حسن الظن بالله في طلب الرزق مع السعي إليه)

ومن شروط السالك:
1- حسن الظن بالله تعالى أن يعينك ويكفيك ويحفظك ويقيك ولا يكلك إلى نفسك ولا إلى أحد من الخلق.
2- اخرج من قلبك خوف الفقر وتوقع الحاجة إلى الناس.
3- احذر كل الحذر من الاهتمام بأمر الرزق، وكن واثقاً بوعد ربك وتكفله بك حيث يقول (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) .
4- اشتغل بما طُلِب منك من العمل عما ضمن لك من الرزق فإن مولاك لا ينساك.
5- اعلم أنه لا جرح عليك في طلب الرزق بالحركات الظاهرة على الوجه المأذون شرعاً وإنما الحجر في عدم سكون القلب واهتمامه واضطرابه ومتابعة لأوهامه.
6- مما يدل على خراب القلب اهتمام الإنسان بما يحتاج إليه في اليوم المقبل والشهر الآتي.
7- التجرد عن الأسباب والدخول فيها مقامان يقيم الله فيهما من يشاء من عباده، فمن أقيم في التجرد فعليه بقوة اليقين وسعة الصدر وملازمة العبادة.
8- ومن أقيم في الأسباب فعليه بتقوى الله في سببه والاعتماد على الله.
9- قد ترد على المريد خواطر في طلب الرزق وفي مراءاة الخلق وليس ملوماً ولا مأثوماً عليها إن كان كارهاً لها ومجتهداً في نفيها عن قلبه (اهـ).

استدلالات الفصل السادس عشر
القرآن الكريم:
1- (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) .
2- (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له) .

الفصل السابع عشر
(في صحبة الأخيار وآداب المريد مع الشيخ وأوصاف الشيخ الكامل)

ومن شروط المريد السالك:
1- أن تكون لك عناية تامة بصحبة الأخيار ومجالسة الصالحين الأبرار.
2- كن حريصاً على طلب شيخ صالح، مرشد، ناصح، عارف بالشريعة، سالك للطريق، ذائق للحقيقة، كامل العقل، واسع الصدر، حسن السياسة، عارف بطبقات الناس مميز بين غرائزهم وفطرهم وأحوالهم.
3- إذا ظفرت به فألق عليه نفسك وحكِّمه في جميع أمورك وارجع إلى رأية ومشورته في كل شأنك واقتد به في جميع أفعاله وأقواله.
4- لا تقتدي به فيما يكون خاصاً بمرتبة المشيخة كمخالطة الناس ومداراتهم ودعوة القريب والبعيد [11] .
5- لا تعترض عليه في شيء من أحواله لا ظاهراً ولا باطناً.
6- إذا وقع في قلبك شيء فاجتهد في نفيه، وإلا فحدث به الشيخ ليعرِّفك وجه الخلاص منه.
7- أن تخبره بكل ما يقع لك خصوصاً في سيرك إلى الله.
8- أحذر أن تطيعه في العلانية وتعصيه في السر فتقع في الهلاك.
9- لا تجتمع بأحد من المشايخ المسلكين إلا عن إذنه، فإن أذِنَ لك فاحفظ قلبك واجتمع بمن أردت، وإن لم يأذن لك فمصلحتك في اختياره ولا تتهمه بالغيرة أو الحسد.
10- احذر من مطالبة الشيخ بالكرامات والمكاشفة بخواطرك فإن الغيب لا يعلمه إلا الله.
11- غاية الولي أن يطلعه الله على بعض الغيوب في بعض الأحيان [12] .
12- الشيخ الكامل هو الذي يقيدك بهمته وفعله وقوله، وإن كنت بعيداً عنه.
13- أضر شيء على المريد تغير قلب الشيخ عليه، ولو اجتمع على صلاحه بعد ذلك مشايخ الشرق والغرب.
14- كما يجب على الشيخ أن يقبل المريد في الطريق حتى يختبر صدقه في طلبه وشدة تعطشه إلى من يدله على ربه.
15- إن لم يجد المريد شيء فعليه بملازمة الجد والاجتهاد (في الطاعة والعبادة)، مع كمال الصدق والالتجاء إلى الله حتى يقيض الله من يرشده ويسوق إليه من يأخذ بيده.

الفصل الثامن عشر
(تتمَّة في آداب المريد مع الشيخ)

من شروط المريد السالك:
1- إن أردت من شيخك أمراً أو بدا لك أن تسأله عن شيء فلا يمنعك إجلاله والتأدب معه عن طلبه وسؤاله المرة والمرتين والثلاث، إلا إن أشار عليك بالسكوت أو أمرك بترك السؤال.
2- إن منعك الشيخ من أمر أو قدم عليك أحد فإياك أن تتهمه، ولتكن معتقداً أن ما فعلَ إلا ما هو أنفع وأحسن لك.
3- إذا وقع منك ذنب ووجد عليك شيخك بسبب ذلك فاعتذر له وبادر في ذلك.
4- إذا أنكرت قلب شيخك عليك أو فقدت منه بِشراً كنت تألفه أو نحو ذلك فحدثه بما وقع لك، ليكشف لك السبب إن كان هناك سبب، أو أن يذهب عنك توهم الشيطان الذي أراد أن يسوءك.
5- إذا امتلأ المريد بشيخه تعظيماً وإجلالاً واجتمع عليه بظاهره وباطنه وأمثل أوامره وتأدب بآدابه لابد أن يرث سره أو شيئاً منه إن بقي بعده.

الفصل التاسع عشر
(الخاتمة: أوصاف المريد الصادق، وما يجب أن يكون عليه)
قال بعض العارفين رضي الله عنهم ونفعنا بهم أجمعين:
1ـ لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد ويعرف النقصان من المزيد ويستغني بالمولى عن العبيد ويستوي عنده الذهب والصعيد.
2ـ المريد من حفظ الحدود ووفّى بالعهود ورضي بالموجود وصبر على المفقود.
3ـ المريد من شكر على النعماء وصبر على البلاء ورضي مر القضاء وحمد ربه في السراء والضراء وأخلص له في السر والنجواء.
4ـ المريد من لا تسترقه الأغيار، ولا تستعبده الآثار، ولا تغلبه الشهوات، ولا تحكم عليه العادات كلامه ذكر وحكمة وصمته فكرة وعبرة يسبق قوله فعله ويصدق علمه عمله شعاره الخشوع والوقار ودثاره التواضع والانكسار يتبع الحق ويؤثره ويرفض الباطل وينكره يحب الأخيار ويواليهم ويبغض الأشرار ويعاديهم خُبْره أحسن من خبَره ومعاشرته اطيب من ذكره كثير المعونة خفيف المؤونة بعيد عن الرعونة أمين ومامون لا يكذب ولا يخون ولا بخيلا ولا جبانا ولا سبابا ولا لعانا ولا يشتغل عن بُدِّه و لا يشح بما في يده طيب الطوية حسن النية ساحته من كل شر نقية وهمته فيما يقربه من ربه عليّة ونفسه على الدنيا أبية لا يصر على الهفوة ولا يحجم بمقتضى الشهوة قرين الوفاء والفتوة حليف الحياء والمروة ينصف كل أحد من نفسه ولا ينتصف لها من أحد إن أعطي شكر وإن منع صبر وإن ظلم تاب واستغفر وإن ظلم عفا وغفر يحب الخمول والاستتار ويكره الظهور والاشتهار لسانه عن كل مالا يعنيه مخزون وقلبه على تقصيره في طاعة ربه محزون لا يداهن في الدين ولا يرضي المخلوقين بسخط رب العالمين يأنس بالوحدة والإنفراد ويستوحش من مخالطة العباد ولا تلقاه إلا على خير يعمله أو علم يعلّمه يُرجى خيرُه ولا يُخشى شرُّه ولا يؤذي من آذاه ولا يجفي من جفاه كالنخلة تُرمَى بالحجر فترمي بالرُّطَب وكالأرض يُطرَح عليها كلُّ قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح تلوح أنوار صدقه على ظاهره ويكاد يفصح ما يرى على وجهه عما يضمر في سرائره سعيه وهمته في رضاء مولاه وحرصه ونهمته في متابعة رسوله وحبيبه ومصطفاه يتأسى به في جميع أحواله ويقتدي به في أخلاقه وأفعاله وأقواله ممتثلا لأمر ربه العظيم في كتابه الكريم حيث يقول: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (ومن يطع الله ورسوله فقد أطاع الله) (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) فتراه في غاية الحرص في متابعة نبيه ممتثلا لأمر ربه وراغبا في الوعد الكريم وهاربا من الوعيد الأليم الواردين في الآيات التي اوردناها وفيما لو نورده فيما هو في معناها المشتملة على البشارة بغاية الفوز والفلاح للمتبعين للرسول، وعلى النذارة بغاية الخزي والهوان للمخالفين له.
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام أن ترزقنا كمال المتابعة لعبدك ورسولك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأعماله وأقواله ظاهرا وباطنا وتحيينا وتميتنا على ذلك برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .
(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) .
مستجدات آداب سلوك المريد في المرحلة المعاصرة:
سبقت الإشارة إلى مسألة (التعليم الأبوي) الذي كان سائداً في العالمين العربي والإسلامي منذ فجر الرسالة وحتى مرحلة الاستعمار، وتقييم العالم الإسلامي، وإعادة النظر في التعليم والتربية.
وهذه المرحلة المشار إليها بالإستعمار ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (بالغثاء) في الحديث الصحيح.
ومرحلة الغثاء يقدرها علماء الإسلام منذ سقوط قرار دولة الإسلام بانهيار الخلافة العثمانية وبدء مرحلة التحولات السياسية والاجتماعية والتربوية خلال القرن التاسع عشر الميلادي.
وقد مرت بلاد المسلمين أبان هذه المرحلة بدورين خطيرين:
الأول: مرحلة ضعف دولة الخلافة وانعكاس ذلك على العالمين الإسلامي والعربي وعلى دولة الخلافة ذاتها.
الثاني: مرحلة الدور القبلي الذي استثمرته القوى الاستعمارية ووقعت فيه معاهدات الحماية والمساعدة للدويلات والسلطنات والمشيخات والإمارات.
وخلال هاتين المرحلتين بدأ التعليم يخرج عن طوره الإسلامي المتوارث كما خرجت التربية ذاتها في كثير من البلاد.
أما في حضرموت بالخصوص فقد حافظت عواصم العلم الشهيرة إلى حدٍ ما على هذا المنهج الأبوي مدة أطول، واستطاعت أن توزع أسلوب مدرستها الأبوية على بعض بقاع اليمن وبقاع العالم لما تملكه المدرسة من ثوابت العلم والعمل والورع والإخلاص والخوف من الله عند مخاطبة الشعوب، ورفضها منازعة الحاكم في حكمه وإنما مناصحته، وخاصة أن حكام المراحل السابقة كانوا من داخل الواقع المحلي أو العربي أو الإسلامي حسب تقلبات الأزمنة والظروف من عصر خلافة إسلامي عامة إلى عصر إمامة الزيدية، أو دويلات إسلامية متناثرة، إلى عصر حكام وسلاطين محليين.
وقد انقطع هذا النسق السياسي مع مرحلة الغثاء – مرحلة الاستعمار العالمي – كما انقطع النسق التربوي والتعليمي بهذه المرحلة، ودخل العالم الإسلامي في العموم والعالم العربي بخصوصه منذ ذلك الحين مرحلة جديدة في السياسة، والاقتصاد، والعلوم الاجتماعية، والتربية، والتعليم، وحدود الأرض، وأسلوب الفكر، والتدين المذهبي، والتشكيلات الاجتماعية، وانقطع الأمل في الأساليب التقليدية بشروطها الإسلامية الكاملة.
وتخرَّج من مدارس الغثاء وكلياته ومعاهده (المسلم الجديد) وبقي من التعليم الأبوي التقليدي آثار محدودة جداً وخاصة في حضرموت، حيث استطاعت قواعد السلف التربوية والتعليمية أن تكافح أعاصير التحولات وتصمد خلال التقلبات بنسبة معينة أسهمت في إبقاء العديد من آثار المنهج التربوي الأبوي رغم ما تعرض له رجال هذا المنهج من الحرب الإعلامية والقتل والسحل والأذى والضغوط الداخلية والخارجية.
ولم يسلم هذا المنهج الأبوي أيضا من الضعف والتخلخل والانحسار جيلاً بعد جيل وخاصة بعد أن حمل العديد من أحفاد (المهاجر والمحضار والسقاف والحداد) الأفكار والرؤى المعاصرة، وذاب آخرون في مشاتل المجتمعات المتحولة داخلاً وخارجاً، وتكاثر الأبناء المنقطعون عن التعليم والتربية الأبوية ماعدا الانتماء العرقي أو الانتماء بالطريقة مع ضعف في العلم والمواقف.
ولمَّا دخل المسلمون مرحلة الاستثمار لسابق الأطروحات الفكرية العالمية والمسماة بـ(مرحلة الصحوة) ظنَّ الكثير من مسلمي التحولات أنَّ هذه المرحلة هي مرحلة العودة إلى الإسلام في كل صوره، والحقيقة أنها عودة على ثلاثة أقسام:
1- عودة المحبطين والغافلين من أتباع المدرسة التقليدية إلى إعادة بناء مدارسهم التقليدية وترتيب ثوابتها العلمية والعملية بعد محاربة الاستعمار والاستهتار والاستثمار لها ولرجالها مع جهل مطبق بسياسة المراحل وتقلباتها.
2- إعادة التشكيلات الاجتماعية والدينية في الواقع الإسلامي بنقض عرى الحكم والسياسة، وتسليط الفئات بعضها على بعض تحت مسميات السلفية، والحزبية، والتيارية لتقوم ضد المذهبية التقليدية، وآل البيت، والمنهج الصوفي المتنوع.
3- بناء جبهات إسلامية متطرفة ذات علاقة بالتحولات الاقتصادية والسياسية العالمية لإكمال المشروع الاستسلامي والتجزئة السياسية والفكرية والاجتماعية في العالمين العربي والإسلامي باسم الصحوة.
ومن هذه المواقف المتحولة والمتغيرة صار لازماً على أتْبَاع مدرسة حضرموت في المرحلة المعاصرة أن يدركوا كغيرهم مستجدات هذه التحولات وأثرها على الواقع وعلى التربية الأبوية والتركيبات الاجتماعية، وأنَّ إعادتنا لقواعد السلف التربوية والتعليمية لا يقتصر على مجرد القراءة والاطلاع والتقرير لما كانوا عليه معتقدين أن مدلول الطريق قائم على قدم وساق. بل يلزمنا معالجة ما أحدثته المراحل من جهة، ورفع مستوى المريدين والأتباع إلى المادة العلمية العملية، المناسبة للزمان والأحوال مستصبحين بآراء وتعليمات السلف أمثال الإمام الحداد.
وتكوين جيل العصر الجديد المتوازن مع مستجدات المرحلة وتقلباتها مع حفظ ثوابت السلوك والطريقة وتجديد وسائلها وعناصر تطبيقها ويتم ذلك بما يلي:
1- فهم معنى الطريق كطريقة ومدلول سير المريد فيها.
2- فهم معنى المدرسة كمدرسة ومدلول شمول معناها وثوابتها.
3- فهم معنى آل البيت كعائلة ومحدودية آثار ذلك في الواقع المعاصر.
4- فهم معنى آل البيت كمدرسة وشمولية آثار ذلك وفائدته.
5- فهم معنى التعليم والتربية الأبوية وأساس مناهجها.
6- فهم معنى التعليم المسيس وأساس منهجيته.
7- فهم مدلول التحولات في العالمين العربي والإسلامي وربطه بمدلول الغثائية المعبر عنها في الصحيح.
8- فهم تقلبات الأمة الإسلامية ومدارسها التقليدية خلال مراحل الاستعمار، الاستهتار، الاستثمار، وآثار كل مرحلة على المنهج وامتداده.
9- فهم ما يحاك في الخفاء أو العلن لحرب ومنع ما بقي من آثار التعليم الأبوي وإرباك رجاله وجرهم إلى أتون الصراع المفتعل وكيفية التخلص من هذه …
10- تجديد مسائل الطريق والنظر في قواعد السلوك لتلائم – إلى حدٍ ما – مستجدات التحولات الجديدة كرافد هام لاستمرار أثر المدرسة التقليدية في المرحلة المعاصرة ولو بنسبة معينة.
11- العمل على إعادة طرفي التربية والتعليم ومزجهما في بوتقة واحدة على أساس جديد ومتطور يتلاءم مع مستجدات ومنجزات العلم والحضارة المعاصرة على غير إفراط ولا تفريط.
إنَّ تطبيق آداب سلوك المريد بحذافيره مسألة فيها نظر، ولن يستطيع امرؤ مهما أتى من الإخلاص والهمة والإرادة أن يعيد هذه المفاهيم والثوابت للواقع العملي اليومي كما هي في عصر الإمام الحداد، لأنَّ هذه الثوابت كانت حينها من مستجدات ذلك العصر وتحولاته، ولم يكن بعضها معروف من قبل بكافة أنواعه ونماذجه.
ومن فقه رجال الطريق كالإمام الحداد استفادوا من تحولات المراحل وتقلبات الأزمان فرسموا لمريديهم وأهل عصرهم ثوابت الطريق على أساس فهم المرحلة.
أما حقيقة التربية الأبوية التي كانت قبل الإمام الحداد فهي مشروحة في بقية كتبه وأشعاره، وهي التي يبكي عليها ويتأسف لفقدها وذهابها مع التحولات فها هو يقول:
مضى الصدق وأهل الصدق يا سعد قد مضوا مضوا
فلا تطلبن الصدق من أهل ذا الزمن

فليس لهم صدق ولا يعرفونه
قد ارتبكوا في لجة المين والدرن[13]

مقارنة بين العهد الأبوي والعهد المعاصر
العهد الأبوي                                                                      العهد المعاصر
• الرزق القوام الحلال                                                   الرزق المشبوه والحرام
• العزلة أو الخلوة                                                        الاختلاط بين الأضداد
• المجاهدة في الله                                                        الإحباط والتكاسل
• قلة الطعام والكلام                                                      كثرة الطعام والكلام
• مجانبة الأضداد                                                         امتزاج الأجناس
• انعدام تأثير الإعلام                                                    الإعلام الرخيص مسلم وكافر
• الشيخ المربي والمسلك                                                المدرس
• المنهاج الأبوي للتربية                                               المنهج المسيس (عزل الابن عن الأب)
• المنهاج الأبوي للتعليم                                               المنهج المسيس (تسييس التعليم)
• حجز المرأة بالآداب                                                   حرية المرأة وحقوقها المزيفة
• تباعد المناطق                                                          تقارب البلاد بالوسائل
• عهود إسلامية متعاقبة                                               عصر استعماري واشتراكي واستثمار
• جهاد في سبيل الله                                                     جهاد في سبيل الدنيا والحال
• قرار إسلامي موحد                                                   قرار كافر موحد
• تسليك وتأديب وربط بالإسلام                                     تفكك وجرأة على الآداب وربط بعجلة الغرب والشرق.
• زجر العلماء لأهل الانحراف والبدع                             سيطرة الأهل والانحراف والبدع وتسييس الدين
• ظهور آل البيت والمذهبية والصوفية                             تقليد المسلمين للكفار في مظاهر الحياة الاجتماعية

إعادة ترتيب مفهوم السلوك على ضوء رسالة آداب سلوك المريد
مما لاشك فيه أنَّ فرص التطبيق السليم لآداب سلوك المريد الإرادة كانت لدى رجال التربية والتسليك الأوائل أنفع وأجدى منها في عصرنا وزماننا لما ذكرنا من الأسباب والعوامل.
ونعتقد أنَّ مرحلتنا المعاصرة الآن وقد تهيأت فيها أسباب وعوامل الإعادة والاستعادة لبعض ضوابط التربية والتعليم الأبوي وخاصة في الأربطة الإسلامية ودُور العلم الشرعي ذات الارتباط بالمنهج الأبوي الإسلامي المسند، وكان من فوائدها أيضاً إقامة الحوليات والذكريات لرجال التربية الأبويه أمثال إمامنا الحداد رحمه الله، فالمتحتّم علينا أن نجتهد في إنشاء جيل التربية الإسلامية المتسلح بالعلم والتقوى بصورة ملائمة لمستجدات الزمان وعلومه وتحولاته.
حيث أنَّ الانحصار في الأساليب القديمة وإن كان مجدية ونافعة بلا شك إلا أنَّ الوعاء التطبيقي لها قد تحول عن سابق وضعه حتى بالنسبة لواقع المدرسة ذاتها.
والأساليب هي (الوسائل) فقط، أما الثوابت والأصول فكما ذكرنا سلفاً لا بديل عنها ولا تحول عن تطبيقها في الحياة.
فعلى سبيل المثال: نجد أن من وسائل المدرسة القديمة إقامة الحوليات والزيارات للصالحين والأولياء، ونرى أنَّ كافة مظاهر هذه المناسبات تتعرض اليوم إلى نقد لاذع وتهمة خطيرة من جهات ذات علاقة بالإسلام، وفي المقابل نجد من قوافل المحبين والراغبين في الوسائل القديمة تعصب وتحد ضد آراء وانتقادات المعارضين يزيد الفتنة بين الفريقين اشتعالاً والمنازعات الفكرية لهيباً.
وكلا الفريقين في حقيقة الحال أنهما ضحية (التحولات) وخاصة في مسألة (أساليب التربية والتعليم).
فالمدرسة الحديثة بكافة نماذجها علمانية واشتراكية وقومية وسلفية وحزبية تعاني من تسييس التربية والتعليم لتنصب في مجري المصالح العليا للسياسات الحاكمة والمؤثرة ديناً ودنيا.
والمدرسة التقليدية بكافة نماذجها وطرقها تعاني من انحسار قدراتها التربوية والتعليمية عن التأثير في الواقع كله، كما تعاني من الإفراط المندفع من عوام الأمة وبسطاء المسلمين.
والمعالجة السديدة تدعونا جميعاً إلى تجاوز كلا الفريقين واتخاذ الموقف الوسط لا إفراط ولا تفريط.
فلا نفرِّط في قواعد السلف وجليل عاداتهم وأساليب اختياراتهم النافعة مع إعادة تأصيلها الشرعي، ولا نقبل التُهَم والاندفاعات من الخلف، بل نقبل منهم النصيحة والدعوة إلى الاعتدال وعدم التهور في شأن العلاقة بين الأحياء والأموات.
ونضبط الحوليات والمناسبات بما يتلاءم مع ذكريات الإسلام وتجديد ضوابطه والاستفادة من وسائله محلية وعالمية العلم والحضارة لنصنع من جديد مشاتل التربية الأبوية والتعليم الأبوي على أساس واعٍ ومعتدل بما يتلاءم مع الزمان والمكان، حيث أنَّ البدائل المطروحة في ساحة الحياة الاجتماعية تعتبر من وجهة نظرنا مكائد مبطنة ومعلنة يسحب أثر الإسلام عن أهله وتحويلهم إلى طبول جوفاء تردد الصدى دون أن يكون لها واقع ملموس يعبر حقيقة عن مدلولات التربية الإسلامية والتعليم الأبوي الإسلامي.

******

 

[1]هو والد العلامة المتفنن الشهير: عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه.
[2] وكان عدد صفحات هذه الطبعة 42 صفحة بورق تجاري، وفيها مقدمة للشيخ حسنين محمد مخلوف وله عليها تعليقات في الحاشية.
[3] قال الحافظ العجلوني في كشف الخفاء (1 / 234): وتمامه (وأنا عند المندرسة قلوبهم لأجلي) … ولا أصل له في المرفوع اهـ .
[4] قال العجلوني في كشف الخفاء (1 / 344 9: رواه البيهقي في الشعب بإسناد حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلا وذكره الديلمي في الفردوس، وقال ابن الغرس: الحديث ضعيف. ورواه البيهقي أيضا في الزهد وأبو نعيم من قول عيسى ابن مريم اهـ وفي كشف الخفاء زيادة بحث عن طرق روايته بألفاظ أخرى ومن قول الحفاظ في ضعفه فليراجع.
[5] رواه ابن أبي الدنيا في جزء الصمت، وذكره الزبيدي في شرح الإحياء (7 / 465) .
[6] رواه البخاري في صحيحه.
[7] رواه البزار في مسنده.
[8] ذكره الغزالي في الإحياء وقال العراقي: لم أقف له على أصل، وروى ابن عبدالبر من حديث ابن معاذ (ما أنزل الله شيئا أقل من اليقين). انظر كشف الخفاء للعجلوني (1 / 305)
[9] في بعض الطبعات: ((هنا فصل مستقل تحت عنوان السير إلى الله لا ينافي في الكسب ولا يقتضي التجرد عن الأسباب)).
[10] رواه عن ابي هريرة مسلم في صحيحه واحمد والترمذي وابن ماجه.
[11] وما يشير به عليك من تركه كقول بعضهم لتلاميذه: لا تقتدوا بي في كثرة النكاح وصرف المال (أهـ).
[12] في نوم، أو فراسة، أو إلهام.
[13] الديوان: 322.

واجب إحياء الشريعة عند اختلال وفساد الأمة للحبيب أبي بكر المشهور

من أهم الأمور التي ينبغي على المسلم معرفتها واجبه تجاه شريعته ومحاولة إحيائها، وهذا ما يوضحه الداعية الأديب الحبيب أبو بكر المشهور هنا، وينطوي كلامه في البداية عن التعريف بالسنة، وانقسام الشريعة إلى معرفة أركان الإسلام ومعرفة أركان العقيدة ومواطن السلوك والتصوف، والبحث عن وسائل الزيادة في العلم، والحديث عن اختلال توازن الأمة برجحان الشر على الخير وأساليب هذا الاختلال، أهمية إدراك العلم بالمتغيرات التي تحدث في عالمنا، وبيان فائدة العلم بالمستجدات، والمزالق التي يضعها الشيطان في طريق الإنسان والتي تختل بها حياته الدينية، وبيان دور الإنسان في تحصين المجتمع.

 
 

مصادر الثقافة الإسلامية: رؤية عن حقيقة الجذور الإسلامية ومنابع المعرفة الإسلامية للحبيب أبي بكر المشهور

معرفة مصادر الثقافة الإسلامية من أهم الأمور التي ينبغي أن يعرفها المسلم، والداعية الأديب الحبيب أبو بكر المشهور يقدم هذا الأمر هنا ويبين معالمه، ويؤصل لأهمية الوقوف على جذور المعرفة الثقافية الإسلامية التي تتفق مع الواقع المعاصر وموقع ذلك من الكتاب والسنة، وعلاقتنا بالوافد الخارجي المعرفي في ضوء الإسلام، وبيان الثوابت الأربعة لأركان الدين، وبيان أهمية العلم النظري المادي، وتقرير حقائق التقعيد الشرعي، والحديث عن وجهة نظر الإسلام في الثقافة التي أتت من العالم الخارجي أثناء الاستعمار، وخطر القراءة الثلاثية للثوابت الإسلامية على الأمة.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

مِن أصولِ ديننا الحنيف معرفة جذور المعرفةِ وأساسها ومَصدرها وموقعها مِن الكتاب والسُّنة حتى لا تَختلط المفاهيم الشرعية بالمفاهيم الوَضعية …. وخاصة في العصور التي أخبر مَن لا ينطقُ عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ الأمَّة تُصابُ بـداءِ الأُمَمِ، وتُصابُ بعِلَّةِ الاستتباعِ، وتُصابُ بالقبضِ للعلماءِ ونَقضِ العِلمِ وبالتَّداعي والوَهَن وحُبِّ الدنيا …. إلخ. وهذه الإصابات المُشار إليها واقعةٌ لا مَحالة في أُمَّة القرآنِ والسُّنَّة مما يؤدي إلى فُقدان المُصَلِّينَ وشعوب الأُمَّة ثِقَتها في الرِّسالة ووقوعها في الجَهالة لا مَحالة ….

ومثل هذا التبيان عن هذه الحالة يقتضي عُمق القراءة للمسميات الغازية وخاصة تلك المصطلحات الواردة إلينا من قواميس العالم الآخر، عالم الشرق والغرب لنميزّ بين الغَث والسمين، والجائز والممنوع، ونستفيد مما يمكن الاستفادة منه والتعرف عليه من إيجابيات الحضارة والتقدم وثقافة الأمم دون الزج بمسألة ديانتها، فديانات الأمم ضابطنا الشرعي منها علاقتها بالسلامة من التحريف، وأما الثقافة فتكاد أن تتغلغل في حياتنا العلمية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة[1] وتَجُر الأجيال إلى الانحلال والارتذال والابتذال بعيداً عن موضوع الديانة والتدين.

ومن هنا أحببنا أن نسلط الأضواء على هذه المسألة الخطيرة ونُعيد القراءة الشرعية لعلاقتنا بالوافد والغازي على ضوء الإسلام الحق، وليس على ضبابية التأسلم الباطل والتأقلم الماحل، واستباقاً شرعياً لما قد أخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم من نقض العرى في الأمة، وقد حصل النقض عياناً بياناً.
وبدأت ألسن المرتبطين بالثقافة الغازية ينكرون الالتزام بالموروث الشرعي ويؤمنون بالتفسير المرتبط بدساتير وقوانين الأمم الغازية في أمور كثيرة، ويرونها بديلاً عملياً لما فهمه السلف الأوائل عن المرأة والحريات وشكل الحكم السياسي وما شاكَل ذلك.

والإسلام الحق مهمته عالمية التناول، ووظيفته أن يقيِّم دراسة الديانة الشرعية قديمة وحديثة بثوابتها الأربعة المشار إليها في حديث جبريل مجتمعة لا متفرقة، وهذا ما فات على غالبية أجيال المسلمين الذين عاصروا مراحل الغزو الثقافي منذ بروز عهد الاستعمار إلى اليوم.

والثوابت الأربعة المشار إليها هنا هي ما يُعرف بأركان الدين، وقد كان المسلمون يدرسونها على نموذجين:
° أنموذج مُعلَن وهو: ما يعرف بدراسة وتطبيق فقه الثوابت (الإسلام، والإيمان، والإحسان).
° وفِقهٌ مكنون وهو: فقه المتغيرات والقراءة الشرعية للحوادث استباقاً ويُسمى (فقه التحولات).

وخلال مراحل التحوُّل الاستعماري في الوطن العربي والإسلامي [2] قامت القوى المهيمنة على مقدَّرات الشعوب بإعادة النظر في المناهج، وفصل الدراسة الموحدة بين أركان الدين في وحدته الموضوعية إلى ما يُعرف بـ(فرِّق تَسُد)، وهو قانون النقض والقبض والانتقاء ومصادرة قواعد التنشئة الشرعية الذي مارستْهُ القوى الإستعمارية في مؤسسات التعليم، مما هيأ تنشئة أجيال مسلمة في الواقع الاستعماري لا تقرأ الديانة بثوابتها، وإنما تقرؤها منفصلة عن بعضها البعض حتى بلغ الأمر إلى ما بلغ إليه من (علمانية وعَلمَنة الفكر الإسلامي ذاته)، وتطويعه لمصلحة السياسة الاستعمارية وثقافاتها العقلانية المادية، إذ كان علم المتغيرات كامن في صدور المربين العلماء، خلافاً للثوابت المبثوثة في الكتب والمؤلفات. فعمل الاستعمار على عزل الأئمة الصدور عن واقع الدراسة المباشرة للشعوب فدُرِّسَتْ الثوابت منعزلة تماماً عن المتغيرات بل صار المتأثرون بالمتغيرات والخارجون من ثقافتها هم المعنيون بدراسة الثوابت في الشعوب.

ولا بد من التنويه هنا لمسألة الاعتراف الضمني بأهمية العلم النظري المادي، وأن الإسلام لا يقيم حرباً ضد العِلم النظري لئلَّا نعود مرة أخرى لما يسمى بمربَّع العداوة بين الإسلام والعلم النظري. فهذه أسطوانة عزف عليها ورقص المغرضون وجُملة الهَيْشات المفسِدون والدجاجلة العلمانيون والعَلْمَنيون والعَوْلميون. وإنما نحن هنا نقرر حقائق التقعيد الشرعي للعلم الإسلامي والعلم الإنساني ونضع كل علم في مكانه ومكانته مجرداً عن عمليات التسييس المتحول.

وبعد أن فرَّقنا بين اعتناء الإسلام بالعلم كعلم مجرد عن التسييس، وبين الإدعاءات والإشاعات المغرضة عن التضاد المطلق بين العلم والدين، وأن الإسلام يتعارض مع العلم – كما يقال – فنعود إلى الحقيقة التي نحن نَعنيها حول مفهوم الثقافة الإسلامية ومصادرها.

فالإسلام في مادته الشرعية منذ بداية عهد الرسالة لا يتداول مفهوم (الثقافة) كمصطلح لنموذج من العلوم الإسلامية في الواقع الجديد، ولا يوليها اهتماماً لغوياً ولا شرعياً. وتكاد أن تكون اللفظة حديثة التداول في العالم العربي والإسلامي، وقرينة المراحل الثلاث المشار إليها سَلفاً بالعلمانية والعلمنة والعولمة، وبهذا تندرج تحت مستجدات العلوم الحديثة التي ترتبط بمظاهر (علامات الساعة) وتندرج أصولياً في علوم (فقه التحولات). وأساس هذا العلم المستجد مزيج المعارف والفهوم والتجارب والفنون المنبثقة عن تداخل الشعوب بعضها مع بعض تحت مظلة الإستعمار سواءاً بالدراسة المنهجية أو بالتعليم الذاتي القائم على الملاحظة والاحتكاك اليومي.

وللإسلام وجهة نظر في الثقافة:

أولاً – أنَّ الثقافة وليدة المرحلة الاستعمارية وثمرة من ثمراتها، ولا تخلو من السياسة الإستشراقية في أكثر من منحى وأنموذج.

ثانياً – أن سياسة الإستشراق الثقافية وظَّفت المفاهيم الإسلامية في المرحلة الغثائية لمصلحة “أكَلَة القَصعة” ودعم اتجاهاتها الفكرية من خلال تطويع المفاهيم وتطبيع المثقفين وحملة الأفكار والرؤى المتمازجة لهذه المهمة الاستعمارية.

ثالثاً – أنَّ الثقافة الغازية تَغَلْغَلَتْ إلى عقول الأجيال مِن الجنسيْن في عالم الإسلام ضمن برامج ثقافية رأسمالية واشتراكية وتوليفية حتى كونت جيش الثقافات المتحولة وضحايا الفنون والألاعيب المرتذلة، ولعل نظرة واعية إلى الوطن العربي والإسلامي في مخرجاته الثقافية والإعلامية اليوم كافية لمعرفة المدى الذي صنعته هذه السياسات الأجنبية المتلاحقة منذ بداية عهد الغثاء حتى اليوم.

إنَّ عالمنا العربي والإسلام يحتاج إلى دراسة جذرية لما ورد عليه من سلبيات الثقافة الغازية في المرحلة الاستعمارية والاستهتارية والاستثمارية، وما بلغت إليه الحالة الراهنة من الاستتباع المنصوص عليه في أحاديث علامات الساعة كإحدى ظواهر الانحدار الموعود في أمة القرآن والسنة، وإنها لمهمة صعبة تحتاج إلى قواعد شرعية وعقول واعية تدرك معنى كيفية (التحرر) المطلوب من قيود الثقافات الغازية المهيمنة أكثر من معرفتها للتحرر من الهيمنة العسكرية والسياسية.

وحسب علمي المحدود أن علماء المسلمين المعاصرين يصعب عليهم قراءة التحرر الثقافي المشار إليه من مجرد قراءتهم لواقعهم المألوف. فهم في الغالب أسرى لجديد المعارف وهيمنة المصارف، وتكاد كافة معارفهم الشرعية خلال مراحل الاستعمار والاستهتار والاستثمار تنصَب في خدمة التحولات المرحلية بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولم يسلم من هذه الخدمة إلا علماء الشعوب الذين انحصرت همومهم في تعليم الأمة ودعوتها إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بعيداً عن المنهجية السياسية، وأما فقهاء القصعة، وعلماء السلطة ومن ارتبط بمؤسساتهم وتوجهاتهم فهم القوة الفاعلة في نقض الحكم وقبض العلم على مدى تاريخنا المعاصر بعلم وبغير علم …. ولا فخر …

وإذا كان مثل هذا القول مجلبة للإنزعاج والقلق من البعض فإنا نشير إلى رفع الحرج عنهم ما داموا خارج دائرة العلم بالحقيقة المغيبة إذ هم لا يدركون هذا التعليل لغياب فقه الركن الرابع من أركان الدين. أما وقد ظهر لهم هذا العلم الشرعي وتبين الحق جلياً في متعلقات التحول التاريخي ومسبباته فعليهم النظر في أصول وفروع هذا العلم ومقتضياته ومن ثَمَّ تنجلي أسباب الإنزعاج والقلق لدى الراغبين في الحق والعاملين من أجله، وأما غيرهم فأمرهم إلى الله وهو الهادي من يشاء من عباده إلى سواء السبيل.

وإذا ما استجاب الخيِّرون لمثل هذا التعليل المرتبط برباعية الأركان صار أمر الثقافة متعيِّن النفع والإفادة بشرطه مثله مثل بقية العلوم المستجدة في واقع الأمة العربية والإسلامية والإنسانية. والشرط المشار إليه هنا عزل المفاهيم الثقافية السلبية، وإدانتها وحصرها في أهلها، وعدم ترويجها في مجتمعاتنا الإيمانية وإيجاد البديل المشروع المنبثق عن ضوابط الديانة وشرف الأمانة. ومثل هذا الأمر مستحيل في مرحلتنا المعاصرة حيث لا يرضى بهذا التعليل حملة قرار الحُكم، ولا منفِّذو سياسات الثقافة والعلم وهم الذين أشرنا إلى كونهم القوة الفاعلة في تاريخنا المعاصر مرتبطين بأثر الإستتباع وهندسة السياسة الإستعمارية والإستهتارية والإستثمارية في الوطن المغلوب.

أمَّا الذين يعنيهم أمر التبني لتصحيح الفهوم المعرفية عن الثقافة بالخصوص، وعن التعليم والتربية والدعوة إلى الله، وعن بناء جيل الأمانة وشرف الديانة في أمة القرآن والسنَّة. فهم من أُطلق عليهم (علماء الشعوب)، وما لهم من بقايا المؤسسات التقليدية ذات الارتباط والتعليم الأبوي، أي المؤسسات المتحررة في مناهجها ومدارسها وترتيب أوقاتها وأقواتها عن “سياسة الأنظمة المباشرة”، هذه المؤسسات التقليدية التي تعاني منذ بداية مرحلة الإستعمار إلى اليوم من مضايقات الأنظمة وملاحقتها ووصفها بالتخلف والتحجر والجهل والجمود وضيق الأفق وإلى غير ذلك من التُّهَم الجائرة، لأن الأنظمة العربية والإسلامية المشار إليها هنا تعيش – منذ بداية مرحلة الغثاء – مرحلة تسييس وضغوط تمنع رؤوس الحركة وحملة القرار من التعاطف المباشر مع المدارس الأبوية التقليدية، حتى لو كان بعض الشخوص والحكَّام من الموالين المحبين والقادة المهتمين بمصلحة شعوبهم وأوطانهم، وهذا مربط الفَرَس.

وإذا ما أكَّدنا هنا على المعنيين بتبني تصحيح الفهوم المعرفية عن “الثقافة وملابساتها وما يحيط بها و بغيرها” فإنَّا نؤكد أنَّ مفتاح التصحيح ومدخل النجاح الصحيح إعادة القراءة الشرعية لأركان الدين الأربعة، وبها لا بغيرها تنجلي الحقيقة واضحة كالشمس في رابعة النهار.

وأما ما ألِفتهُ الشعوب العربية والإسلامية من القراءة الثلاثية للثوابت فلن يتأتى به دراسة الأمانة ودراسة نواقضها. فالكل يدَّعي الأمانة وسلامة الديانة باعتبار الإيمان بالثوابت، والكل يؤمن بها ويقررها ومن تقريرها أيضاً يختلفون عليها. أما دراسة المتغيرات وهي مادة فقه التحولات والعلم بعلامات الساعة فتُميِّز بين “فقه الأمانة ومرحلة إضاعتها، وفقه الأمر وأهله، وفقه توسيد الأمر إلى غير أهله”، وبها يتضح للمستبصر موقع الثقافة والإعلام والتربية والتعليم والاقتصاد والدعوة من سلامة الأمانة وإضاعتها، ومن سلامة الأمر بيد أهله، ومن فتنة التوسيد وخروجه عن أهله سواءاً في مستوى قرار الحُكم أو قرار العلم أو ما تفرَّع عن ذلك، ولن يكون هذا العلم إلا أمانة علماء الشعوب المتحررين من تبعات الإستتباع المباشر للبرامج الإستعمارية والإستهتارية والإستثمارية.

هذه البرامج المسؤولة عن سلب الأمة الإسلامية هويتها الشرعية منذ بدء سقوط القرار الإسلامي الموحَّد إبان حكم آخر سلاطين الدولة العثمانية والمتمثلة بالسلطان عبد الحميد الثاني، وأما ما ترتب بعد ذلك من تقسيم تركة الرجل المريض كما أطلق عليه، وما تقرر من مؤتمرات للتقسيم والتعتيم فكانت بداية المرحلة الغثائية المقررة في أحاديث من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم وهي المرحلة التي بدأت بالتداعي ثم الوهن ثم ضياع الأمانة ثم بالتوسيد، وما نشأ بعدها من سياسات الإستعمار القائمة على مبدأ (فرِّق تَسُد)، والمعبَّر عنه في فقه التحولات بحديث: ((فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) وفي رواية: ((وتُلهيكم كما ألهتهُم)) [3] ، وهذا نموذج من نماذج “المنافسة” في السياسة والإعلام والإقتصاد والتربية، وما تلا ذلك حتى الديانة وإلى ذلك يشير الحديث الشريف: :((إني لستُ أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم)) [4] . وبهذا الأمر المشار إليه ظهرت سياسة (المنافسة) منذ عهد الإستعمار، كما برزت ثائرة (التحريش) بين المصلِّين وهي ما أشارت أحاديث أخرى لحديث: ((إنَّ الشيطان قد أيس أن يعبده المُصلُّون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم)) [5] .

وبهذه الدراسة النصية لفقه التحولات وأحاديث العلم بعلامات الساعة تتميز الثقافة الإسلامية عن الثقافة الغازية الإعلامية، ونستعيد ثقافتنا بديننا وثوابتنا، مع عدم غمط حق غيرنا من حملة قرار الثقافات العالمية والدولية المتنوعة، ونقرأ ثقافة المرحلة الإستعمارية، ونقيم هويتها وآثارها، ثم نقرأ ثقافة المرحلة الإستهتارية، ونقيم هويتها وآثارها، ثم نقرأ ثقافة المرحلة الإستثمارية ونقيم هويتها وآثارها إلى اليوم … فهل مِن مُدركٍ يَقِظ؟؟؟

إنَّ الذي يهمنا بعد هذه القراءات المرحلية، العودة إلى الأثر الإسلامي المتداول: ((لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)) [6] ، وأول ما صَلُحتْ به الأمَّة وِحدة القرار، وسلامة أسباب بناءِ الإستقرار، وإذا ما اهتزت وحدة القرار فلا قرار ولا استقرار، وإنما هو استعمار ونهب ثروات، واستهتار وحضارة صورية تؤدي إلى نجاح سياسة الإستثمار، ولا يبقى للشعوب إلا ما تمسكت به من داخل إيمانها بديانتها، أما ما فوق ذلك فنقض للحُكم وقبض للعلم والعلماء مرحلة بعد أخرى مما يؤدي إلى نقضِ العُرى … ((فكُلما نُقِضت عُروة تشبَّثَ الناس بالتي تَليها، وأولهنَّ نقضاً الحُكم وآخرهن الصلاة)) [7] . وفي رواية أخرى تأكيد نبوي لشمول النقائض والنواقض في الأمَّة بقوله: ((ورُبَّ مُصَلٍّ لا خَلاقَ له)) [8] . ولم تذهب الأمانة عن المصلين إلا بشمول النقائض في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة والإقتصاد والعلاقات وهَلُمَّ جرا …

لقد عِشنا مرحلة طويلة من مراحل حياتنا نبحث بين كتب العلم ومجالس العلماء عن الإجابة الصحيحة فيما يخص النقائض والنواقض والمستجدات، فكان الجواب عدم الجواب، وربما قال البعض: (هذا قضاء الله وقدره فلا اعتراض على القضاء ولا على القدر). ولما شاهدنا مفاصل المعرفة عن القضاء والقدر من خلال هذا الفقه الشرعي وجدنا أن جزءًا من هذا المسمى مرتبط بالعلم الشرعي عن الساعة وأماراتها، ولكنه معطل عن الحركة والفاعلية، وبه يعرف التمييز بين عمل الشيطان وجنوده، وبين الجزء المتعلق بالقضاء والقدر الذي لا اعتراض عليه …

فاستخرنا الله سبحانه وتعالى في خوض غمار هذا العلم، ووجدنا في عصرنا بقية من علماء الشعوب الخاملين الذين يمنحون العلم دون شهادةٍ، ولا مُرتَّب، ولا موعودات وظيفية، فحمدنا الله تعالى عن الأخذ عنهم والإتصال بهم، وشهدنا في مجالسهم ومجالستهم السكينة والإطمئنان والوقوف على العلم من حيث أتى لا مِن حيث سُيِّسَ أو قُبضَ أو نُقضَ. وعرفنا أيضاً سرَّ قولِ السلف الصالح عما لديهم من علوم مكنونة بقول بعضهم: (في صدري كذا كذا عِلم لم أجد لها متأهل) مستدلين بقوله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت: ٤٩].

ولا أُخفي سراً … وقد أظهرتُ ما عندي من شرف الإتصال بعلماء الشعوب من أهل السند المتصل والعدالة المشروعة، أن نحمد الله أيضاً على ما يسره لي من الدراسة الأكاديمية الحديثة ونيل شروط المعرفة النظرية والتطبيقية لمادتها العلمية المتيسرة لي في بلد اليمن السعيد، وبها – أي بهذه الدراسة – عرفت مفهوم المتغيرات وأربابها ومادتها ومنطلقات أبعادها الخطيرة على الثوابت … وكان من هذا الإطلاع المتنوع بعد طول النظر والدراسة وطلب العون من الله في ما أنا بصدده من إحياء مدلولات رباعية الأركان وإعادة قراءتها الشرعية … فأسأل الله الرعاية والتوفيق والعون في كل حال …

 

 

[1] المقصود بـ(الثقافة) هنا هو ما ورد على الأمة من سياسة التغريب والربط المسيَّس بالفكر الإستشراقي، خلال مراحل الاستعمار والإستهتار والإستثمار، أما أصل كلمة “ثقافة” فقد كانت معروفة في عصر ما قبل ظهور الإسلام وما بعد ظهوره، ومتداولة في اللسان العربي الفصيح، بل وردت في القرآن في أكثر من آية بمعاني متنوعة. كما وردت في الشعر العربي ولكنها كانت محصورة في معانيها اللغوية، وأول من وسَّع استخدام اللفظة في بحثه الاجتماعي العلاَّمة ابن خلدون، حيث تعامل مع هذه الكلمة باعتبارها مفردة لغوية متعارف عليها في اللغة العربية ولم يتعامل معها كمفهوم له من المعاني والدلالات المعنوية والسلوكية والاجتماعية بحيث يكون متطابقاً وقريباً من الفهم والإدراك الذي يتحدد حول الثقافة اليوم. ا.هـ – انظر بحث: هل توجد لدينا نظرية في الثقافة؟ للأستاذ زكي الميلاد مجلة الكلمة (العدد 40 – 2003م).
[2]</a > بدأت هذه المرحلة بسقوط دولة الخلافة العثمانية بدءاً بتنازل السلطان عبدالحميد الثاني.
[3]</a > متفق عليه
[4]</a > صحيح مسلم
[5]</a > صحيح مسلم
[6]</a > عن الإمام مالك بن أنس – انظر شرح سنن أبي داوود للعبَّاد
[7]</a > نص الحديث: ((لتُنقضنَّ عرى الإسلام عروة عروة، فكلما نقضت عروة تشبَّثَ الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحُكم وآخرهن الصلاة)) مسند أحمد.
[8] نص الحديث: ((أول ما يُرفعُ من الناسِ الأمانة وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ورُبَّ مُصلٍّ لا خلاق له)) إسناده صحيح – انظر شرح كتاب الشهاب من حديث زيد بن ثابت.

ناقوس الخطر: مقال عن التقسيم العقائدي للعالم الإسلامي وخطورته للحبيب أبي بكر المشهور

ناقوس الخطر هو خطر تقسيم العالم الإسلامي من الناحية العقائدية إلى طوائف دينية، وهذا الأمر يوضح معالم الخطورة فيه الحبيب الأديب أبو بكر المشهور، وينطوي كلامه على خطورة تقسيم العالم الإسلامي إلى سنة متطرفة بعيدة عن أهل السنة الأساسيين وشيعة مقنعة بعيدين كذلك عن الشيعة الأساسيين، ويبين أن أهل السنة ضد الأنماط التي لا تلتزم بالمنهج الوسط، وأثر هذا التقسيم على العالم الإسلامي الذي ينقله إلى صراع دموي، وبيان الموقف المفترض على العقلاء اتخاذه.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تتسارع الأحداث وتنطوي على مفاجآت تلو المفاجآت، ولعل أخطرها من وجهة نظر المرصد النبوي: تقسيم العالم العربي والإسلامي عقائدياً إلى: سنة متطرفة وشيعة متعجرفة. وهذا التوصيف لا يأتي من فراغ، وإنما هي الخطة التي خرجت من رحم المفهوم الذي سبق توصيفه في فقه التحولات بمسمى: السنة المصنعة والشيعة المقنعة.

فالسنة المصنعة قد أفرزت على مدى السنوات المتلاحقة موذجاً من التطرف حمل مسمى الخوارج  دون تفصيل بين أهل السنة الشرعية والسنة المصنعة، أو ما تسمى في فقه التحولات بالسنة الأساسية والسنة السياسية، وهي كذلك مبدأ المذهب الإمامي فهناك شيعة مقنعة، أو هي بلغة فقه التحولات: شيعة أساسية وشيعة سياسية. والبرنامج الذي ينطلق في مسيرة الاكتمال والتطبيق على نموذجين:

الأول: اصطدام السنة المصنعة مع الشيعة المقنعة.

الثاني: ذوبان السنة الأساسية والشيعة الأساسية ضمن الصراع المعد لهذه المرحلة: سنة متطرفة وشيعة متعجرفة، وهذا ما يخطط له وينفذه رعاة الأبلسة في العالم الإسلامي المستضعف، ولسنا نحن هنا ضد الفريقين، ولكنا ضد سياسة العنصر المدبر للاصطدام بين الفريقين إن لم يلتزم الجميع بمنهج النمط الأوسط.

وقد نُفّذ المشروع الإبليسي تحت سمع ونظر القوى المتنفذة في الواقع المحلي والإقليمي على أفضل الوجوه المقررة، وما علينا إلا التأمل فيما دار، وفيما يدور في العديد من الأوطان العربية منذ فجر الربيع العربي كما يسمّى، وهو آخر نماذج السياسة الدجالية في الأمة إلى اليوم.

إن هذا التحليل المطروح يحمل تحذيرين هامين لمن ألقى السمع وهو شهيد:

التحذير الأول: انتقال العالم العربي والإسلامي من مرحلة التعدي المذهبي الهش إلى صراع مذهبي دموي بين فريقين هما كما سبق توصيفهما:

(1) سنة متطرفة لا غير.

(2) شيعة متعجرفة لا غير.

ويقف الشرق الراعي للتطرف السياسي الدولي في جانب التّشَيُّع المتعجرف، كما يقف الغرب الراعي للتطرف السياسي الدولي في جانب التسنن المتطرف، وقد خلط الشرق والغرب أوراقهما لتحقيق هدف شيطاني دجالي واحد كما هو في بعض مجريات المرحلة المعاصرة.

وهذا الوقوف في حد ذاته ليس جديداً، وإنما هو يعود مرحلة بعد أخرى بصور متنوعة، وكلا النموذجين يحققان المبدأ الدجالي الشيطاني “فرق تسد”: الشرق السياسي، والغرب السياسي، وكلاهما رغم افتراقهما في نظر الناس، وفي مخرجات السياسة لكن قاسمهما المشترك تحقيق هدف الشيطان في البشرية، وهذا ما يعنيه الشعار المتداول “فرق تسد”، أي:  تجزئة المجموع لتتم السيادة للمسبب الأساسي في سياسة التجزئة والمستثمر لها. وبهذه السياسة الشيطانية تسيّر شؤون العالم المعاصر إلا من رحم الله.

التحذير الثاني: عند حصول المحظور يصعب الرجوع للمربع الأول إلا بمدفوعاتٍ وضحايا كثيرة، وتلطُّخٍ بالدَّم والذم، وهذه مشكلةٌ وليست علاجًا.

الموقف المفترض

إذن والحال كما أشرنا ويؤيد هذه الإشارة ما يدور في الواقع المعاصر، فلا بد لنا من اتخاذ موقف ما ولو من باب الافتراض، وهذا ما يجب على العقلاء والمتنفذين النظر فيه:

  • أن نرجع للعلم الشرعي لنحسم من خلاله المشكلة
  • أن نترك العلم الشرعي كما هو الحال الآن ونجعل آراء المجموعات هي الحكم والفيصل
  • أن نجمع بين العلم الشرعي وآراء العقلاء بشروط
  • أن نتبع العلم الشرعي المسيس على صفته التقليدية
  • أن نتبع العلم الشرعي المسيس على صفة التطرف
  • أن نتبع العلم الشرعي على صفته الطائفية بين الإفراط والتفريط

ولكل واحد من هذه الأقسام رجاله وأتباعه ومؤيدوه، بل وهناك قسم آخر، وهم الذين يرون حل المشكلة في ترك الشرع الشريف بحذافيره، ليأخذوا تجارب الأمم المتقدمة كما يسمونها، وقد فعلوا. ولا أعلم من زماننا إلا التكتل لدى كل مجموعة على ما تراه مناسباً لها، وما تعتقده سبباً في نجاح أسباب حياتها، وهذا هو ما أفرزته المراحل إلى اليوم على كلا المحورين، الحكم والعلم.

والحكم: قرار الملك والاقتصاد إذ بهما يستقيم الأمن والاطمئنان بكل صوره.

وأما العلم: فقرار الضبط الشرعي والاعتقاد، وبهما يستقيم الدين والعلاقات الاجتماعية.

وباختلافهما يختل الأمن والاقتصاد، والضبط الشرعي للعلم والاعتقاد، وهذا هو عين ما نعانيه في أوطاننا المسلوبة، وثرواتنا المنهوبة، وعواطفنا المشبوبة.

وحق لنا أن نقول ما قاله الحق سبحانه {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: ۱٥٦-۱٥٧].

ولا زلنا في انتظار الإجابة ممن يعنيهم الأمر، أيُّ الطُّرُق المشار إليها سلفاً يجب أن نسلكها لعلاج المشكلة إن كان هناك من يقدر حجمها؟ وأما إذا لم يكن هناك من يقدر فقد حق لنا أن نقول:

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً          ولكن لا حياةَ لمن تنادي

ونارٍ لو نَفَخْتَ بها أضاءتْ       ولكن ضاع نفخك في الرمادِ

 

التجديد في الفكر الإسلامي: رؤية إيجابية في معرفة عناصر التجديد الواعي يقدمها الحبيب أبو بكر المشهور

يقدم الداعية الأديب والفقيه والمؤرخ الحبيب أبو بكر المشهور في هذا البحث كلاما في غاية الأهمية يتعلق بقضية دائما ما تطرح هذه الأيام ألا وهي قضية التجديد في الفكر الإسلامي، لكن بمفهوم شرعي يبين فيه أهم منابع الفكر الإسلامي وعلاقتها بالتجديد، ثم تحديد مفهوم التجديد وشروطه وقواعده وأسسه، وكيفية الارتقاء به، ومن هنا فالكلام في هذا الإطار يحمل أهمية كبيرة لأنه يبين كيف يكون التجديد في الفكر الإسلامي، وكيف يمكن الربط بين التراث ودعاوى التجديد.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي أحيا الإنسانية برسالة التوحيد والتجديد، رسالة القرآن والسنة الحاملة شرف الإبلاغ بالحكمة والموعظة الحسنة في سائر العبيد، والصلاة والسلام على نبي السلام والرحمة والمحبة القائمة على (التعاون والأخوة واجتماع الكلمة) لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض وأسود إلا بالتقوى، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، فإن حاجة الأمة إلى (معرفة عناصر التجديد الواعي) في ملة الإسلام العالمية أمر بارز الضرورة، وواجب الإشهار حيث أن الجمود والركود لا يتناسب مع رسالة التشريع العالمية، وفي هذا يقول صلى الله عليه وآله وسلم (بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء الذين يحيون من سنتي ما أمات الناس) وأحيا سنن النبوة بث الروح الإيمانية في الشعوب لتفقه سر الرسالة وفق النصوص الشرعية (الكتاب والسنة).

وبهذا الفهم والتجديد الواعي الخالي عن النقض والبتر والإقصاء للآخرين، ستهتم الأمة مستقبل الإسلام من مرقومات ماضيه وحاضره…

أ- بيان منابع الفكر الإسلامي:

تنطلق منابع الفكر الإسلامي من أصول المرحلة التي برزت فيها الرسالة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مقيدة بما يلي:

1) القرآن
2) السنة الصحيحة
3) الأخلاق النبوية الشرعية: ضابط هذه الأصول، قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: ٨٩].
4) التراث المذهبي والذوقي المعتدل {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: ٩۰].

ب- مفهوم التجديد وشروطه وقواعده:

يتميز الإسلام بمرونته ووسطيته واعتداله بين كافة الديانات السابقة وهذا ما تفسره الآية القرآنية المعبرة عن وظيفة هذه الأمة بين الأمم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [المائدة: ١٤۳].

والوسطية والاعتدال (في الإسلام) هي مادة التجديد بين طرفي الإفراط والتفريط، ولما كانت الأمم السابقة قد وقعت في مزلقة الإفراط والتفريط، ولم تخرج منها بعث الله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحمل لواء التجديد، وإعادة فهم حقيقة التوحيد، بعيداً عن الغلوّ والإفراط والتفريط، وهذا ما يميز ديانة الإسلام عالميّاً أمام بقية الديانات. إضافة إلى أن رسالة الإسلام تحتفظ في ثوابتها الشرعية أصول التجديد، وإعادة الترتيب للديانة والتدين من داخلها، كلما شابها بفعل إفراط الاتباع وتفريطهم خطأ الفهم، وانحراف العادات والعبادات. كما أن من خصائص هذه الملّة قدرتها على التوازن في كافة المراحل المتقلبة سواء كان القرار إسلامياً أم كان القرار غير ذلك، فالديانة الصحيحة لا تنحرف في قلوب، وحياة في قلوب، وحياة الأمة المدركة ثوابت ديانتها، بل تظل مستمرة الحركة والإفادة والمعالجة ما بين حدها الأعلى عند الاكتمال أو حدّها الأدنى عند الضرورات والتحولات. وفي هذا الجانب نجد الديانة ذاتها في فقه العبادات – مثلاً – تنحى هذا المنحى في وسطية الإلزام تبعاً للأعذار الشرعية، والحاجات الضرورية فالقصر والجمع والإفطار للمسافر والمريض والحائض والنفساء وغير ذلك مما يعرفنا سماحة الإسلام وسعة ضوابطه. ومثل هذا يبرز لنا أفق الشمول الشرعي لهذا الدين الحنيف.

إن مفهوم التجديد في ديانة الإسلام يحمل معانِ وقواعد وثوابت عميقة الهدف والغاية وكلّها تنبع من داخل النصّ الشرعي وتنطلق من خلاله، وتُرضخ الفهم البشري والاجتهاد الذاتي للانطواء الواعي للنص، وفهم مدلولاته العالمية وإشاراته المتجاوزة حدود الزمان والمكان، وهذا ما يميزنا نحن أمة القرآن والسنّة في مفهوم التجديد، حيث أن في إطلاق هذا المفهوم، وعدم تقييده بالنصوص الشرعية خروج خطير، وتجاوز مثير، وشر مسستطير، كان العديد من المستشرقين قد تناوله وأخذ به، وملاحقة التعليل في شأنه؛ ليجعلوا منه جسر وصول إلى لبّ العقيدة وتفكيكها.
فهذا كتاب المستشرق هاملتون جيب كمثال من الأمثلة أسماه “دعوة تجديد الإسلام” [1] نجده ينحى في هذا الشأن منحىً تحليلياً عقلانياً مجرداً يتلاءم مع فهمه للتجديد، فيقول في ص8: “إن جميع المؤلفات على وجه التقريب المكتوبة بالإنجليزية أو الفرنسية من قبل الكتاب المسلمين تتحول إلى مؤلفات تقريضية تبريرية لأن كافة المؤلفين يهدفون إلى الدفاع عن الإسلام والبرهان على ملائمته لما يعتقدون أنه يمثل التفكير بحاضر”. ثم يقول: “والسيد محمد إقبال الشاعر، والعالم الهندي هو استثناء هام. فهو يبحث بصراحة في محاضراته الست حول إعادة بناء التفكير الديني في الإسلام”.

ولهذا فإن مفهوم التجديد للفكر الإسلامي في كل مراحله ينبع من أسس وشروط هامه …

المصدر الأول للتجديد: كتابُ الله تعالى جل جلاله.
المصدر الثاني للتجديد: سنّة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
المصدر الثالث للتجديد: اجتهادات المذهبية الإسلامية الأولى.
المصدر الرابع للتجديد: الاستفادة من مستجدات العلوم الحديثة بعد مطابقتها بالأصول.

جـ- تنشيط عنصر التجديد، واستنباط مقومات الارتقاء بالفكر الإسلامي:

يجب أن نفصل أولاً بين الإسلام كأصول ثابته، وبين فكر المسلم وتفكيره، فالأصول متسمّة بالعالمية، والعقل الإنساني متسم بالقصور في الفهم والاستنباط، فحيناً يصيب وحيناً يخطئ.

والعلماء الذين ينطلقون في مسيرة التجديد هم غالباً مجتهدون في فهم النصوص ومتأثرون بثقافة المرحلة والقرآن والسنة تحمل لغة العالمية، وترقى فوق مستوى الفهم والثقافة المرحلية، وتتجدد هذه اللغة القرآنية والنبوية، مع تجدد الحياة، وتطور مظاهرها وظواهرها؛ لأن وظيفة الأصلين ربط الإنسان من خلال النص والتجربة والملاحظة بالحق المعبر عنه في قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ…} [فصلت: ٥۳]؛ هذا فيما يخصّ آفاق المعرفة ومستجدات العلوم، أما ما يخصّ الاجتهاد الفقهي والاعتقادي، فالتراكم المتوراث فيه الغنية والكفاية، اللهم إنّ اتباع المذاهب والمدارس يلزمهم النظر إلى مفهوم التجديد الفكري في أسلوب التعايش، وتبادل المعرفة العلمية بسعة الأفق، وكمال التفاهم المفضي إلى السلامة والتقارب بين المذهبيين، وعلماء الفروع واتباعهم، وترك ما لا تحتاج إليه الأمة من نافلة القول في علم الكلام، وتفريعات المسائل والافتراضات، وإعطاء العلم الشرعي موقعه من صفة العالمية بابتعاث الثوابت الجامعة للأمة على القواسم المشتركة.

ومن هذا المنطلق فإن سعة الإطلاع والأخذ بالعلم والغوص في مراتبه ونماذجه – مادياً وروحياً – ينـزع بالعقل الواعي إلى شهود المعنى القائل “لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها”؛ وما صلح به أولها هو تجاوز التعقيدات الناشئة عن الظلم والبغي والتنافس التي وصفها الله تعالى بقوله: {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الجاثية: ١٧]. كما يؤدي هذا الشمول في الفهم والإدراك إلى اكتشاف مستجدات الحضارة في الأصلين ذاتهما باعتبارهما الوثيقة الأولى لإصدار مرسوم الحضارة المادية والروحية في العالم الإنساني المعاصر؛ إلا أن الأصلين يضعان المرسوم الحضاري – مادياً وروحياً – تحت إطار معين:

أولاً – إعادة قراءة الحياة في العالم باسم الرب – سبحانه – {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: ١] [2].
ثانياً – توثيق مرقومات الحضارة والتطور والمعارف – روحية ومادية – بالعلم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }[العلق: ٤-٥] [3]. فالتجديد هنا أمرٌ لازمٌ مع كلِّ قراءةٍ ومع كلِّ توثيق.

وهذا يعيدنا إلى ضرورة مراجعة مدركات الوعي المعاصر وخاصة في اتباع الإسلام والبحث الجاد في شأن التركيبات الفكرية التي ينطلقون بها في معرفة الإسلام وتجديد منابع الفكر فيه.

إن تنشيط عنصر التجديد في الفكر الإسلامي، واستنباط مقومات الارتقاء به تستلزم الشروط التالية:

1. الإيمان المطلق بعالمية الفكر الإسلامي وصلاحيته لكل زمان ومكان.
2. الاستفادة الفعلية من مستجدات العلم الحديث، وآفاق التطور الذي بلغ إليه العقل الإنساني كمعرفة.
3. القراءة التاريخية الشرعية للمراحل المؤثرة في عالمية الإسلام وتجاوز ثقافتها وسلبياتها.
4. اعتماد القراءة الواعية للكتاب والسنة الشريفة لاستنباط ثوابت التجديد فيها.
5. إعادة النظر في المناهج التعليمية وأسلوب التأهيل للمعلمين، وإحياء التعليم الأبوي الشرعي.

د- التجديد في إطار ترسيخ سماحة الدين الإسلامي ويسره واعتداله وانفتاحه على البشرية جمعا:

كان مجيء الرسالة السماوية الخاتمة إلى العالم هو مجيء السلام والرحمة والمحبة والقرآن يؤكد هذه المبادئ التي حملها القرآن، وأودعت في صور المُبلغ الأمثل صلى الله عليه وآله وسلم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ۱٠٧].

فالدعوة الإسلامية كانت – ولا زالت – تحمل للعالم كله أسس العلاج السليم للانفعالات، والتطرف والغلو والإفراط والتفريط، وتضع بديلاً عنها جملة من القيم الشرعية، التي تستقيم الحياة الكاملة الآمنة المطمئنة إلا بها، ومنها:

1) الإيمان التام بضرورات الروح معادلاً للمادة لإقامة ميزان العدل في الوجود، إذ لا غنى عن أحدهما في مسيرة الحياة البشرية، ولا مجال لترجيح أحدهما على الآخر دون النظر في التوجيه الرباني للخلق، ويتحقق تجديد العلاقة الوثيقة بين مطلب الروح والمادة بمعرفة الوظائف التالية:
1- وظيفة الروح ومطالبها الشرعية.
2- وظيفة الجسد ومطالبه الشرعية.
3- وظيفة النفس ومطالبها الشرعية.
4- وظيفة العقل ومطالبه الشرعية.

ويمكن معرفة هذه الوظائف ومطالبها بواسطة العلم سواء كان العلم الشرعي مع العلم التجريبي أو اتباع مناهج من قد سبق علماً وتجربةً، مع الوقوف والحذر أمام الانحرافات والمحاذير.

2) معرفة حقوق الإنسان رجلاً وامرأة بالعلم الشرعي:
وهو التعرّف الشرعي الواعي في مسألة الحقوق والواجبات بين الجنسين، وبين الفقر والغنى، والشريف والوضيع، والصحيح والمريض، والكبير والصغير، من عمق الأصول الشرعية لا من التعريفات بالوضعية، وضرورة حماية الأعراض والدماء، والأنفس والأموال، وعدم الاستهانة أو التحقير حيث يعتبر الإسلام ذلك ذنباً عظيماً (حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم )، والتجرد الكامل عند فهم مدلول التجديد من كافة المفاهيم الخاطئة حول الحقوق، والناشئة من تراكمات المراحل واختلاف مفهوم العلماء والحكام والمفكرين.

3) مفاهيم الحريّة والملكية وامتلاك القرار:
وتتحدد هذه المفاهيم بالثوابت الشرعية، وليست بالقوانين الوضعية حيث تنحصر القوانين الوضعية في تحديد علاقة الإنسان بالوظائف والمهمات والمصالح المتبادلة. أما الديانة فإنها تتحد كافة أبعاد الحرية والملكية والامتلاك لقرار الحكم والعلم مع معادل المراقبة والخوف من الواحد القيوم. وقد عز منا هذا المفهوم أن نستقصي المتابعة لتقييم القوانين والأطر الاقتصادية والاجتماعية المقتبسة من العَالمين الغربي والشرقي، والنظر فيما يطابق فهم الشريعة للاستفادة مما يمكن الاستفادة منه في الأطر الممكنة، دون مخالفة للشريعة وثوابتها.

4) تعميق الأخلاق النبوية، وتبني غرسها في صدور الأجيال:
وتعتبر الأخلاق النبوية أساساً في معالجة كافة شؤون التجديد، وخاصة أن المراحل المتقلبة قد أورثت اتباع مدرسة الإسلام ضعفاً في تطبيق الأخلاق النبوية، ومجاراة عجيبة وجريته للانحدارات التوليفية القادمة من العَالمين الغربي والشرقي، ونزعت بكثير من ضحايا المراحل إلى تجاوز خطير في قضايا الأخلاق والآداب المتبعة؛ ولعله من الصحة بمكان إذا قلنا أن المرحلة الغثائية ذات العلاقة المباشرة بالبرنامج الاستعماري قد تلخت كلية عن الأخلاق كأساس من أسس التربية والتعليم سواء كان في محاظن التعليم والدراسة أو في المواقع الأخرى مما أوجد انفصاماً خطيراً بين التربية والتعليم.

5) بناء منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كدعوه لا كوظيفة:
بما أن وظيفة الأمة بعمومها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في كتاب الله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: ۱۱٠]، فإن التجديد في الفكر الإسلامي متوقف على إعادة فهم المسلمين من داخلهم لهذا المبدأ الشرعي العظيم، وما يترتب على دراسة وغرس مهماته في نفوس الأجيال المسلمة تنشأ عليه، وتشيخ وتموت في سبيله. وإن الانفصام الخطير الذي حصل في الفصل بين التربية والتعليم في المرحلة الحديثة قد رافقه أيضاً فصل خطير آخر بين وعات الشعوب والأدب بالمعروف والنهي عن المنكر حتى صار وظيفة بعد أن كان دعوة وقضية. وهذا الأحداث البدعي يلزم حملة التجديد فهم المشروع الإسلامي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير إفراط ولا تفريط..

ه- معرفة موقعنا في العالم الإنساني وثوابت المعاملة مع الوجه الآخر:

مع رغبتنا الأكيدة في تجديد الفكر الإسلامي ليواكب حاجة الأمة من جهة، ولوضعه في موقعه الصحيح من مسيرة الحضارة الإنسانية يجب علينا أن نتوازن عاطفة وعقلاً بين تجاوزنا لكل قديم، وذوابنا في الجديد أو في كل جديد، فالكثيرون من حملة الفكر المعاصر من جعلوا الوجه الآخر بديلاً أو معادلاً للإسلام كله، ومنهم من جعل الإسلام في كفة والمستجدات النظرية والتطبيقية في كفة أخرى، ومنهم من فقد توازنه أمام الوجه الآخر فرفض كل جديد وأغلق النافذة والوصيد.

وللخلوص من هذه الأزمات يجب أن تحدد الهويات الذاتية قبل الاعتداد بما يتفوق فيه الآخرون، وهذا لن يتم إلا بالدراسة الواعية لموقعنا التاريخي في ركب الحضارات الإنسانية وفهمنا الواعي لدور الإسلام في ثوابته العالمية من إثراء المرحلة الأخيرة في التاريخ الإنساني. ثم التقييم الصادق لأسباب هبوط المسلمين وتفوق غيرهم في كثير من شؤون الحياة لينتج من هذا التقييم إعادة النظر في مسألة الافتخار بالماضي على غير ثوابت، وأيضاً إعادة ترتيب الحاضر للمزج بين الأصالة في الإسلام، وعنصر الجديد والتجديد في مستجدات الفكر والمعرفة والثقافات والإعلام.

وتشترط لهذا المشروع ما يلي:

1. التوفيق الواعي بين نصوص الأصلين – الكتاب والسنة – وبين ما يتناسب من المواثيق والنصوص الدولية وخلفياتها الفكرية في التجربة الإنسانية مع عدم تجاهل الفوارق التاريخية والفكرية والاجتماعية.
2. رفع مستوى مفهومنا للعالمية في الخطاب القرآني باعتباره رسالة مشتركة مع الوجه الآخر.
3. فهم التاريخ في مسيرته المعرفية – كتراكم متنامي لا ينقطع بعضه عن بعض – فالسابق يضع قواعد العمل اللاحق، واللاحق يطور وينمى ويجدد عمل السابق وهكذا.
4. وضع المنهج العقلاني موضع الاهتمام في الدراسات الشرعية دون الخروج عن مبدأ الإيمان بالغيب، وما وراء الطبيعة.
5. أخذ قاعدة نجاح الإسلام في العالم الغربي والشرقي من مستوى تأثيره في الشعوب لا من مستوى افتراءات الخصوم والساسة.
6. إعادة اكتشاف الإسلام كدعوة عالمية متنامية من داخل النصوص، ومتفاعلة مع كل جديد يخدم الفطرة ويطوّرها.
7. توسع مدارك النخبة الفكرية والعلمية في الواقع الإسلامي لتستوعب ضغوط الواقع المبرمج، وتتجاوزه إلى الإبداع المطلق من خلال تجديد مدلول القرائتين: قراءة النصوص والتراث الإسلامية، وقراءة الحضارة والتطور المعرفي الإنساني المتنامي.
8. وبهذه الرؤية التجديدية المتنامية يمكن بدء مشروع الأفق الجديد في رسم الحياة الإنسانية المتماسكة ديناً ودنياً، مادة ورحاً.

والله الموفق

 

المراجع

إسلامية لماذا؟  لسعد الدين الحسيني
لماذا ضعفت النهضة العربية، محمد وقيدي – احميدة التيفر
الصموده الإسلامية، د. يوسف القرضاوي
دعوة تجديد الإسلام المشتشرق، ملتون جيب
الدعوة إلى الإسلام، أحمد المحمود
الدلائل النبوية المعبرة عن شرف المدرسة الأبوية، أبوبكر المشهور

 

[1] إصدار دار الوثبة – دمشق .
[2] وهذا دفع عالمي لكافة الحضارات المقرؤة باسم الإنسان.
[3] وهذا تقرير رباني ببدء مرحلة العلم التوثيقي القائم على البحث والملاحظة والاستنتاج والتوثيق.