بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الرابع: أخلاق الصائم وسلوكه

 حقيقة الصيام تتجلَّى في أخلاق الصائم وسلوكه

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ). ابن ماجه.

هذا الحديث الشريف يرتقي بالصائم إلى حقيقة الصيام التي تتعدَّى الامتناع عن الطعام والشراب، إلى كفِّ الجوارح عن الحرام، وكفِّ اللسان عن الباطل والرفث وفضول الكلام، وكفِّ الباطن عن التعلُّق بما سوى الملك العلَّام. فهو ينتقل بنا من صورة العبادة التقليدية إلى جوهر العبادة ومقاصدها، بما تفضي إليه من التقوى ومراقبة الله تعالى وحضور القلب معه في جميع الأحوال. قال في بلوغ الغاية من تهذيب بداية الهداية: “تمام الصوم بكفِّ الجوارح كلِّها عمَّا يكرهه الله تعالى، فينبغي أن تحفَظ العين عن النظر إلى المكاره، واللسان عن النطق بما لا يعنيك، والأذن عن الاستماع إلى ما حرَّمه الله كالغيبة؛ فإن المستمع شريك القائل، وهو أحد المغتابين، وكذلك تكفُّ جميع الجوارح كما تكفُّ البطن والفرج..

أهلُ الخصوصِ من الصُّوامِ صومهمُ          صون اللسانِ عن البهتانِ والكذبِ

والعارفون وأهلُ الأنسِ صومهمُ              صون القلوبِ عن الأغيارِ والحُجُبِ”

ولما كان رمضان شهر الجدِّ والاجتهاد فإن التقاعس فيه عن العمل وأداء الواجبات بذريعة الصيام ينافي مقصود الصيام، فالتقوى التي من المفترض أن تكون ثمرةً للصيام يجب أن تظهر في كلِّ فعل يصدر عن الصائم، والمراقبة التي من المفترض أن تكون ثمرةً للصيام يجب أن تدفعه للإخلاص بالعمل والقيام بواجباته على أحسن وجه. روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مرَّ بقوم وهم يضحكون، فقال: إن الله عزَّ وجلَّ جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلَّف أقوام فخابوا، فالعجب كلُّ العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون.”

ويعلِّل الطيبي رحمه الله ما جاء في الحديث بقوله: “المقصود من إيجاب الصوم وشرعيته، ليس نفس الجوع والعطش؛ بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنَّة، فإذا لم يحصل له شيء من ذلك، ولم يكن له من صيامه إلا الجوع والعطش، لم يبال الله تعالى بصومه، ولا ينظر إليه نظر قبول.”

ويصف الغزالي رحمه الله الصائم الذي ليس له من صيامه إلا الجوع بأنه “هو الذي يفطر على الحرام ويفطر على لحوم الناس بالغيبة، أو من لم يحفظ جوارحه عن الآثام.”

ويجيب رحمه الله عن سؤال مفاده أن من اقتصر على كفِّ شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني الباطنة التي في الصيام، فقد قال الفقهاء صومه أنه صحيح، ألا يكفي هذا؟ فيقول رحمه الله: “فاعلم أن فقهاء الظاهر يثبتون شروط الظاهر بأدلَّة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة، لاسيما الغيبة وأمثالها، ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عموم الغافلين المقبلين على الدنيا الدخول تحته، فأما علماء الآخرة فيعنون بالصحَّة القبول، وبالقبول الوصول إلى المقصود، ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلُّق بخلق من أخلاق الله عز وجل، وهو الصمدية، والاقتداء بالملائكة في الكفِّ عن الشهوات بحسب الإمكان، فإنهم منزَّهون عن الشهوات.

والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها، فكلَّما انهمك في الشهوات انحطَّ إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم، وكلَّما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى علِّيِّين والتحق بأفق الملائكة، والملائكة مقرَّبون من الله عز وجل، والذي يقتدي بهم ويتشبَّه بأخلاقهم يقرب من الله عز وجل كقربهم، فإن الشبيه من القريب قريب، وليس القريب ثمَّ بالمكان؛ بل بالصفات.

وإذا كان هذا سرُّ الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب، فأيُّ جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء، مع الانهماك في الشهوات الأخر طول النهار، ولو كان لمثله جدوى فأيُّ معنى لقوله ﷺ: (كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صَوْمِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ)، ولهذا قال أبو الدرداء: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم، ولذرَّة من ذوي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترِّين. ولذلك قال بعض العلماء: كم من صائم مفطر، وكم من مفطر صائم. والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام، ويأكل ويشرب، والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه.”

وهذا الذي ذكره حجَّة الإسلام رحمه الله هو حجَّة في غاية القوة والإحكام، وفي منتهى الوضوح والبيان، لا يمكن دفعها، ولا سبيل لدحضها، وهو كما ينطبق على الصيام، ينطبق على كلِّ أعمال الظاهر، التي لا تأخذ قيمتها إلا بإحكام أعمال الباطن التي تدعمها وتعطيها المشروعية الحقيقية، فكما أن أحكام الظاهر أعطتها المشروعية للصحَّة، فإن أحكام الباطن تعطيها المشروعية للقبول. ومن هنا نفهم أيضا الجزء الآخر من الحديث الشريف، وهو قوله ﷺ: (وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ)، وما ذاك إلا لسوء نيَّته وفساد سريرته، وانطماس بصيرته، وتخريب باطنه.

قال المناوي رحمه الله: “بمعنى أنه لا ثواب فيه؛ لفقد شرط حصوله وهو الإخلاص أو الخشوع، أو المراد لا يُثاب إلا على ما عمل بقلبه، وفي الخبر: “ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل”. وأما الفرض فيسقط، والذمَّة تبرَأ بعمل الجوارح، فلا يعاقب عقاب ترك العبادة؛ بل يعاتب أشدَّ عتاب، حيث لم يرغب فيما عند ربه من الثواب.”

نسأل الله تعالى أن يجعلنا راغبين بما عنده من الكرامات، معرضين عن كلِّ قاطع يقطعنا عنه من المهلكات، ليكون حظُّنا من الطاعات حقيقةَ القرب من المـُطاع، إنه أكرم مسؤول، وأعزُّ مأمول.

المصادر والمراجع

  • إحياء علوم الدين، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، دار المعرفة، بيروت.
  • بلوغ الغاية من تهذيب بداية الهداية للإمام أبي حامد الغزالي، لأبي عبد الرحمن البحيري وائل بن حافظ بن خلف، دار البشير للثقافة والعلوم.
  • سنن ابن ماجه، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
  • فيض القدير شرح الجامع الصغير، لزين الدين محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، 1356هـ.
  • الكاشف عن حقائق السنن، لشرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، ت عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة – الرياض، ط1، 1417هـ/ 1997م.
  • مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري، ت محمد المنتقى الكشناوي، دار العربية، بيروت، ط2، 1403هـ.

____________________________

[1]  ابن ماجه في الصيام (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغِيبَةِ وَالرَّفَثِ لِلصَّائِمِ) 1/ 539. قال البوصيري في مصباح الزجاجة 2/ 69: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح رِجَاله ثِقَات، رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ.

[2]  بلوغ الغاية من تهذيب بداية الهداية للبحيري 72، 73.

[3]  إحياء علوم الدين 1/ 236.

[4]  الكاشف عن حقائق السنن 5/ 1590.

[5]  إحياء علوم الدين 1/ 235.

[6]  إحياء علوم الدين للغزالي 1/ 235، 236.

[7]  فيض القدير 4/ 16.