النبوة والأنبياء | مزايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام | المقال الثالث | د. محمد أبوبكر باذيب.

 

الحمد لله حمداً كما يحب ربنا ويرضى. والصلاة والسلام على الرسول الأكرم، والنبي الأعظم، سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، صفوته من رسله وأنبياه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة أهل السماوات والأرضين عليه، صلاة دائمة بدوامك، باقية ببقائك. ونسألك اللهم التوفيق لشكرك.

أما بعد؛

فإنه سبق الحديث عن الصفات السّت الواجبة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفصلنا الكلام في شرح خمس منها، وأفردنا الحديث عن العصمة في مقال مستقل، ونتحدث اليوم عن مزايا دعوة الأنبياء، عليهم السلام.

 

  • مزایا دعوة الأنبياء

المزية الأولى: أن دعوتَهم ربانية. 

المزية الثانية: أنهم لا يطلبون أجراً على تبليغ الرسالة. 

المزية الثالثة: إخلاصهم الدين لله تعالى.

المزية الرابعة: عدم التعقيد والتكلف في الدعوة.

المزية الخامسة: وضُوح الهدف والغاية. 

المزية السادسة: إيثارهم الآخرةَ والزهدُ في الدنيا. 

المزية السابعة: احتياطهم في عقيدة التوحيد وأمر الإيمان الغيب.

هذه أهم المزايا، وسنوضحُ كلّ مزية بشيء من التوضيح والبيان، والله المستعان . 

 

    • المزية الأولى: أن دعوتَهم ربانيةٌ

والمقصود بوصفها ربانيةً: أي أنها بوحي وتكليف من الله عز وجل، فليست دعوتهم من تلقاء أنفسهم، أو نابعةً من رغبة كامنة في نفوسهم وحسب، كما أنها ليست نتيجة كما يزعم بعض الناس أنها أتت تلبية للعوامل الاجتماعية التي حدثت في زمانهم، من ظلمٍ، و بغيٍ، وجور، و استبداد. كما أنها ليست نتيجة تفكِيرهم العميق، أو تألمهم من الحالة المؤسفة التي يكون عليها الناس؛ كل ذلك ليس مقصوداً. إنما هي ربانيةٌ، أي بوحي من الله وتكليف. فكل ما جاء به الأنبياءُ إنما مصدَرُه الوحيُ. فكل نبيّ من الأنبياء يقول: ﴿أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ[الأحقاف، 9]. فليس لهم إذا إلا تبليغُ أوامرِ الله سبحانه وتعالى.

يقول فضيلة العلامة السيد أبو الحسن الندوي، رحمه الله: (فلا يقاسُون أبداً على الحكماء، أو الزعماءِ، أو المصلحينَ، وجميع أصناف القادة الذين جربتهم البشرية، وتاريخُ الإصلاح والكفاح الطويل. والذين هم نتيجة بيئتِهم، وغرْس حكمتهم، وصدى محيطهم، ورد فعلٍ لما كان يجيش به مجتمعُهم من فسادٍ وفوضى. و القول الفصل في ذلك القول القرآن الكريم، على لسان سید الرُّسُل : ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[يونس، 16]) [النبوة والأنبياء للندوي: ص 31]

 

    • المزية الثانية: أنهم لا يطلبون أجراً على تبليغ الرسالة

أما المزية الثانيةُ لدعوة الأنبياء الكرام، صلوات الله عليهم ، فهي أنهم لا يطلبونَ أجرةً من أحد، ولا يقبلونَ على تبليغ الرسالة ثمناً من إنسانٍ، إنما يطلبُون الأجر والثوابَ من الله تبارك وتعالى. فكلّ نبيٍّ من الأنبياءِ كان يعلنُ على رؤوس الأشهاد، علانيةً، جهاراً، أنه لا يريدُ أجراً على الدعوة. ويقرّرُ بكل وضوحٍ وجلاءٍ: أن دعوته لم تكُنْ من أجل طلب الدنيا، أو طلب المال. يقول نبي الله هود عليه السلام، وهو يخاطب قومه: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ[هود، 51]. وهذا هو خاتم الأنبياء سيدنا محمد، يقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا[الفرقان، 57]. ويقول في موطن آخر: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ[ص، 86].

 

    • المزية الثالثة: إخلاصهم الدين لله تعالى

أما المزية الثالثة لدعوة الأنبياء الكرام، فهي: إخلاصُ الدين لله سبحانه، وإفراده تعالى بالعبادة. وهذا هو الهدف الأسمى الذي دعا إليه جميعُ الأنبياء في كل عصر وزمان، وفي كلّ بيئة ومكَان. فلم يكن لهم هدفٌ ولا غاية إلا أن يوجهوا المخلوق الضعيف إلى خالقه العظيم القدير، وأن يصرفوا وُجهَة البشر من عبادة العبادِ إلى عبادة رب الأرباب جلّ وعلا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة[البيّنة، 5]. ولقد أرسل الله جميعَ الرسُل بهذه الدعوة الكريمة المباركة (دعوة التوحيد)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ[الأنبياء، 25].

 

    • المزية الرابعة: عدم التعقيد والتكلف في دعوتهم

أما المزية الرابعة في دعوة الأنبياء صلوات الله عليهم، فهي: البساطة في الدعوة، وعدم التكلف والتعقيد. وهذه المزية واضحةٌ في دعوة جميع الأنبياء، فإنهم يسيرون مع الفطرة، ويخاطبون الناس على قدر عقولهم، ولا يتكلفون في دعوتهم، كما يفعل بعض الزعماء، فلا يعقدون الأمُور، أو يخاطبون الناس بما لا يفهمون أو يدركون. بل يسلكون طريق الحكمة في الدعوة والتبليغ. فهذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول على لسانه القرآن: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ[ص، 86]. ويأمره ربه بالدعوة إليه فيقول عزَّ من قائل: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[النحل، 125].

إن الابتعاد عن التكلف والتصنع في الدعوة، أمر مهم لنجاح الداعية في دعوته، وهو مسلك سلكه الأنبياء، عليهم السلام، في دعوة الناس ومخاطبتهم، وإقامة الحجة عليهم، فحاججوا الناس بالمنطق والبرهان العقلي، الذي يفهمه الكبير والصغير، والعالم والجاهل.

ننظر إلى خليل الرحمن، إبراهيم عليه السلام، وهو يقيم الحجة على خصمه العنيد، فيقطع عليه الطريق ببرهان دامغ، قال تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[البقرة، 258]. هذا هو الأسلوب الذي يخاطب الفطرة مباشرة، لا تكلف فيه ولا تصنع، قال حجة الإسلام رحمه الله في كتابه “إلجام العوام”: (أدلة القرآن مثل الغذاء ينتفعُ به كل إنسان. وأدلة المتكلمينَ مثلُ الدواء، ينتفع به آحادُ الناس، ويستضر به الأكثرون. بل أدلة القرآن كالماءِ الذي ينتفع به الصبي والرضيع، والرجل القوي. وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرةً، ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفعُ بها الصبيان أصلاً).

 

    • المزية الخامسة: وضُوح الهدف والغاية

والمزية الخامسة في دعوة الأنبياء، هي: وضوح الهدف والغاية في الدعوة. فهم يدعون الناسَ إلى هدف واضح، وإلى فكرة بينة، لا لبسَ فيها ولا غموض. استمع إلى قوله تعالى على لسان سيد الأنبياء والمرسلين : ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[يوسف، 108]. فطريقة الأنبياء واضحة، ودعوتهم ظاهرة ساطعة، مثل الشمس في رابعة النهار. ولهذا قال النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».

فنجدُ أن الأنبياءَ الكرام لا يسلكون الطرقَ الملتوية التي تخفي وراءها الغرضَ والهدفَ من تلك الدعوة، كما هو الحال عند بعض القادة والزعماء ، الذين لا يعرفون قصدَهُم ولا غرضهم على وجه الحقيقة والوضوح. 

 

    • المزية السادسة: إيثارهم الآخرةَ والزهدُ في الدنيا

المزية السادسة في دعوة الأنبياء هي: الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة على الحياة الدنيا .. وهذه المزية ملازمة لدعوة الأنبياء الكرام. فليس هدفَهم الاستمتاعُ بزهرة الدنيا وزينتها، لذلك فقد عاش كل الرسل الكرام في شظف من العيش، وفي شدة الضيق، مع أنهم كانوا يستطيعون أن يتنعموا في الدنيا، وأن يعيشوا فيها عيشَة العظماء. ولكنهم آثروا الباقية على الفانية، لأنهم أيقنوا أن ما عند الله خير وأبقى، وأن ﴿وَمَا عِنْد اللَّه خَيْر لِلْأَبْرَارِ[آل عمران، 198].

وقد خاطب الحق تعالى سید الأنبياء ، بقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى[طه، 138] . 

وحين طلب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أن يوسع عليهن في النفقة، وأن يزيد لهن في الرزق، ويعاملهن كبقية النساء اللواتي يعيشن في رغد من الدنيا، وفي بحبوحة من النعيم. حين طلبنَ ذلك، نزل التخيير لهن من السماء، وهو قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ۝ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا[الأحزاب، 28- 28].

 

    • المزية السابعة: احتياطهم في عقيدة التوحيد وأمر الإيمان الغيب

والمزية السابعة من مزايا دعوة الأنبياء، هي الاهتمام بعقيدة التوحيد، والتشديد في أمر الإيمان بالغيب، وإثبات وحدانية الله، ووجود الصانع المدبِّر الحكيم. كما أنهم قد ركزوا على موضُوع الإيمان بالغيب. فلا تكادُ تجِد نبيًّا من الأنبياء إلا وقد حذَّر قومه من خطر الوثنية والإشراك، ودعاهُم إلى توحيد الله واخلاص العبادة له. استمع إلى القرآن الكريم يحدثك عن الأنبياء الكرام نبيا نبياً، وكيف كان التوحيدُ أساسَ دعوتهم، وغاية جهادهم، فتجده يقول عن نبي الله نوح عليه السلام: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ[الأعراف، 59] . ويقول عن نبي الله هود عليه السلام: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ [الأعراف، 65]. ويقول عن نبي الله صالح عليه السلام: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ[هود، 61]. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة المتوافرة في هذا الباب.

* * *

وبهذا، نختتم مجموعة مقالات النبوة والأنبياء”، بعد أن أتينا على أهم المواضيع المتعلقة بجناب النبوة، ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

النبوة والأنبياء | عصمة الأنبياء الكرام عليهم السلام | المقال الثاني | د. محمد أبو بكر باذيب

 

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد.

والصلاة والسلام على سيد السادات، وخير البريات، الرسول الأكرم، والنبي الأعظم، سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، محبوب مولاه، وصفوته من رسله وأنبياه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين، ونسألك التوفيق لشكرك.

أما بعد؛ 

فإنه سبق الحديث عن الصفات الست الواجبة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفصلنا الكلام في شرح خمس منها، وبقيت صفة واجبة هي صفة العصمة، تم إفرادها في هذا المقال، نظراً لتشعب الكلام فيها. فنقول وبالله التوفيق:

 

  • العصمة: هي في اللغة المنع. يقال: عصمته عن الطعام، أي: منعته عن تناوله. ومنه قوله تعالى: ﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ[هود، 43]، أي: يمنعني من الماء. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ[يوسف،32]، أي: امتنع امتناعاً شديداً. وفي الحديث الشريف: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله… فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام»، أي: منعوا مني دماءهم وأموالهم.

  • والعصمة شرعاً: حفظ الله لأنبيائه ورسله عن الوقوع في الذنوب والمعاصي، وارتكاب المنكرات والمحرمات. فهي صفة من الصفات الواجبة لهم، وهي هبة من الله، وخصوصية للأنبياء ميزهم بها عن سائر البشر. وفي ذلك حكمة بالغة، في جعلهم قدوات لجميع الناس، وأسوة صالحة للخلق. فلو جازت عليهم الذنوب والمعاصي، لكان في ذلك تشريعاً للمعصية، وهذا خلاف الرسالة التي أساسها الهداية. فالرسل هم القادة، وكيف يصح لقائد أن يأمر بفضيلة وينهى عن رذيلة، وهو متلبس بها!؟.

وهناك دليل عقلي آخر للعصمة، وهو أنه قد ثبت أن الرسول هو المثل الأعلى في أمته، وأنه يجب الاقتداء به في عباداته وأقواله وأفعاله. وذلك يستلزم أن تخلو أفعاله وأقواله مما يعد معصيةً لله؛ لأنه قدوة. ولو صح أو جاز أن تدخل المعصية في حياة النبي، لوجب الاقتداء به فيها. وعليه، فيكون الأمر الإلهي ظاهره التناقض في تحريم أمر وفرضه في آن واحد، فثبت العكس، وهو عدم صحة تجويز المعصية على النبي. 

فثبت بالشرع والعقل أن الأنبياء يجب أن تكون حياتهم فاضلة كريمةً، مشرقة بنور الهداية، معروفة بالعفة والطهارة، زاخرة بالنبل والفضل والصلاح. وهذه هي العصمة.

 

      • هل العصمة قبل النبوة أم بعدها؟
  • اختلف العلماء في هذه المسألة، وهل تختص العصمة بالكبائر فقط، أم تشمل معها الصغائر؟

أما الكبائر، فالاتفاق حاصلٌ على عصمتهم عنها، عند أهل السنة والمعتزلة، وحكى القاضي أبو بكر بن العربي الإجماع عليه [تفسير القرطبي: 1/ 308].

وأما الصغائر، فهُم في تفصيل ذلك فريقان:

  • الفريق الأول: ذهبوا إلى أن العصمة ثابتة قبل النبوة وبعدها، لارتباط السلوك الشخصي بحياة الإنسان منذ نشوئه. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في حق موسى عليه السلام: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه، 39]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ [ص، 47]، والاصطفاء غير محدد بوقت، فلزم أن يكون عاماً في الحياة كلها.
  • الفريق الآخر: ذهبوا إلى أن عصمة الأنبياء إنما تكون بعد النبوة، وأن الصغائر تجوز عليهم قبل النبوة، لأن البشر ليسوا بمأمورين باتباعهم قبل النبوة، وإنما يجب الاتباع بعد نزول الوحي، وبعد تشريفهم بحمل الرسالة. ولكنَّ هذا التجْويزَ عقليٌ، فإن سِيَر أنبياء الله عليهم السلام سِيَر فاضلة، لحفظ الله لهم ورعايته قبل النبوة، فلم يثبت عن أحد منهم وقوعه في ذنب أو فاحشة أو شيء مخل بالاستقامة. هذا الرأي نسبه القرطبي في تفسيره” [1/ 308] إلى الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين. ثم نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني قوله: (اختلفوا في الصغائر. والذي عليه الأكثر: أن ذلك غير جائز عليهم. وصار بعضُهم إلى تجويزها. ولا أصلَ لهذه المقالة).


      • فإن قيل: فكيف نفسر ما ورد في الكتاب العزيز من وقوع أمور من بعض الأنبياء، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى[طه، 121]. وقوله تعالى في حق نوح عليه السلام: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ[هود، 46]. وقوله تعالى لنبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ[الفتح،2]

أجاب الإمام القرطبي عن هذا [1/ 309] بقوله رحمه الله: (الذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم، وتنصلوا منها، وأشفقوا منها، وتابوا. وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة، لا يقبل التأويل جملتُها، وإن قبل ذلك آحادُها. وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان. أو تأويل دعا إلى ذلك. 

فهي بالنسبة إلى غيرهم حسناتٌ، وفي حقهم سيئات [بالنسبة] إلى مناصبهم، وعلوّ أقدارهم. إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائسُ. فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحقُّ. ولقد أحسن الجنيدُ حيثُ قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. 

فهم – صلوات الله وسلامُه عليهم – وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم ، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم ، صلوات الله عليهم وسلامه)، انتهى كلام القرطبي.

 

ويجاب أيضاً عن ذلك باختصار:

أولاً: أن تلك الأمور لم تكن معاصي صريحة، إنما هي فعل خلاف الأولى، أو نسياناً.

ثانياً: أنها إنما جرت باجتهاد خاطئ، والمجتهد المخطئ مثاب.

ثالثاً: على فرض أنها مخالفات ومعاصي، فهي قد جرت قبل النبوة لا بعدها.

هذا ما تيسر جمعه في هذه العجالة، والموضوع طويل ومتشعب، وهناك تفاصيل كثيرة وكلام لأهل العلم مفصّل ودقيق في الإجابة عن إشكالات وتساؤلات كثيرة حول قضايا وأخبار وردت في كتب السيرة النبوية، أو في بعض دواوين الحديث الشريف، مما يتصل بعصمة الأنبياء، لعلنا نتناولها في وقت آخر إن شاء الله. ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن عصمة الأنبياء عليهم السلام.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

النبوة والأنبياء | عصمة الأنبياء الكرام عليهم السلام | المقال الأول | د. محمد أبو بكر باذيب



        • شرح الصفات الواجبة للأنبياء

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد. 

والصلاة والسلام على سيد السادات، وخير البريات، سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، صفوته من رسله وأنبياه. اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين، ونسألك التوفيق لشكرك.

أما بعد؛ 

فإن الحق تبارك وتعالى اختار أنبياءه الكرام، عليهم صلاة الله وسلامهم، ليكونوا سفراء بينه وبين عباده في حمل أمانة الوحي المقدس، وتبليغ رسالته للعباد. وكان من مقتضيات ذلك الاختيار والاصطفاء أن يكون أولئك المرسلون والأنبياء على أعلى صفات الكمال البشري، خُلُقاً، وعلماً، ونسباً، وحسباً، وقوة تحمل قلبي وبدني. لقد اختارهم الحق تعالى ورعاهم بعين عنايته سبحانه، قال جلّ وعلا: ﴿وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور، 48]. وقال مخاطباً نبيه موسى عليه السلام: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه، 39].

الأنبياء عليهم السلام، وإن كانوا بشراً يأكلون ويشربون، إلا أنهم تعتريهم الأعراض البشرية الخفيفة، مما لا يخلّ بإدراكهم، فيجري عليهم المرض الخفيف، والشيخوخة وكبر السن، ثم الانتقال ومفارقة هذه الدار الدنيا. ولكنهم فارقوا سائر البشر بصفات اختصوا بها، لا يشاركهم فيها غيرهم من البشر، وقد أجملها العلامة السيد المرزوقي في منظومته عقيدة العوام” في قوله:

أرسـل أنبيـــاء ذوي فطانــة ** بالصـدق والتبليــغ والأمـانـة

وجائز في حقهم من عرض **  بغير نقص كخفيف المرض

عصمتهـم كســائر الملائكــة ** واجبــة وفاضـلوا الملائكـــة

 

      • وأما تفصيل هذه الصفات، فهو فيما يلي:
  1. الفطانة: هي الذكاء والنباهة، فلم يبعث أحد من الأنبياء إلا وكان على جانب عظيم من النباهة، والذكاء الزائد الخارق للعادة، مع كمال الرشد والعقل. قال تعالى في وصف نبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [الأنبياء، 51]. وقصة إبراهيم عليه السلام مع قومه، تدل على ذكاءٍ ونباهةٍ، في تصرفه مع الصنم الأكبر لقومه، وتعليقه الفأس أو القدوم في عنقه. وكذلك في قصته مع النمرود، طاغية عصره.

  2. الصدق: وهذه الصفة الكريمة، وإن كان الاتصاف بها من سائر الناس أمراً مطلوباً، إلا أنها بالنسبة للأنبياء الكرام صفة لازمة. بل هي من الصفات الفطرية فيهم، فلا يكون النبي نبياً إلا وهو صادق اللهجة، متخلياً عن كل ما يخل بوثاقته ومروءته أمام المدعوين. فلا يصح أن يتصف نبي من الأنبياء بأي صفة قبيحة كالبخل أو الكذب أو الخيانة. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأُقَاو۪يلِۙ ۝ لَاَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَم۪ينِۙ ۝ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَت۪ينَۘ [الحاقة، 44- 46]. وإن تخلف الوعيد الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، دليل لا يمكن رده في دعم وإثبات صدق الأنبياء عليهم سلام الله.

  3. التبليغ: وهي صفة خاصة بالأنبياء عليهم السلام، يقصد بها: أنهم بلغوا الوحي الذي أنزل عليهم، ولم يكتموا منه شيئاً. فقد قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ [الأعراف، 62]، وقال عن صالح عليه السلام: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ [الأعراف، 79]، وقال عن شعيب عليه السلام: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ [الأعراف، 93]، «عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من حدثك أن محمداً  كتم شيئا مما أنزل الله عليه، فقد كذَب، والله يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك[المائدة: 67]، ولو كان محمد –  – كاتماً شيئاً مما أنزل عليه لكتم هذه الآية».  أخرجه البخاري تعليقاً والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

  4. الأمانة: وهي صفة حميدة، تقابلها وتضادها صفة الخيانة. وقد شهد الحق تعالى لرسله جميعاً بالأمانة على الوحي المقدس، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [الأحزاب، 39]. وقال سبحانه: ﴿وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ [التكوير، 24]؛ أي: ليس بمتهم على الوحي والغيب.

  5. السلامة من العيوب المنفرة: فجميع أنبياء الله عليهم السلام مبرَّؤون عن العيوب والتشوهات الخلْقية والخلُقية. فهم وإن كانوا من البشر، تصيبهم العوارض المتنوعة، إلا أن المولى تعالى قد صان أنبياءه عن العوارض المنفرة، وسلمهم من الأمراض التي تشينهم. من برص، وجذام، وعرج، وحول، وغير ذلك.

قصة أيوب عليه السلام

كثير من كتب التفسير، ولاسيما تفاسير المتقدمين، محشوة بأخبار وقصص عن الأمم السابقة، يدخل أكثرها في عداد الإسرائيليات التي يتسامح في نقلها، ولا يثرب على من حكاها أو نقلها، ولكن عامة الناس تتعلق بها، وتظنها من صحاح الأخبار، وتعلق في أذهانهم على أنها حقائق ثابتة، مع أن كثيراً منها يصادم العقيدة ونصوص الكتاب والسنة. 

فمن ذلك: ما رويَ أنّ نبي الله أيوب، عليه السلام، تساقط لحمه من شدة المرض، حتى أصبح الدود يخرج من جسمه، فاستقذره القريب والبعيد، ولم يصبر عليه إلا امرأته، وأنه عظم بلاؤه حتى أخرج من بيته، وألقي على كُناسة (مزبلة)!!. إلى آخر ما هنالك من حكايات مكذوبة وقصص إسرائيلية تلقّفها بعض القُصّاص، ودخلت إلى بعض كتب التفسير، وهي تنافي (عصمة الأنبياء). نكتفي في هذا الصدد بكلام المفسِّر القرطبي.

– فقد نقل القرطبيُّ في “تفسيره” [15/ 210-211] عن القاضي أبي بكر ابن العربي رحمه الله، أنه قال: (لم يصحَّ عن أيوبَ في أمره، إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه، في آيتين: الأولى في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ [الأنبياء، 83] والثانية في [ص، 41]: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. وأما النبي  فلم يصحَّ عنه أنه ذكره بحرفٍ واحدٍ، إلا قوله: «بينما أيوب يغتسل، إذ خرَّ عليه رجلٌ من جرادٍ من ذهب»، الحديث. وإذا لم يصحَّ فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرنا؛ فمَن الذي يوصل السامعَ إلى أيوب خبره، أم على أيِّ لسَان سمعه!!.

والإسرائيلياتُ مرفوضةٌ عند العلماء على البتات، فأعرضْ عن سطورها بصرَك، وأصِمَّ عن سماعها أذنيك؛ فإنها لا تعطي فكركَ إلا خيالاً، ولا تزيد فؤادكَ إلا خبالاً. 

وفي “الصحيح”، واللفظ للبخاريّ: «أن ابنَ عباس قال: يا معشر المسلمين، تسألون أهل الكتاب! وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدثُ الأخبار بالله، تقرؤونه محضاً لم يشَبْ، وقد حدثكُم أن أهلَ الكتاب قد بدلوا من كتب الله، وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب! فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً. ألا ينهاكم ما جاءكمُ من العلم عن مساءلتهم، فلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل َعليكم!». وقد أنكر النبيُّ  في حديث (الموطأ) على عُمَر قراءته التوراة)، انتهى كلامه.

ومن العيوب المنفرة: الخرَف والفنَدُ، فهذا لا يصيب الأنبياء ولا الرسل، مهما بلغوا من العمر وكبر السن، فإنهم يظلون مكتملي القوى العقلية، والتفنيد ذكر في القرآن الكريم في قوله تعالى حكايةً عن نبي الله يعقوب عليه السلام: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ [يوسف، 94]. الفنَد، بالتحريك، أي: فتح النون، وهو الخرَفُ ونقصانُ العقلِ، وفسادُ الرأي من هرَمٍ. وجواب {لَوْلَا} محذوف تقديره: لولا تفنيدكُم إياي موجودٌ؛ لصدقتموني فيما أقول لكُم، كذا قدره الزمخشري. قال شيخنا الأمين الهرري في حدائق الروح” [14/ 117]: (أي: امتنعَ تصدِيقكم لي لوجُود تفنيدكُم لي).

 6. العصمة: وهذه سوف نتناولها في مقالة مستقلة، لكثرة مسائلها وتفصيلها.

والله الموفق والهادي  إلى سواء السبيل

سلسلة كمال الإسلام في العقيدة والأخلاق والأحكام | المقالة الخامسة | الشيخ أنس الموسى

 

              • الدين إيمان وإسلام وأخلاق

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا. وبعد:

فاليوم نتابع الكلام عن الإسلام الذي رضيه الله لنا ديناً، والذي يعني الانقياد والخضوع والاستسلام لله عزوجل، وهذا هو المعنى اللغوي للإسلام، والذي قال الله تعالى عنه في ثنايا خطاب سيدنا إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[البقرة 131].

 

اليوم عندما نتكلم عن الإسلام سنتكلم عن الدين الخاص الذي جاء به سيدنا محمد ، وهذا الإسلام ينقسم إلى: إسلامٍ، وإيمانٍ، وإحسانٍ، وقد بيَّن رسول الله هذا التقسيم في حديث جبريل الذي رواه سيدنا عمر رضي الله عنه قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ. حَتَّى جَلَسَ إلَى النَّبِيِّ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْت. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ. قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْت. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ. قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْنَا مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ ‫قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» [1]  

 

فمجموع أركان الإسلام، والإيمان، والإحسان، هو هذا الدين الذي يسمى: الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا ديناً.

مما لا شك فيه أن الإيمان وحده، والإسلام وحده، والإحسان وحده، ليسوا هم دين الإسلام، إنما هي أجزاء هذا الدين؛ لهذا فإن كمال الدين لا يظهر بانفراد هذه الأجزاء، بل يتحقق باجتماع هذه الأجزاء الثلاثة. وعندما نتكلم عن كمال الإسلام، لا يمكن أن نتصوره بكمال جزءٍ منه دون بقية الأجزاء، فبناء الإسلام كشجرةٍ راسخةٍ في الأرض، تمثِّلُ جذورها: الإيمان، ويمثل جذعها: الإسلام، أما ثمار هذه الشجرة فتمثل: الإحسان والأخلاق.

  رسول الله عندما قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [2] علَّمنا أن المقصود من الدين هو تلك الاخلاق التي بُعِثَ متمماً لها، فالغاية من بِعْثَةِ رسول الله هو: تتميمها، ولن نستطيع تحقيق هذه الأخلاق دون ترسيخ الجذور أولًا، من خلال التربية الإيمانية، ثم نعمل على تقوية الجذع الذي هو بناء العبادات، والأحكام؛ وكلٌّ من الإيمان، والأحكام، يُنْتِجَان بشكل تلقائيٍ الثمرات المرجوة، وهي الأخلاق التي بعث رسول الله ليكمِّلَها.

 

الذي يطلب الأخلاق من غير إيمانٍ، وإسلامٍ، كالذي يطلب ثمرة الشجرة من غير أن يكون لها جذر أو جذع؛ لهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [فصلت، 30] الاستقامة هي من مكارم الأخلاق، وكلمة ﴿اسْتَقامُوا؛ هي نتيجة قولهم: ﴿رَبُّنا اللَّهُ، وهكذا كان الحال عندما طلب سفيان بن عبد الله الثقفي من رسول الله فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ – وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ – قَالَ : قُلْ : آمَنْتُ بِاللَّهِ ، فَاسْتَقِمْ»  [3]، يؤكد هذا المعنى قول ربنا سبحانه: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ{ [البقرة، 227] ربنا بدأ بقوله: ﴿آمَنُوا، ثم أعقب ذلك، وعطفه على قوله: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وكذلك الحال في قول الله عزوجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً[الإسراء، 23]، الإحسان للوالدين هو من مكارم الأخلاق، وقد رتبه ربنا على الإيمان بالله عزوجل، وكذلك قال ربنا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء، 36] كل هذه الأخلاق جاءت مرتبةً على عبادة الله عزوجل، وعدم الإشراك به.

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر]، فمن مكارم الأخلاق: التواصي بالحق، والصبر، وهو في ذات الوقت، من ثمرات الإيمان، والعمل الصالح.

لكل ما سبق وغيره؛ نرى رسول الله ، كلما حثَّنا على شيءٍ من مكارم الاخلاق؛ كان يربطه بالإيمان، فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ، قَالَ: «سَمِعَ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي: النَّبِيَّ يَقُولُ: الضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، جَائِزَتُهُ قِيلَ: مَا جَائِزَتُهُ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» [4]، ونراه يقول أيضاً: «من حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»  [5]

 

كل هذه الأخلاق، هي ثمرات التربية الإيمانية؛ لهذا نرى أن الأمة المسلمة، وخصوصاً التي رباها رسول الله ، متمثِّلَةً في جيل الصحابة رضوان الله عليهم ضَرَبَت أروع الأمثلة في مكارم الأخلاق، ورأينا في سلوكهم صوراً لمكارم الأخلاق ما تزال الإنسانية لا يبلغ خيالها ما بلغوه رضي الله عنهم.

 لننظر لواقع الصحابة الذين نزل فيهم تحريم الخمر، وهو (الخمر) الذي كان يجري في عروقهم مجرى الدم، فنرى تلك الاستجابة السريعة التي لم يتخللها أيُّ تردد، خاطبهم ربهم بعد إصدار الحكم بالتحريم:﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة، 91] قالوا: انتهينا يا رب، وأراقوا دنان الخمر حتى سالت منها أروقة المدينة.

 

      • هل تستطيع الدول المتحضرة اليوم من خلال تعليمات إداريةٍ، وتشريعات قانونية وضوابط صحية، أن تفعل ما فعلته التربية الإيمانية تجاه تحريم الخمر؟

نحن اليوم نرى كثيرًا من الأطباء يشربون الخمر، وهم من أعرف الناس بأضراره السبب: أن الجانب العقلي وحده، والقضية العلمية وحدها، لا تكفيان لمنع الناس من الإضرار بأنفسهم، وارتكاب الموبقات، بل لابد أن ينضاف إلى ذلك وازع ديني إيماني؛ يدفع الإنسان لتحقيق هذه المسلَّمات العلمية، التي أقرها العقل السليم؛ لهذا السبب لا نعجب من الأمثلة الغريبة التي ضربها لنا الصحابة، والسلف الصالح لمكارم الأخلاق؛ لأنها نِتَاج التربية الإيمانية الإسلامية في المدرسة المحمدية، فقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الزهد بالدنيا والإيثار والرحمة والعفة والكرم والشهامة والنخوة والوقوف عند الحدود التي رسمها لهم رسول الله .

 

 وكذلك لو نظرنا لمدارس العبادات لوجدناها تُربي الفرد، والمجتمع على مكارم الأخلاق قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت، 45]،وقال تعالى في حق الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة، 103]، وكذلك قال ربنا في حق الحج: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة، 197]، فهذه العبادات، ماهي إلا مدارس ترتقي بالناس لسلَّم مكارم الأخلاق.

 

وليس ببعيد عنا أحكام المعاملات، والأحوال الشخصية التي شرعها ربنا حيث كانت أحكاماً تسيِّجُ مكارم الأخلاق، وتحميها، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿اِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْاِحْسَانِ وَا۪يتَٓائِ ذِي الْقُرْبٰى وَيَنْهٰى عَنِ الْفَحْشَٓاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الإسراء، 90]، فالإحسان الذي هو: زيادةٌ على العدل، والعدل الذي هو: مقاطع الحقوق عند الحدود: هما السياج الذي يحمي مكارم الأخلاق، فالله بين لنا العدل، وطالبنا بالأخلاق، وبين لنا الحقوق والواجبات، وطالبنا بالإحسان.

لنتأمل في قول ربنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة، 178]؛ فقد بين لنا ربنا مقاطع الحقوق، وأمرنا بعد ذلك الوقوف عند الحدود، وطالبنا بمكارم الأخلاق.

 

      • مهمات:
  1. كمال الإسلام يظهر في أحكام العقيدة، ولكن هذا الكمال في العقائد يظهر جلياً للمتعلم الدارس، أما الإنسان العادي فقد لا يهتدي لأحكام العقيدة كما هي مسطورةٌ في كتب العقيدة، وكذلك حال أحكام العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، يستطيع الفقيه أن يدرك كمال الإسلام فيها، ولكن قد يصعب جداً على العامي إدراك ذلك الكمال، أما بالنسبة لكمال الإسلام في جانب الأخلاق: فهو الوجه المشرق للدين الذي يظهر بوضوحٍ لكل الناس المتعلم، والجاهل؛ فيدرك غير المتعلم مثلاً: معاني الكمال عندما نتحدث عن بر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان للجار، وحسن العشرة بين الزوجين إلى غير ذلك من حَسَنِ الأخلاق وجميل التعاملات.

  2. لقد كان رسول الله -الذي وصفه ربنا بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم، 4]- سبَّاقَاً في ميدان العبادات، فقد كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، وكان يقول:«إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»  [6] فما هذه الأخلاق التي كان يتحلى بها ، إلا ثمرةً من ثمرات تلك المجاهدات، والمكابدات التي كان يكابدها في عبادته لربه من صلاة وصيام وجهاد، ونحن إن كنا صادقين في طلبنا تحصيلَ مكارم الأخلاق علينا أن نسلك الطريق الذي سلكه رسول الله  وشرعه لنا.

  3. هناك من يسعى لإزالة سياج العبادات، من خلال إزالة قواعد الأحكام، ثم بعد ذلك يريد أن يطالب الأمة التحلِّي بمكارم الأخلاق، نقول لهؤلاء: عجباً كيف تطلبون ثمرةً دون بذر بذورها؟! أم كيف تدركون غايةً دون سلوك سبيلها؟، ونقول لهم أيضاً: اعلموا أن الأخلاق ماهي إلا ثمرةٌ من ثمرات تلك العبادات، والأحكام التي كنتم بالأمس تريدون نَسْفَهَا، وإزالة قواعدها.

اللهم وفقنا لمحابِّكَ، وألهمنا مراشد الصواب، والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلَّم.    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] أبو داود، السنن: بَابٌ فِي الْقَدَرِ (4138)، الترمذي، الجامع: باب ما جاء في وصف جبريل للنبي الإيمان والإسلام (2652)

[2] البيهقي، السنن الكبرى: بَابُ: بَيَانُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِيهَا الَّتِي مَنْ كَانَ مُتَخَلِّقًا بِهَا – من حديث أبي هريرة- (19096). البزار، المسند: مسند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (8311).

[3] الترمذي، الجامع: باب ما جاء في حفظ اللسان (2442). ابن ماجه، السنن: بَابُ كَفِّ اللِّسَانِ فِي الْفِتْنَةِ (3999). أحمد، المسند: حَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ (190841).

[4] البخاري، الصحيح: باب إكرام الضيف، وخدمته إياه بنفسه (5806). ورواه أيضاً في: باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (5696). مسلم، الصحيح: بَابُ الضِّيَافَةِ وَنَحْوِهَا (3359).

[5] ابن ماجة، السنن: باب كف اللسان عن الفتنة (4007). مالك، الموطأ: باب ما جاء في حسن الخلق (1637).

[6] البخاري، الصحيح: كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح (4776).

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الثلاثون | د. محمود مصري

 

                    • الباب السادس: من أحكام الصيام

 

        •  4- لا حرج على الناسي


        • عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». متفق عليه. [1]

هذا الحديث الشريف يبيِّن لنا حكمًا من أحكام الصيام يتعلَّق بالناسي، وهو حكم مهمٌّ لكثرة إمكانية الوقوع في النسيان. وظاهر الحديث أنه لا يفسد الصوم بالأكل والشرب حال النسيان. وهو من رحمة الشارع وتيسيره على العباد. وحتى تذهب الوساوس عن الإنسان في صحّة صومه، فإن الشارع بيَّن له أن هذا الفعل الذي لا كسب للعبد فيه؛ منسوبٌ إلى الذي أطعمه وسقاه على الحقيقة، بخلاف ما لو أفطر متعمِّدًا فإن الفعل يُنسَب إليه.

والأمر النبويّ بأن «يُتِمَّ صَوْمَهُ» يدلُّ على عدم فساد الصوم؛ إذ لو أفطر لما سُمِّي “إتمامًا” ولا “صومًا”. وهذا هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، وذهب مالك إلى أنه يُفطر، ويمسك باقي اليوم (وهذا معنى فليتمّ صومه عندهم، أي الصوم اللغوي الذي هو الإمساك، لا الشرعي) ثم يقضي، وهو التفسير المتماشي مع القياس، فالنسيان لا يؤثّر في المأمورات. غير أن تفسير الجمهور للحديث هو الأظهر، ويشهد له رواية الحاكم: «من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفّارة» [2]. كما أن الأصل في إطلاق الشارع أن يُحمل على الحقيقة الشرعية.

 

وثمّة مسألة ناقشها العلماء، لم يتعرَّض إليها الحديث، وهي:

      • هل يُلحق الجِماع بالأكل والشرب، بحيث أن الناسي فيه لا يُفطر؟

قالت الحنفية والشافعية وفي قول لأحمد: مقتضى القياس أنه لا يُفطر، فإذا ثبت العذر في الأكل والشرب ثبت في الجِماع. والتخصيص في الحديث بالأكل والشرب ليس لتقييد الحكم بهما؛ بل لأن الغالب وقوع النسيان بهما؛ لا به. بينما ظاهر مذهب الحنابلة أنهم حملوا الحديث على التقييد.

 

      • ومسألة أخرى تعرض: هل ينطبق الحكم على صوم الفرض والنفل؟

والجواب: نعم؛ لأن الحديث أطلق (وهو صائم) دون أن يقيّد ذلك بصومٍ معيَّن.

 

      • وثمّة سؤال آخر يتبادر إلى الأذهان: ماذا لو تكرر النسيان في اليوم وتكرر الإفطار؟

والجواب أن الحديث لم يخصّص الحكم بعدد معيّن، فيسري عليه الحكم، ولا يعدُّ مفطرًا، وهو المعتمد عند العلماء. [3]

 

ومن لطائف ما وقع في ذلك أن رجلاً جاء أبا هريرة فقال له: (أصبحت صائمًا فنسيتُ فطعِمتُ وشربتُ؟ فقال: لا بأس، أطعمك الله وسقاك. قال: ثم دخلت على إنسانٍ آخر فنسيتُ فطعِمتُ وشربت؟ قال: لا بأس، أطعمك الله وسقاك. قال: ثم دخلت على إنسان آخر فنسيتُ وأطعمتُ؟ قال: أبو هريرة رضي الله عنه: أنت إنسانٌ لم تعود الصيام). [4]

 

نسأل الله تعالى أن يرحم ضعفنا وعجزنا، وألا يؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا، أن يجعلنا عنده من المقبولين الفائزين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الأيمان والنذور (بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الأَيْمَانِ) 8/ 136، ومسلم في الصيام (بَابُ أَكْلُ النَّاسِي وَشُرْبُهُ وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ) 2/ 809.

[2] الحاكم 1/ 595. وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، ووافقه الذهبي.

[3] انظر حكم من أفطر ناسياً: فتح القدير 2/ 62 وما بعد. وشرح المنهاج 2/ 57 وما بعد. والكافي 1/ 477 وما بعد. والمغني 3/ 121 وما بعد.

[4] المصنّف 4/ 21.

كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر | المقالة الرابعة | الشيخ عمر حجازي



هذا هو المحور الرابع من محاور موضوع: كيفية إحياء سنة النبي في هذا العصر والتحديات التي تواجه عملية الإحياء

تواجه عملية إحياء سنة النبي مجموعة من التحديات، يمكن قسمتها إلى قسمين: 1- تحديات داخلية. 2- تحديات خارجية.

 

  • 1- التحديات الداخلية:

إن التحديات التي تواجه إحياء سنة النبي ، والتي تطل برأسها من نافذة البيت الإسلامي، وتدعي أنها تسعى إلى إصلاحه وتطويره كثيرة، وهي الأشد خطراً؛ لأنها تلبس لبوس الإسلام، وتزعم الحرص عليه، والدعوة إلى إصلاحه، ومن أهم هذه التحديات:

أ- غياب التعاون بين المسلمين:

إن أي دعوة أو عمل ناجح يحتاج إلى جهود كثيرين بمعارف متفرقة، وأفكار متنوعة، تقوّم اعوجاجه، وتصوّب خطأه، والمؤمن مأمور بالتعاون، فبقدر طاعته لله يتعاون، وبقدر حبه لنبيه يتعاون، وقد أكدت آيات القرآن الكريم على ذلك، قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى[ المائدة:2]. وشبه النبي علاقة المسلم بأخيه المسلم بالبنيان، يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه . [1]

وحثّ على التزام الجماعة، والعمل معها، فقال: «عليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»  [2]أي: البعيدة عن قطيع الغنم.

ب-  غياب التربية الإسلامية داخل البيت المسلم:

الأسرة أساس التربية، وفيها تتشكل شخصية الإنسان، وإن أهم ركنين فيها هما الأبوان، فعليهما تقع مسؤولية كبيرة في توجيه وإرشاد أبنائهما، ووضعهم على الطريق الصحيح الموافق لسنة النبي ، وهذا يستدعي معرفتهما بهذا المنهج، من هنا جاء الأمر الإلهي بوقاية الإنسان أهله من النّار كما يقي نفسه، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة[البقرة:24]. ومن لطائف البيان الإلهي أن الله تعالى قال: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى [طه:117]، فقد أفرد في موضع التثنية ، إشارة إلى أن شقاء الزوج شقاء لزوجته، وشقاء الزوجة شقاء لزوجها، وشقاء الأبناء شقاء للآباء، لذلك كان من أعظم نعم الله على عبده جعل أولاده قرة عين له، قال تعالى: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين [الفرقان:74]. [3]

ج- الغلو في الدين:

الغلو من أهم التحديات التي تواجه السنة النبوية في سعيها إلى العودة إلى قلوب المسلمين وعقولهم، وظهورها في حياتهم وسلوكهم، ومن جوانب تأثيره على ذلك ما يأتي:

– من طبيعة الغلو أنه منفر للناس، وفي الغلاة من الحدة والغلظة وسوء الظن ما يجعل الناس يبتعدون عنهم، فيكونون سببا لتمزيق الأمة، وتفريق كلمتها، قال تعالى: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك [آل عمران:153].

– الغلو والشدة تدفع إلى أقوال وأفعال ومواقف ليست شرعية، يتوهم أصحابها أنها علامة على الصدق والتضحية في تطبيق الشريعة، وهذا يدفع الكثيرين إلى الابتعاد عن منهج النبي وسنته، باعتبار أن هذه السنة هي ما يمثله هؤلاء.

من هنا كان إنكار النبي على معاذ بن جبل إطالة الصلاة، ما ألجأ بعض المصلين إلى الخروج من الصلاة فقال: «أفتّانٌ أنت يا معاذ… ثلاث مرات». [4]


  • 2- التحديات الخارجية:

من التحديات التي تواجهها السنة النبوية في طريق عودتها إلى حياة الناس التحديات الخارجة الوافدة الى المجتمع المسلم من مجتمعات أخرى، ومن أهم هذه التحديات:

أ- الثقافة الوافدة:
إن الإعلام الذي غزانا من شتى بقاع الأرض يؤكد نقيصتين خطيرتين: الإباحية والإلحاد، ليس نظرياً فحسب، بل عملياً أيضا من خلال السلوك.

فعندما يشاهد المسلم والمسلمة مسلسلات يحكي قصة خيانة زوجية، قامت بها زوجة انتقاماً من زوجها الذي خانها، أليس هذا توجيها خطيرا؟

وعندما يشاهد الطفل فيلماً كرتونيّاً يحكي قصة بطل يُنزل المطر، ويُنبِت الزرع، فإن هذا توجيه خطير، والأمة مسؤولة عن إيجاد البديل للطفل الذي يتوافق مع منهج الإسلام، ويبعد أطفالنا عن خطر تبني الأفكار التي تلقى عليهم من خلال هذه الأفلام. [5]

ب- حملات التشكيك والافتراء الموجهة إلى السنة النبوية:

منذ أن بعث النبي ، وأقواله وأفعاله تتعرض لمحاولات التشويه والافتراء، ولم تتوقف هذه المحاولات إلى زماننا، لعلم أعداء الإسلام أن السنة هي الناقلة لمنهج النبي تفصيلاً، وأن بدونها لا يمكن تطبيق الإسلام؛ لأنها جاءت مفصلة مبينة لكثير مما أجمل في القرآن الكريم.

ومن مظاهر هذه الحملات الدعوة إلى فصل السنة عن القرآن الكريم، والتشكيك في مصادرها، والطعن في صحتها ورواتها. [6]

ج – محاولة تطويع السنة للعقل:

ظهرت قديما بعض الأصوات التي تنادي بعرض السنة على العقل، وجعله حكماً عليها، فما وافق العقل منها قبل، وما خالفه رد.

ويتمثل الخطر في هذه الدعوة في أنها تلقى رواجاً في أوساط المثقفين، غير المطلعين على علوم الشريعة.

والحق أن هذه دعوة للفوضى، فأي عقل هذا الذي تعرض عليه السنة النبوية، والعقول تتفاوت في فهمها وقبولها لكثير من الأشياء، وفرق بين عدم إدراك الشيء واستحالته في العقل. [7]

 

نسأل الله أن يعيننا على الالتزام بمنهج نبيه وسنته، ويجعلنا أداة لإحياء العمل بها، والدعوة إليها، إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب نصر المظلوم (2446)، وصحيح مسلم، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (2585).

[2] مستدرك الحاكم، من كتاب الإمامة وصلاة الجماعة (765).

[3] انظر محاضرة للدكتور راتب النابلسي بعنوان: التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة، ص2.

[4] صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب من شكا إمامه إذا طول (705). وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء (465). وانظر مقال: (جناية الغلاة على تطبيق الشريعة)، الشيخ فهد بن صالح العجلان، منشور في موقع (على بصيرة).

[5] انظر محاضرة النابلسي السابقة ص9.

[6] انظر: السعدي، إسحاق بن عبد الله، السنة في مواجهة التحديات، ص6-7.

[7] انظر: المهدي، أيمن محمود، السنة في مواجهة التحديات المعاصرة، ص63.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة التاسعة والعشرون | د. محمود مصري



                    • الباب السادس: من أحكام الصيام

 

        •  3: تعجيل الفطور

        • عن سهل بن سعدٍ رضي الله تعالى عنه، أنَّ رسول الله ، قال: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ». متفق عليه. [1]

يدلُّنا هذا الحديث الشريف على سنّة من سنن رسول الله في الصيام، وهي تعجيل الفطر، وهو أمرٌ مهمٌّ تظهر فيه العبودية المتمثِّلة بموافقة الشارع، وذلك أن الامتثال في الفطر مثل الامتثال في الصوم، والذي شرع لنا الصوم هو الذي شرع لنا الفطر، فالمعوّل عليه في الحالين الاستجابة للشارع.

والأكثر من هذا فإن الحديث الشريف يجعل من مخالفة السنّة في هذا الأمر علامةً على فساد أمر الناس، وأنهم ليسوا على خير، وذلك أن مخالفة السنّة عمومًا أمارة على ابتعاد الناس عن دينهم، وما ذلك المظهر الذي تجلّى بتأخير الفطر إلا واحدًا من المظاهر الدالّة على ترك السنّة، وبالتالي يدلُّ على فساد الدين. وجهة الفساد هنا أن تمام الصّومِ يكون وقت الفطر، الذي يتحدَّد بانقضاء غروب الشّمس، فالزيادة عليه نقصٌ من جهة أن ذلك تزيُّدٌ على الشرع، وهذا حقيقته اتهام الشرع بالنقص.

ثم إن الموفّق إلى هذه السنّة بشَّره النبي بمحبَّة الله له، كما في الحديث القدسيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ، قال: «قال الله عزَّ وجلَّ: أحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا». [2]

 

غير أن ذلك الفساد والشرّ يكون بتعمّد تأخير الفطور، فلو حصل عفوًا دون قصد لا يضرّ.

– قال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله: “المـُرَاعَى نيّة التعجيل لا صورة التّعجيل، ردّاً على من يؤخّره إلى اشتباك النُّجوم احتياطًا على الصوم، حتّى لو اشتغل الرَّجُل بأمرٍ ما عن الفِطْر مع اعتقاد الفِطْر، وقد انقضى الصّوم بدخول اللّيل، لم يدخل في كراهية تأخير الفِطر، وكذلك من اشتغل بأداء عبادة كالصّلاة وغيرها كما فعل عمر وعثمان، فإنّه لا يدخل في كراهية تأخير الفطر.” [3]

– وقد قال بعض العلّماء: إنّ الامساك بعد الغروب لا يجوز، وهو كإمساك يوم الفِطْر ويوم النَّحْر عن الأكلِ. واستدلّوا بقوله ﷺ: «إذا أقبلَ الليلُ وأدبر النّهار وغابت الشّمس أفطر الصائم» [4]. فالمراد به قد صار مُفْطِرًا، فيكون ذلك دلالة على أنّ زمان اللّيل يستحيل الصّوم فيه شرعًا. [5]

– وذكر في فتح الباري عن بعض العلماء أن الحكمة في ذلك ألا يُزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة. [6]

– قال الشيخ نور الدين عتر رحمه الله: “استحباب التعجيل بالفطر محلُّه التثبُّت من دخول وقته، وذلك برؤية غياب قرص الشمس، أو بإخبار عدلٍ واحدٍ رآه أو علم به، أو بالعلامة، مثل المؤذِّن العارف بالوقت، أو التقويم الموثوق. وننبِّه إلى وجوب التحرُّز؛ فقد دخل كثيرًا من التقاويم تغييرٌ في السنوات الأخيرة.” [7]

 

ويسنُّ للصائم الإفطار على الرُّطب أو التمر، أو الماء إذا لم يجد رطبًا أو تمرًا.

فعن سلمان بن عامر الضبِّي رضي الله عنه عن النبي ، قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْر، فَعَلَى الْمَاءِ فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ». [8]

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذا من فعله ، قال: «كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلّي على رُطَبات، فإن لم تكن رُطَبات فتُميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء» [9]. وهذه الرواية تبيِّن لنا أن إفطار النبي كان قبل صلاة المغرب. وهذا لا يخلُّ بسنّية تعجيل صلاة المغرب؛ لأن ذلك عبارة عن تمرات بسيطة.

 

وتقديم الرُّطبات على التميرات لكونها ألطف على المعدة، واختيارهما لما فيهما من السكّر البسيط الذي هو سريع الامتصاص وسهل الهضم، فيعطي الجسم حاجته من السكّريات بسرعة، فضلا عن المواد الغذائية الأخرى المتكاملة الموجودة فيهما، ويمكن في حال عدم وجودهما البدء الحلويات البسيطة غير الدسمة، لأنها تحقِّق الغرض السابق. أما الماء الذي وصفه الحديث بـ (الطهور) فهو مناسب لتهيئة المعدة للطعام.

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يتحرّى مراد الشارع ويقف عنده في جميع الأحوال، وأن ينفعنا باتباع هدي خير الأنام في سائر التوجيهات والإرشادات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الصوم (بَابُ تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ) 3/ 36، ومسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ وَتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ) 2/ 771.

[2] الترمذي في الصوم (بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ) 3/ 73. وقال: حسن غريب.

[3] المسالك في شرح موطأ مالك 4/ 172.

[4] مسلم في الصيام (بَابُ بَيَانِ وَقْتِ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ وَخُرُوجِ النَّهَارِ) 2/ 772.

[5] المسالك في شرح موطأ مالك 4/ 173.

[6] فتح الباري 4/ 199.

[7] إعلام الأنام 2/ 405.

[8] أبو داود في الصوم (بَابُ مَا يُفْطَرُ عَلَيْهِ) 2/ 305، والترمذي في أَبْوَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي القَرَابَةِ) 3/ 37، والحاكم 1/ 597، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. ووافقه الذهبي.

[9] الترمذي في أَبْوَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (بَابُ مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الإِفْطَارُ) 3/ 70. وقال: هذا حديث حسن غريب.

سلسلة كمال الإسلام وجماله في العقيدة والأحكام والأخلاق | المقالة الرابعة | الشيخ أنس الموسى




        •  وقفة مع قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

تكلمنا في المحاضرة الماضية عن كمال الدين، وأنه عقيدةٌ يجب أن نَعْلَمها، وأن نتذوَّقها، وأن قول الله تعالى:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً [المائدة 3]، ليس شعاراً من الشعارات اللفظية، التي يرفعها المسلمون، وإنما هو حقيقةٌ ماثلة في هذا الدين في كل جزئياته، بل هو من العقائد التي يجب الإيمان بها؛ فيجب أن نؤمن أن الله قد أكمل هذا الدين، فهذه الآية قطعية الثبوت، والدلالة على ذلك؛ مادام الإنسان يؤمن بأن القرآن هو من عند الله تبارك وتعالى.

 

لقد ذكر الله عزوجل في هذه الآية ثلاث جمل هي: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً.

هذه الجمل الثلاث عندما يتذوَّقُها الإنسان يستشعر فضل الله تعالى، وجزيل منَّتِه، فالذي يَنْسِبُ الفعل لنفسه بإكمال الدين، هو: الله سبحانه وتعالى، فليس مَنْ أَكْمَلَ الدين أحد المجتهدين من البشر؛ بل أكمله الذي قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ[النمل 88]،  بل أكمله الذي قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [تبارك 3]، بل أتمَّه الذي قال: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ [لقمان 11]، بل الذي قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف 54].

عندما نقرأ هذه الآية نتذوَّق ذلك اللُّطف الذي يكرمنا الله به، وخصوصاً عند قوله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وهذا شيء تكرر في قول الباري سبحانه وتعالى كما قال ربنا: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[الشورى 13]، وقال: ﴿لكلٍّ جعلنا منكم شِرْعةً ومنهاجاً[المائدة 48]

لقد شرفنا ربنا بنسبة كمال الدين إلينا؛ كما قال في آيات أخرى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[الأنبياء 10]، فيه عِزُّكم، فيه مَجْدُكم، فيه رُقِيُّكم.

ثم يقول ربنا الجملة الثانية: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، فتمام الإسلام نعمة من الله عزوجل، وهذه النعمة ليست كبقية النعم؛ لأن الله يشهد أنها نعمةٌ تامة، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فهما إذاً مِنَّتَان من الحق سبحانه، الأُولى: بلفظ النعمة، والثانية بلفظ الإتمام.

ثم قال ربنا: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً، وفي هذا الجزء من الآية لُطْفٌ عجيبٌ، وامتنان كبير يَمتنُّ الله به على عباده عندما يقول سبحانه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ﴾.

 

 قالتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لو عَلَيْنَا مَعْشَرَ يَهُودَ، نَزَلَتْ هذِه الآيَةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً نَعْلَمُ اليومَ الذي أُنْزِلَتْ فِيهِ، لَاتَّخَذْنَا ذلكَ اليومَ عِيدًا، قالَ فَقالَ عُمَرُ: فقَدْ عَلِمْتُ اليومَ الذي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالسَّاعَةَ، وَأَيْنَ رَسولُ اللهِ حِينَ نَزَلَتْ، نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَنَحْنُ مع رَسولِ اللهِ بعَرَفَاتٍ. [1]

 

إن قضية كمال الإسلام ليست قضية دينية فحسب، بل هي قضيةٌ عِلمية عقلية، هي قضية يسلِّمُ بها كل مُنْصف، هي قضية يحملها كل إنسان دارس للإسلام بشكل حقيقي.

قضية كمال الإسلام، مبدأٌ عِلْمي ينبغي التزامه، وهو حقيقةٌ ينبغي أن تبقى ماثلةً أمامنا بغضِّ النظر عن بعض الاختلاف، فليست قضية كمال الإسلام يتداولها المتدينون فقط.

 

فعندما نتحدث عن وجود الله مثلاً: لا نقول بأن وجود الله حقيقة علمية فقط، بل هو حقيقة دينيةٌ، وعلمية، وعقلية، وكذلك الحال في قضية صِدق النبي هو حقيقةٌ علمية عقلية دينية، وهكذا في قضية كمال الإسلام؛ وعليه: فلا نقبل أن تكون قضية كمال الإسلام قضية دينية فحسب، يقولها المسلم تديناً فقط، بل نريد من المسلم أن يتبناها اعتقاداً علمياً، وذوقياً شعورياً؛ يتفاعل معها في ظاهره، وباطنه، وعقله، وفطرته، وهذا لا يتأتى إلا إن درَسنا هذه القضية دراسة علمية سليمة. نريد أن نوضح الأدلة على كمال الإسلام، ونوضح البراهين على تمام النعمة بهذا الدين، وعلينا أن ندرك أيضاً أنه عندما كمَّلَ الله سبحانه هذا الدين؛ جعل رسوله هو التطبيق العملي له؛ فإذا أردنا الإسلام مُطَبَّقَا،ً ما علينا إلا أن ننظر إلى حياة رسول الله ، وشمائله ، كما قال ربنا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب 21]،  فالله شهد للمنهج بأنه كامل، كما شهد للقدوة بأنه قدوةٌ حسنة، فنحن بحاجة لنبيِّن للناس مظاهر الكمال في شخصية رسول الله ؛ لأن هذا جزءٌ من إظهار الكمال في الإسلام.

 

من المؤسف أن نتناول الكمال في شخصية رسول الله ، على أنه قائد انتصر في بدرٍ، والخندق، وغيرها من الغزوات فتصوير رسول الله ، على أنه بطل من أبطال المعارك لاشكّ ولا ريب أن هذا جانب من جوانب الكمال، والعظمة في شخصيته ، ولكن ليس هذا هو كل الكمال، بل الكمال يظهر أيضاً في كون رسول الله قدوة في جهاده، وأخلاقه التي ظهرت في معاركه، والكمال يظهر أيضاً في عبودية رسول الله لربه؛ وهو الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، والقدوة في شخص رسول الله تظهر أيضاً في تعامله مع الناس؛ فقد كان ألْيَنَ الناس، حتى إنه كانت تأتي الجارية الصغيرة فتأخذ بيده حيث شاءت ليقضي لها حاجتها، ويقف مع العجوز، ويداعب الأحفاد، ويرحم الصغير والأرحام، وكان يقول: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» [2] وغير ذلك كثير في جوانب الكمال والاقتداء بشخصية رسول الله .

 

      • مهمات:
  1. نحن لا نقبل أن يُحمَّلَ الإسلام أخطاء بعض أتباعه الذين يطبقونه خطأً؛ فنراهم يُلْصِقُون بهذا الدين أخطاءهم، ونقول لهؤلاء: الإسلام يمثله شخص رسول الله ، فهو الذي يمثِّلُ الإسلام الكامل، والتطبيق العملي له، ولكم بعد ذلك أن تعترضوا على الإسلام، لو استطعتم توجيه النقد لرسول الله ، فنحن نقول بالفم الملآن ما قاله ربنا:  ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ[الأحزاب 164]، إلى أن وصل الحال بالأمة ليقول الله فيها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران 110]، فانظر إلى البداية كيف كانت (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، وانظر إلى النهاية كيف صارت (خَيْرَ أُمَّةٍ)؛ لتعرف ما فعله الإسلام، وما هو المنهج الذي سار عليه رسول الله … إنه الإسلام.

  2. كثيرًا ما نقول: إن رسول الله  حيٌّ في سلوكنا، وهو شعارٌ لا ريب عظيم كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ[الحجرات 7]، ونحن في نفس الوقت لا نرضى أن يكون رسول الله حيٌّ في سلوكنا في جانب دون جانب، بل نريده أن يكون حياً في كل جوانب حياتنا.

لقد كان لرسول الله الدور البارز في قيادة حركة الإصلاح في المجتمع من الضلال المبين إلى خير أمة أخرجت للناس، وقد تمثل جهد رسول الله في قيادة تلك الحركة الإصلاحية في هذا المجتمع بأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، الذين رباهم على كمال الإسلام، ومَعِينِه الصافي؛ فكانوا خيرَ سَلَفٍ لخيرِ خَلَفٍ، فهم ثمرةٌ من ثمرات تربية القرآن على الرحمة، والغَيْرَة على حرمات الدين، والذود عن حياضه، بكل ما يملكون؛ ببذل النفيس، والخسيس في سبيله.

إن كمال الإسلام يجب أن يتكرر في أخلاقنا عِزًّا، وفخراً، وجِدَّاً، وأن يكون منهج إصلاحٍ لحياتنا العامة، والخاصة، وهذا ما نريده من هذه السلسلة أن يتحقق.

نريد أن تكون فكرة كمال الإسلام فكرة عقلية، لا شعاراً لفظياً، أن يكون فطرة تنبع من داخلنا قناعة ووعياً، وليست كلمات نرددها في مجالسنا، ونوادينا دون أن يكون لها أي صدىً في عقولنا، وأفكارنا، وأحاسيسنا ومشاعرنا.

يجب أن نعلن وعلى الملأ أن الإسلام كامل في جزئياته وكلياته، كاملٌ في عباداته وتعاملاته، كاملٌ إجمالاً وتفصيلاً؛ فهو الذي بنى الأمة أعظم بناء، وأوجد الفرد الكامل في أصغر جزئياته، فلم يستطع أحد أن يقف طاعناً في كمال هذا الدين، خلا المشوشين الحاقدين، الذين وقف الدين في وجه شهواتهم التي لا حدود لها، وأهوائهم التي لم تجلب للعالم إلا الخراب، والدمار.

عندما نقول: إن الإسلام كامل، فعندنا من الأدلة ما نؤيد صدق هذه الدعوى، وعندنا من الأدلة ما ندمغ به كل باطل يخالف هذه الحقيقة، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء 18]، وهذا ما سنثبته في المحاضرات القادمة بإذن الله تعالى.

 

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب، والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري، الصحيح: باب خبر المرأة الواحدة ح (6878). مسلم، الصحيح ح (3017).     

[1] ابن حبان، الصحيح: بَابٌ الْهَدْيُ – ح ( 4260 ). سنن ابن ماجة ح (1982).

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الثامنة والعشرون | د. محمود مصري



 

                  • الباب السادس: من أحكام الصيام

 

        •  2- بركة السحور

        • عن أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبيُّ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». متفق عليه. [1]

يدلّ الحديث الشريف على فضل السُّحور، وأهميَّته من جهة، وما يترتّب على ذلك الفضل من تعليل الأمر به والحثّ عليه من جهة أخرى، وذلك بكلمات موجزة وفَّت بغرض بيان الفضل والأهميّة من خلال ما يحمله لفظ «بَرَكَةً» من المعاني الغزيرة.

وقد سُمِّي سَحورًا؛ لأنه قرب السَّحَر، وذلك أن وقت السحَر هو آخر الليل قبيل الصبح، وهو الوقت الذي يقع فيه السحور. والسَّحور: اسم لما يُتَسَحَّر به. وقد ورد في رواية: السُّحور، بضمّ السين: مصدر بمعنى التَّسَحُّر.

كما كانوا يسمُّونه الغداء؛ لأنه بدل منه. وقد وردت التسمية من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه يَدْعُو رَجُلا إِلَى السَّحُورِ، فَقَالَ:«هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ». [2]

وفي الحديث الندب إلى تناول طعام السحور وهو أمرُ إرشاد.

– قال ابن المنذر: أجمع العلماء أنه مندوب إليه، ولا إثم على من تركه”. [3]

والبركة هي الخير الكثير الدائم.

– قال الشيخ نور الدين عتر حفظه الله: “وقد أطلقها الحديث، مما يجعلها صالحة للأمور الدنيوية وللأمور الأخروية”.

فمن الخيرات الدنيوية: زيادة النشاط، ومدافعة الضيق الناشئ عن الجوع الزائد، وقوّة البدن.

ومن الخيرات الأخروية: اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب فإنهم لا يتسحّرون، والتسبُّب في الذكر والدعاء وقت الإجابة، وتمرين النفس على التهجُّد والعبادة آخر الليل. [4]

وقد ورد أن رسول الله حضّ أمّته على السَّحور ليكون قوّةً لهم على صيامهم، فعن ابن عباس مرفوعًا: «استعينوا بطعام السَّحَر على صيام النهار، وبالقائلة على قيام الليل». [5]

 

ومن مظاهر هذه البركة ما ذكره ابن الملقّن رحمه الله، فقال: “ولا يبعُد أن يكون من جملة بركته ما يكون في ذلك الوقت من ذكر المتسحِّرين وقيام النائمين وصلاة المتهجِّدين، فإن الغالب ممن قام يتسحَّر يكون منه ذكر وصلاة واستغفار، وشبهه مما يثابر عليه في رمضان. وقال عبادة: كان السحور مستحبًّا ولو على ماء، وكان يُقال لها: أكلة بركة.” [6]

ثمّ إن سنّة السَّحور التي سنَّها لنا رسول الله هي من خصائص هذه الأمة، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» [7]. ويدلُّ الحديث على أن مخالفة اليهود والنصارى مطلب، في كلّ ما يمكن المخالفة فيه؛ لتتميّز شخصية المسلم، ويكون سلوكه الظاهر عنوانًا على توحيده الباطن الذي تفرّد به عمّن سواه من المنتسبين إلى الملل والنحل الأخرى.

 

ويحصل السَّحور بأقل ما يسمّى طعامًا أو شرابًا، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلاَ تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ». [8]

ومما سنّه لنا رسول الله تناول التمر على السحور، كما حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «نعم سحور المؤمن التمر». [9]

وكذلك فقد سنّ لنا رسول الله تأخير الفطور، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقول: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر». [10]

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يغتنم وقت السَّحَر فيما سنَّه لنا رسول الله ، امتثالًا لأمره، ليعود علينا بالبركة التي وعدَ رسول الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الصوم (بَابُ بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) 3/ 29، ومسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ وَتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ) 2/ 770.

[2] ابن خزيمة في الصوم (بَاب ذِكْر الدَّلِيلِ أَنَّ السَّحُورَ قَدْ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَدَاءِ) 2/ 932. وللحديث شاهد من حديث المقدام بن معدي كرب، وعائشة، وأبي الدرداء، وعمر بن الخطاب.

[3] التوضيح لابن الملقن 13/ 132.

[4] إعلام الأنام 2/ 406.

[5] أبو داود في الصوم (باب من سمَّى السَّحور الغداءَ)، وابن خزيمة في الصوم (بَاب الْأَمْرِ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَى الصَّوْمِ بِالسَّحُورِ) 2/ 905. والحاكم 1/ 588. وقال: زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ وَهْرَامٍ لَيْسَا بِالْمَتْرُوكَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا، لَكِنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُخَرِّجَا عَنْهُمَا وَهَذَا مِنْ غُرَرِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ. 

[6] التوضيح 13/ 143.

[7] مسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ وَتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ) 2/ 770.

[8] أحمد 4/ 1678. قال المنذري في الترغيب 2/ 90: إسناده قوي. 

[9] أبو داود في الصوم (بَابُ مَنْ سَمَّى السَّحُورَ الْغَدَاءَ) 2/ 302.

[10] أحمد 35/ 399. ويشهد له حديث ابن عباس: (إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نؤخر سحورنا). قال الهثيمي في “المجمع” 2/ 105: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

 

كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر | المقالة الثالثة | الشيخ عمر حجازي

 

 

 

        • العوامل المعينة على إحياء السنة النبوية، والتمسك بها

 

ويتناول هذا المقال المحور الثالث في هذا الموضوع، وهو: العوامل المعينة على إحياء السنة النبوية، والتمسك بها

 ويمكن أن نقسم العوامل التي تُعين على إحياء السنة النبوية في سلوك المسلمين، وتدفع إلى التمسك بها إلى قسمين:

أولاً: عوامل تتحقق في الداعي إلى تطبيق السنة والعمل بها. ثانياً: عوامل تتحقق في المادة المقدمة لمن يراد توجيه الدعوة إليه.

 

  • أولاً: العوامل اللازم تحققها في الداعي إلى التمسك بالسنة والعمل بها:

إن من أهم العوامل المساعدة على حسن تلقي المسلم لمنهج النبي وعمله به هو تحلي الداعي والعالم بصفات المعلم الحكيم، واتباعه بعض الأساليب التعليمية والتربوية التي تدفع المتعلم إلى قبول قوله، والمبادرة إلى العمل به، ومن هذه الصفات ما يأتي:

    1. العمل بما يدعو إليه:
      إن ما يتعلمه المسلم من شيخه وأبيه وأمه وأستاذه من فعله أكثر مما يتعلمه من قوله، فتراه يقول إذا سألته، لماذا تفعل كذا؟ إني رأيت أبي أمي… يفعلانه، لذلك كان هذا الأسلوب هو أبرز وأعظم أساليبه في التعليم، وهذا نموذج من ذلك:
      «أتانا رسول الله في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب [1]، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال، أيكم يحب أن يُعرض الله عنه؟! قال: فخشعنا، ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟! قلنا: لا، أينا يا رسول الله [2]؟ قال: فإن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تبارك وتعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت له بادرة [3]، فليقل بثوبه هكذا، ثم طوى ثوبه بعضه على بعض، ثم قال، أروني عبيراً، فقام فتى من الحيّ يشتد إلى أهله، فجاء بخَلوق في راحته، فأخذه رسول الله ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطّخ به على أثر النخامة». [4]
      فانظر كيف بدأ النبي بالفعل بنفسه قبل أن يأمر به غيره، وانظر إلى إتقان العمل وإتمامه، حيث طلب النبي طِيْباً، فطيّب به مكان النخامة.

    2. الحكمة والموعظة الحسنة في نقل السنة وبيانها:
      قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: 125].
      إن من الأسباب الداعية إلى إحياء العمل بالسنة النبوية عند جموع المسلمين هو الاهتمام بطريقة عرض سنة النبي ومنهجه، فيجب أن يكون الداعي حكيماً في اختيار الأسلوب الذي يدعو به، منوعاً بين الأساليب، بحسب حال من يدعوه، كما كان يفعل النبي ، ومن أمثلة ذلك:
      عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي ، ونحن فتيان حَزاورة [5]، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً [6]» [7].
      وهذا تدرج في التعليم مراعاة لحال من يعلمه.

  • ثانياً: عوامل تتحقق في المادة المقدمة لمن يراد توجيه الدعوة إليه:

من أهم عوامل نجاح الدعوة إلى سنة النبي حسن المحتوى الذي يقدم، وملاءمته لسن وفهم ومستوى من يقدم له، واشتماله على بعض العناصر التي تساعد على حسن تلقيه وقبوله، ومن هذه الأمور الآتي:

1. بيان فوائد بعض السنن النبوية:

إن مما فطر عليه الإنسان البحث عما ينفعه والتعلق به، والبعد عما يضره، وقد جاءت السنة النبوية مسايرة لهذه الفطرة، ساعية إلى تحقيقها من جميع الجوانب، نذكر منها الجانب الصحي، والجانب الاقتصادي.

أ – الجانب الصحي

دعت السنة النبوية إلى الحفاظ على الصحة بمفهومها العام الشامل للصحة الجسدية والنفسية والروحية، وجعلتها من مقومات الدين وضروراته، ومما جاء في ذلك في الجوانب المذكورة:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [8].

عن أبي هريرة رضي الله عنه، «أن رجلاً قال للنبي : أوصني، قال: لا تغضب. فردد مراراً، قال: لا تغضب». [9]

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان «أن النبي يعوذ الحسن والحسين، ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة».[10]

ب – الجانب الاقتصادي:

سعى المنهج النبوي إلى الحفاظ على أموال الناس وحمايتها من الضياع، واستغلال مالكها، فحرّم الإسلام الربا؛ لضرره العظيم بتماسك المجتمع المسلم، وحرّم الغش؛ حماية لأموال الناس وحقوقهم، وغير ذلك من الإجراءات التي اتخذها الإسلام للحفاظ على مال المسلم وحمايته.

2. التركيز على المشترك، وترك محل الخلاف:

إن ما يجعل الشاب في حالة اضطراب هو كثرة الخلافات في بعض القضايا الإسلامية الأساسية، فيعرض عن هذا كله، ويتبع ما يظن أنه أثبت جدارته في أرض الواقع، وهو منهج الغرب وطريقة حياته، ودور الداعي هنا أن يوازن بين حكمة الداعي وحكم الفقيه، فيتخير من أحكام الفقهاء ما يخدم هدف جذب الشباب إلى سلوك منهج النبي .

ولو أخذنا مثالاً صلاة الجماعة، فإن من حكمة الداعي أن يبتعد عن الخلاف الفقهي في تحقق الجماعة بالواحد، وبأدائها في البيت، ويركز على الفوائد التي يحصلها المسلم من مجيئه إلى المسجد، من لقاء المسلمين، والتعرف عليهم، وتعلم ما لا يعلمه، إلى غير ذلك من الفوائد.

 

هذه من أهم العوامل التي تساعد في إحياء السنة النبوية، وبذلك ننهي الكلام عن هذا المحور، وبه ينتهي المقال الثالث.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رجل من أهل المدينة، ينسب إليه نوع من تمرها. والعرجون: العود الأصفر العريض الخالي من الرطب إذا يبس واعوج. أبو غدة، عبد الفتاح، الرسول المعلم، مع بعض تغيير واختصار، ص68.

[2] يعني لا أحد منا يحب ذلك يا رسول الله.

[3] أي غلبته بصقة أو نخامة بدرت منه.

[4] صحيح مسلم، باب حديث جابر الطويل (3008). سنن أبي داود، باب في كراهية البزاق في المسجد (485).

[5] جمع (حَزْور)، وهو من قارب البلوغ. الرسول المعلم، ص77، ت (2).

[6] المصدر السابق، ص77.

[7] سنن ابن ماجه (باب في الإيمان) (61).

[8] أخرجه البخاري، باب: لا عيش إلا عيش الآخرة (6412).

[9] أخرجه البخاري، باب: الحذر من الغضب (6116).

[10] أخرجه البخاري (3371).