بسم الله الرحمن الرحيم

الباب السابع: متعلَّقات رمضان

 أفضل الصيام بعد رمضان 

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ “.متفق عليه.

هذا الحديث الشريف ينبِّه المسلم إلى أهمية عبادة الصوم، وأنها ينبغي ألا أن تقتصر على الصيام المفروض، وعلى كلِّ مسلم أن يكون له حظٌّ من هذه العبادة كلَّما سنحت له الفرصة. ومن هنا قال العلماء بأنه يستحبُّ أن لا يخليَ المؤمن شهرًا من صيام.

ورافق هذا التوجيه العام توجيه خاصٌّ للاستكثار من الصوم في شهر شعبان. وقد فسَّر لنا النبي ﷺ خصوصية هذا الشهر المبارك بقوله: (شهر ترفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، وأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم).

وهذا الحديث صريح في أن رسول الله ﷺ لم يستكمل صيام شهر سوى رمضان، أي كان يصوم أكثر شهر شعبان وليس كلَّه؛ غير أن بعض الأحاديث ربَّما أشارت إلى أنه ﷺ كان يصومه كلَّه، كما ورد في رواية الترمذي: (كان يصومه إلا قليلا؛ بل كان يصومه كلَّه)، وهذا يحمل على المبالغة، فلا يخالف الحديث المذكور.

قول عائشة رضي الله عنها: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ)، يبين أنه لم يخصَّ شيئًا من الزمان، إنما كان يوقع العبادة على قدر نشاطه وفراغه من جهاده وأسفاره، فيقل مرَّة ويكثر أخرى.

يقول الإمام النووي رضي الله عنه: “فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُخَلِّيَ شَهْرًا مِنْ صِيَام،ٍ وَفِيهَا أَنَّ صَوْمَ النَّفْلِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ؛ بَلْ كُلِّ السَّنَةِ صَالِحَةٍ لَهُ إِلَّا رَمَضَانَ وَالْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ، وَقَوْلُهَا كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا، الثَّانِي تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَبَيَان أَنَّ قَوْلَهَا كُلَّهُ أَيْ غَالِبَهُ، وَقِيلَ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ وَيَصُومُ بَعْضَهُ فِي سَنَةٍ أُخْرَى، وَقِيلَ كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ وَتَارَةً بَيْنَهُمَا وَمَا يُخَلِّي مِنْهُ شَيْئًا بِلَا صِيَامٍ لَكِنْ فِي سِنِينَ.

وعن السيدة عائشة أيضًا: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ، عليه السلام، يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) الحديث. قال المهلَّب: فيه من الفقه أن أعمال التطوُّع ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها، وقد روي في بعض الحديث أن هذا الصيام الذي كان يصوم في شعبان كان لأنه عليه السلام يلتزم صوم ثلاثة أيام من كلِّ شهر كما قال لعبد الله بن عمرو، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فذلك صيام الدهر فكان يلتزم ذلك، فربما شُغل عن الصيام أشهرًا فيجمع ذلك كلَّه في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض، وفيه وجه آخر.. سئل رسول الله أيُّ الصوم أفضل؟ قال: (صوم شعبان تعظيمًا لرمضان).

يقول الشيخ نور الدين عتر حفظه الله بأن الصوم من شعبان وشوال هو بمنزلة السنَّة القبلية والبعدية للفريضة، ومنعُ صوم يوم الشكِّ والفطر سدًّا لذريعة الزيادة على فريضة الصيام ما ليس منها، فجاءت السنَّة على غاية الإحكام. نسأل الله تعالى أن يرزقنا اتباعها، ويخلِّقنا بأخلاق صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام.

المصادر والمراجع

  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام، لنور الدين عتر، دار الفرفور، 2007م.
  • التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد، ت دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1/ 1422هـ.
  • سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، ت أحمد محمد شاكر وآخرون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1395هـ/ 1975م.
  • شرح صحيح البخاري، لابن بطال أبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك، ت أبي تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، ط2، 1423هـ/ 2003م.
  • المجتبى من السنن أو السنن الصغرى للنسائي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني النسائي، ت عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ.

______________________________________________

[1]  البخاري في الصوم (صوم شعبان) 3/ 38، ومسلم في الصيام (بَابُ صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَاسْتِحْبَابِ أَنْ لَا يُخْلِيَ شَهْرًا عَنْ صَوْمٍ) 2/ 815.

[2]  النسائي في الصيام (صوم النبي صلى الله عليه وسلم) 4/ 201.

[3]  الترمذي أبواب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما جاء في وصال شعبان برمضان) 3/ 105.

[4]  التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن 29/ 487.

[5]  المنهاج للنووي 8/ 37.

[6]  شرح صحيح البخاري لابن بطال 4/ 115.

[7]  إعلام الأنام 2/ 437.