بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثالث: اغتنام رمضان

موسم المغفرة

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلَّم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). متفق عليه.

 هذا الحديث الشريف يبيِّن لنا فرصة عظيمة واسعةً للمغفرة يجب على المسلم اغتنامها، فلا يخرج من شهر رمضان إلا وقد غفِرت له ذنوبه؛ وإلا كان من الخاسرين. والمغفرة: الستر والتغطية. ومغفرة الله لعبده: إلباسه إِيَّاه الْعَفو، وستره ذنُوبه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (رغِم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغِم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له، ورغِم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة). قولهم: “رغِم أنف فلان” كنايةٌ عن غاية الذلِّ والهوان. وما ذلك إلا أنه ضيَّع فرصة عظيمة، فبين ابتداء رمضان وانقضائه مهلة طويلة لا يضيِّعها -على طولها- إلا من وقع في غفلة شديدة.

قال المـُناوي رحمه الله: “أي رغم أنف من علم أنه لو كفَّ نفسه عن الشهوات شهرًا في كلِّ سنة، وأتى بما وظِّف له فيه من صيام وقيام غفِر له ما سلف من الذنوب.”

قال الأمير الصنعاني رحمه الله: “فإنه لشهر تغفَر فيه الخطيئات، وتضاعَف فيه الطاعات، فما ينسلخ إلا وقد غفر الله لمن أقبل على طاعته وتجاوز عن سيئاته، فمن لم يغفَر له فقد أُتيَ من قبل نفسه، ولا يهلك على الله إلا هالك، وصار حقيقًا بالدعاء بأن يرغم الله أنفه؛ لتفريطه في جنب الله، وإقباله على خلاف مراضيه.”

قال الطيبي رحمه الله في قوله ﷺ: (ثم انسلخ قبل أن يُغفر له): “(ثمَّ) هذه استبعادية، كما في قولك لصاحبك تأنيبًا له: بئس ما فعلت، وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها.”

وأما عن كيفية عدم انتهاز هذه الفرصة العظيمة، فقد قال في مرقاة المفاتيح: “أَيْ: بِأَنَّ لَمْ يَتُبْ فِيه،ِ أَوْ لَمْ يُعَظِّمْهُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الطَّاعَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ، أَوْ لِسُوءِ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنْ رِيَاءٍ وَنَحْوِهِ أَبْطَلَ عَمَلَهُ الْمُقْتَضِيَ لِلْمَغْفِرَةِ.. وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ قَبْلَ انْسِلَاخِهِ.”

وحديث الباب يبِّن أن الصيام الموعود بالمغفرة عليه ينبغي أن يكون على جهةٍ مخصوصة، وهي أنه يصومه (إيمانًا واحتسابًا). فعلى الصائم الاعتقاد بحقيقة فرضية صوم هذا الشهر، لا الخوف والاستحياء من الناس من غير اعتقاد بتعظيم هذا الشهر. قال ابن الملقِّن رحمه الله: “ومعنى: “إِيمَانًا”: تصديقًا بالثواب من الله تعالى على صيامه وقيامه، ومعنى: “احْتِسَابًا”: يحتسب ثوابه عَلَى الله تعالى، وينوي بصيامه وجهه، ولا يتبرَّم بزمانه حرًّا وطولًا. والحديث دالٌّ عَلَى أن الأعمال لا تزكو ولا تتقبَّل إلا مع الاحتساب وصدق النيات، كما قَالَ ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات).”

وقال الخطّابي: “احْتِسَابًا أَيْ عَزِيمَةً، وَهُوَ أَنْ يَصُومَهُ عَلَى مَعْنَى الرَّغْبَةِ فِي ثَوَابِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ بِذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَثْقِلٍ لِصِيَامِهِ وَلَا مُسْتَطِيلٍ لِأَيَّامِهِ.”

فَإِن قيل: كل من اللَّفْظَيْنِ وهما: إِيمَانًا واحتسابا، يُغني عَن الآخر، إِذْ الْمُؤمن لَا يكون إلاَّ محتسبًا، والمحتسب لَا يكون إلاَّ مُؤمنا، فَهَل لغير التَّأْكِيد فِيهِ فَائِدَة أم لَا؟ الْجَواب: الْمُصدّق لشَيْء رُبمَا لَا يَفْعَله مخلصًا؛ بل للرياء وَنَحْوه، والمخلص فِي الْفِعْل رُبمَا لَا يكون مُصدقًا بثوابه وبكونه طَاعَةً مَأْمُورا بِهِ سَببًا للمغفرة وَنَحْوه، أَو الْفَائِدَة هُوَ التَّأْكِيد، ونعمت الْفَائِدَة. وَفِي حَدِيث عمر، رَضِي الله عَنهُ: “يَا أَيهَا النَّاس، احتسبوا أَعمالكُم، فَإِن من احتسب عمله كتِب لَهُ أجر عمله وَأجر حسبته”.

وفي رواية: “(من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر). فما تقدَّم بتكفيره حقيقةً، وما تأخر بالعصمة عن ارتكابه، وأطلق عليه المغفرة تغليبًا.” وأجيبَ عن ذلك أيضًا بأن معناه: إن ذنوبهم تقع مغفورة. وقيل هو كناية عن حفظ الله إياهم في المستقبل من الكبائر.

نسأل الله تعالى أن يلبسنا جلابيب الحفظ، وأن يغفر لنا ما تقدَّم من ذنوبنا وما تأخَّر في هذا الشهر الكريم، إنه سميع قريب مجيب.

 المصادر والمراجع

  • التَّنويرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، ت محمَّد إسحاق محمَّد إبراهيم، مكتبة دار السلام، الرياض، ط1، 1432هـ/ 2011م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة، ت لأحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1395هـ/ 1975م.
  • عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لأبي محمد محمود بن أحمد بدر الدين العيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
  • فيض القدير شرح الجامع الصغير، لزين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، 1356هـ.
  • الكاشف عن حقائق السنن (شرح الطيبي على مشكاة المصابيح)، لشرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، ت عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة – الرياض، ط1، 1417هـ/ 1997م.
  • مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لأبي الحسن عبيد الله بن محمد المباركفوري، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء، الجامعة السلفية بنارس، الهند، ط3، 1404هـ/ 1984م.
  • مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا القاري، دار الفكر، بيروت، ط1، 1422هـ/ 2002م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

__________________________

[1]  البخاري في الإيمان (بَابٌ صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ) 1/ 16، ومسلم في الصيام (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَهُوَ التَّرَاوِيحُ) 1/ 523.

[2]  الترمذي في (أَبْوَابُ الدَّعَوَاتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) 5/ 550. وقال: حسن غريب من هذا الوجه.

[3]  فيض القدير 4/ 34.

[4]  التنوير شرح الجامع الصغير 6/ 359.

[5]  الكاشف عن حقائق السنن 3/ 1044.

[6]  مرقاة المفاتيح لملا علي القاري 2/ 745.

[7]  التوضيح لشرح الجامع الصحيح 13/ 72.

[8]  فتح الباري 4/ 115.

[9]  عمدة القاري 1/ 312، 334.

[10]  التنوير شرح الجامع الصغير 10/ 375.

[11]  مرعاة المفاتيح 6/ 405.