بسم الله الرحمن الرحيم

الباب السابع: متعلَّقات رمضان

 اتباع رمضان بصيام ست من شوال

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أنه حدَّثه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ). مسلم.

الحديث واضح الدلالة على سنيَّة صيام ستٍّ من شوَّال، وعلى الفضل العظيم لصوم هذه الأيام، حتى لكأن صاحبها قد صام الدهر كلَّه. 

وقد اتفق العلماء على سنيَّة صيامها، غير أنه نقل عن بعض المتقدِّمين كراهية ذلك؛ خشية أن يُلحق برمضان ما ليس منه، كما ورد عن أبي حنيفة وفي الموطأ. وعليه ذكر الشيخ نور الدين عتر أنه إذا أمِن المحذور يُستحبُّ صيامها، وذلك بالبيان العام للناس، وبالفصل بينها وبين رمضان بإفطار يوم العيد، لذلك قال متأخرو الحنفية باستحباب صيامها، وكان مالك يصومها بنفسه.

وقال ابن الهمام: صوم ستٍّ من شوال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته، وعامة المشائخ لم يروا به بأسًا.. وجه الكراهة أنه قد يفضي إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة.

قال الإمام النووي رحمه الله: “إِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ لَا تُتْرَكُ لِتَرْكِ بَعْضِ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ أَوْ كُلِّهِمْ لَهَا، وَقَوْلُهُمْ قَدْ يُظَنُّ وُجُوبُهَا يُنْتَقَضُ بِصَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ”. وَقَدْ جَوَّزَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ بِالْكَرَاهَةِ لِعَدَمِ بُلُوغِ الْحَدِيثِ.

أما قوله ﷺ: (كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) فقد فسَّرته رواية النسائي في السنن الكبرى، فعن ثوبان رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: (صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة بشهرين، فذلك صيام سنة)، لأن الحسنة بعشرة أمثالها، كما هو معلوم.

قال صاحب المرقاة: “وَفِي الْحَدِيثِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ الْمَحْمُودَ إِنَّمَا هُوَ إِذَا أَفْطَرَ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا وَإِلَّا فَمَذْمُومٌ حَرَامٌ”.

وقوله: (ثُمَّ أَتْبَعَهُ): يشير إلى أفضلية صيام هذه الأيام الستَّة متواليةً عقب يوم عيد الفطر، وهذا أخفُّ على النفس، غير أنه لا يشترط ذلك؛ لأنه لو صامها متفرِّقة صدق عليه أنه أتبعه ستًّا من شوَّال. و (ثمَّ) كما هو معلوم تفيد التراخي.

ولعل السر في مشروعيتها أنها بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة تجبر ما وقع فيها من عدم الكمال، فكذلك صيام ستة أيام من شوال يجبر ما وقع في رمضان من الخلل.

نسأل الله تعالى العون على صيام رمضان، وأن يوفقنا لإتباعه بصيام ستٍّ من شوال، إنه سميع قريب مجيب.

المصادر والمراجع

  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام، لنور الدين عتر، دار الفرفور، 2007م.
  • حاشية السندي على سنن ابن ماجه = كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه، لمحمد بن عبد الهادي التتوي، أبو الحسن، نور الدين السندي، دار الجيل، بيروت.
  • مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لأبي الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني المباركفوري، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء، الجامعة السلفية، بنارس الهند، ط3، 1404هـ، 1984م. 
  • مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط1، 1422هـ/ 2002م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ.
  • المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود، لمحمود محمد خطاب السبكي، ت أمين محمود محمد خطاب، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ط1، 1351/ 1353هـ.
  • الْمُوَطَّأ، لمالك بْنِ أَنَسٍ الأَصْبَحِيِّ، ت بشار معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت. 

__________________________________________________

[1]  مسلم في الصيام (بَابُ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ إِتْبَاعًا لِرَمَضَانَ) 2/ 882.

[2]  الموطأ في جامع الصيام (آخر كتاب الصيام)، 1/ 228.

[3]  إعلام الأنام لعتر 2/ 435.

[4]  مرعاة المفاتيح 7/ 64.

[5]  المنهاج للنووي 8/ 56.

[6]  حاشية السندي على سنن ابن ماجه 1/524.

[7]  مرقاة المفاتيح 4/ 1416.

[8]  المنهل العذب المورود 10/ 190.