بسم الله الرحمن الرحيم

الباب السابع: متعلَّقات رمضان

 الصيام عن الغير

عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، قال: (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ). متفق عليه.

ظاهر هذا الحديث الشريف يدلُّ على أن أيَّ مكلَّف إذا مات وفي ذمَّته صيامٌ وجب أن يصوم عنه وليُّه، وأنَّ هذا يكون قضاء عن صيامه. وذلك أنَّ التعبير جاء بصيغة تدلُّ على العموم، وهي (مَن)، والمقصود بصيغة الخبر (صام عنه وليه) الإنشاء، أي الأمر، أي فليصُم عنه وليُّه.

وقد ذكر إمام الحرمين الإجماع على أن الأمر هنا ليس للوجوب، بالرغم من أن الظاهرية اعتبروه للوجوب، ذلك أن خلاف الظاهرية لا يعتدُّ به في خرق الإجماع. غير أنه قد أخذ بظاهر الحديث جماعة من المحدِّثين، مثل أبي ثور، واستدلُّوا بحديث ابن عباس في الصحيحين: “أرأيتِ لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدِّي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك. وفي رواية: فدين الله أحقُّ أن يُقضى. فألحق الصيام بالدَّين، فشمل كلَّ صيام واجب. قال شيخنا نور الدين عتر: لكنه يدلُّ على أن القضاء ليس واجبًا، لأنه لا يجب على الولي قضاء دين الميِّت المالي من غير تركة الميِّت.

وقال باستحباب قضاء الصوم عن الميِّت في النَّذر الإمام أحمد والليث ابن سعد، حيث حملوا حديث عائشة على حديث ابن عباس، حملا للعام على الخاص، أما صوم رمضان فقالوا: يطعم عنه، كما يفي عنه الدَّين. لكن اعتُرض على ذلك بأن حديث عائشة يقرِّر قاعدة عامة، وحديث ابن عباس صورة فعلية تدخل تحته، وليس بينهما تعارض، فلا معنى للتخصيص.

وقال بأن الصيام عن الميِّت لا يجزئ الحنفيةُ والمالكيةُ والشافعيةُ وأكثر الفقهاء؛ لأن الصوم عبادة بدنية محضة لا تدخلها النيابة، إنما يطعم عن كلِّ يوم نصف صاع من تمر أو شعير. وأجابوا عن الحديث أن معنى (صام عنه وليه) فعل ما يقوم مقام الصوم، وهو الإطعام. وأن ولي الميِّت لما عمل العمل لنفسه، وصيَّره للميِّت انتفع الميِّت بثوابه، ويؤيِّد ذلك أنه شبَّهه بقضاء الدَّين، الذي يقضيه الإنسان عن غيره من مالٍ حصَّله لنفسه.

قال صاحب إكمال المُعلم: “وأجمعوا بغير خلاف أنه لا يصلى أحدٌ عن أحدٍ في حياته ولا موته، وأجمعوا أنه لا يصوم أحد عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في ذلك بعد موته.. وإذا تعارضت الأحاديث رجع إلى قوله تعالى: ﴿وأنْ ليسَ للإنسانِ إلَّا ما سَعى﴾.

قال شيخنا نور الدين: ولا يخفى أن دلالة الأحاديث متَّجهة مع مشروعية قضاء الولي عنه، كما قرَّر النووي رحمه الله.

قال النووي رحمه الله: “وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: أَشْهَرُهُمَا لَا يُصَامُ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَيِّتٍ صَوْمٌ أَصْلًا، وَالثَّانِي يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْهُ وَيَبْرَأُ بِهِ الْمَيِّت،ُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِطْعَامٍ عَنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ مُحَقِّقُو أَصْحَابِنَا الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ؛ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْوَارِدُ (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ أُطْعِمَ عَنْهُ) فَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلَوْ ثَبَتَ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.

وجاء صاحب فيض الباري بجمع حسن بين الآثار الواردة في قضاء الصوم عن الميِّت وعدمه، فقال: أمَّا الجوابُ عندي، فلا أقولُ: إن المرادَ من الصَّومِ هو الإِطعام، وإنما عبَّر بالصوم مشاكلةً؛ بل أقولُ: إنه ينبغي أن يُصَامَ عنه إثابةً، ويُطْعَم مكان كل يومٍ مسكينًا أيضًا، قضاءً ممَّا عليه.

فالحاصل: أن الحديثَ محمولٌ على الإِثابة دون النِيَابة، والتعبيرُ المذكورُ يُصْلحُ لهما بدون تأويلٍ، لأنهما نِيَّتان. أي قد يكونُ الصومُ عن أحدٍ بنيَّة الإِثابة، وقد يكون بنية النِيَابة، ولا يَتَلَفَّظُ بها أصلا، فَيُقَال في الإِثابة أيضًا: صَامَ عنه، كما يُقَال في النِيَابة بدون فرقٍ. أمَّا حديثُ: (لا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ)، فهو محمولٌ على النِيَابة، فلا تنافي بين الحديثين. وبعبارةٍ أخرى: إن الإِثابةَ والنِيَابةَ من أنظار الفقهاء، وليست مما يَدُلُّ عليه اللفظ بمدلوله اللُّغَوِيِّ؛ بل هي أمرٌ وراء الهيئة التركيبية تُفْهَمُ عنها، ولا تكون مدلولةً وضعًا.

نسأل الله تعالى أن يتقبل منَّا عملنا، وأن يثيبنا على ما نقضيه عن غيرنا مع القبول، إنه أكرم مسؤول، وما ذلك على الله بعزيز.

المصادر والمراجع

  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام، لنور الدين عتر، دار الفرفور، 2007م.
  • إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، لعياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، ت يحْيَى إِسْمَاعِيل، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، ط1، 1419هـ/ 1998م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1/ 1422هـ.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر أبي الفضل العسقلاني، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
  • فيض الباري على صحيح البخاري، لمحمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري ت محمد بدر عالم الميرتهي، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 1426هـ/ 2005م.
  • المحلى بالآثار، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، دار الفكر، بيروت.
  • المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ.

________________________________________________

[1]  البخاري في الصوم (باب من مات وعليه صوم) 3/ 35، ومسلم في الصيام (بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ) 2/ 803.

[2]  انظر المحلَّى 7/ 2 وما بعد.

[3]  إعلام الأنام 2/ 431.

[4]  انظر فتح الباري 4/ 139.

[5]  إكمال المعلم 4/ 104.

[6]  إعلام الأنام 2/ 432.

[7]  انظر المنهاج 8/ 25.

[8]  فيض الباري على صحيح البخاري للكشميري 3/ 355.