بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الخامس: العبادة في رمضان

 الاعتكاف في رمضان

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: “كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا”. البخاري.

هذا الحديث الشريف يبيِّن لنا لونًا آخر من ألوان العبادة التي سنَّها لنا رسول الله ﷺ في رمضان، كما أنه يوجِّه المتبَّع له ﷺ إلى الاستكثار من هذه العبادة خصوصًا، ومن كلِّ عبادة عمومًا، إذا تقدَّمت به السنُّ.

قال ابن الملقِّن رحمه الله: “إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض من أجل أنه علم بانقضاء أجله، فأراد استكثار عمل الخير، ليسنَّ لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر، ليلقوا الله على خير أحوالهم”. وَقِيلَ: السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مَرَّةً فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَارَضَهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ فَلِذَلِكَ اعْتَكَفَ قَدْرَ مَا كَانَ يَعْتَكِفُ مَرَّتَيْنِ.”

وقوله: “كان يعتكف في كلِّ رمضان” فيه: دلالة على أن الاعتكاف من السنن المؤكَّدة، لمواظبة الشارع ﷺ عليها، فعلى المسلم الاقتداء برسوله ﷺ في إحياء هذه السنَّة. وقالت الحنفية: الاعتكاف سنَّة كفاية، أي إذا تركها أهل بلدة كانوا مسيئين.

ذُكِر عن ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وأن رسول الله ﷺ لم يتركه منذ دخل المدينة، كلَّ عام في العشر الأواخر حَتَّى قبضه الله.

والاعتكاف هو الإقامة في مسجد الجماعة بقصد الطاعة. قال ابن المنذر: روينا عن عطاء الخراساني أنه كان يقال: مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربه، ثم قال: ربي لا أبرح حَتَّى تغفر لي، ربي لا أبرح حَتَى ترحمني.

ولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لأمر اضطراري لابدَّ منه، كأن يكون ليس عنده من يأتيه بالطعام والشراب، فيخرج ليأكل ويشرب. قالت عائشة رضي الله عنها: “السُّنة للمعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جَنازة، ولا يَمسَّ امرأة، ولا يباشِرهَا، ولا يخرُجَ إلا لمِا لا بدَّ له منه، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع.”

ويبدأ بالاعتكاف –كما قال الأئمة الأربعة- قبل غروب الشمس، أما حديث “كان النبي ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر ثم دخل معتكَفه” فأوَّلوه بأنَّه تخلَّى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك الوقت هو وقت ابتداء الاعتكاف؛ بل كان من قبل المغرب معتكفًا لابثًا في المسجد، فلما صلَّى الصبح انفرد.

والمساجد في الفضيلة سواء، في الاعتكاف وغيره من العبادات، ولا ميزة لواحد على غيره إلا ما خصَّه النبي ﷺ بقوله: (لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى). فالسفر لواحد من هذه المساجد للاعتكاف فيه زيادة فضل.

أما السفر لغير هذه المساجد فإنه يأخذ حكم الغرض الذي يسافَر لأجله، سواء كان السفر لمسجد أو لغيره. ويدلُّ على ذلك رواية: (لا تشَدُّ الرحال إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد)، فالمستثنى من جنس المستثنى منه، وليس المستثنى منه عام، وكذلك يرجِّحه استحباب السفر لطلب العلم أو زيارة مريض أو صلة رحم، وكذلك إباحة السفر للنزهة.

قوله: “فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا”: الظاهر من إطلاق العشرين إنها متوالية، والعشر الأخير منها، فيلزم منه دخول العشر الأوسط فيها، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يختُّص بالعشر الأخير، وإن كان هو فيه أفضل.”

ويُستحبُّ للمعتكف الانقطاع إلى الذكر والتعبُّد وتجنُّب مخالطة الناس، فقد ورد أن النبي ﷺ “كان يحتجر حصيرًا يتخلَّى فيها عن الناس، فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم، ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحبُّ له مخالطة الناس، حتى ولا لتعلُّم علم وإقراء قرآن؛ بل الأفضل له الانفراد بنفسه، والتخلِّي بمناجاة ربِّه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلا يترك به الجمع والجماعات.. فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كلَّ شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربِّه وما يقربه منه، فما بقي له همٌّ سوى الله وما يرضيه عنه، كما كان داود الطائي يقول في ليله: همُّك عطَّل على الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذَّات، وحال بيني وبين الشهوات..

فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلَّما قويت المعرفة بالله والمحبَّة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كلِّ حال، كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليا بربِّه فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.

أوحشتني خلواتي                بك من كلِّ أنيسي

وتفرَّدت فعاينتك                بالغيب جليسي”

نسأل الله تعالى أن يوفِّقنا لإحياء سنَّة الاعتكاف، وأن يجعلنا ممَّن يلازم الطاعات في الخلوات والجلوات، منه الهداية وعليه التكلان.

المصادر والمراجع

  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام من أحاديث الأحكام، لنور الدين عتر، دار اليمامة، ط2، 2010.
  • التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقّن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي، ت دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق السِّجِسْتاني، ت محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت.
  • لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار ابن حزم، ط1، 1424هـ/ 2004م.
  • مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لأبي الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام المباركفوري، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء، الجامعة السلفية بنارس، الهند، ط3، 1404هـ/ 1984م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ.

________________________________________

[1]  البخاري في الاعتكاف (بَابُ الِاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ) 3/ 51.

[2]  التوضيح 13/ 667.

[3]  فتح الباري لابن حجر 4/ 285.

[4]  المصدر السابق.

[5]  المصدر السابق 13/ 668.

[6]  أبو داود 2/ 333.

[7]  انظر المنهاج 8/ 69.

[8]  البخاري في صلاة التطوّع (مسجد بيت المقدس) 2/ 60، ومسلم في الحج (سفر المرأة مع محرَم..) 2/ 1014.

[9]  إعلام الأنام لعتر 2/ 460.

[10]  مرعاة المفاتيح 7/ 149.

[11]  لطائف المعارف لابن رجب 191.