بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثامن: الصوم في غير رمضان

 الصوم علاج

عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى، فَقَالَ: “يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَخَلَوَا، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا، تُذَكِّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى هَذَا أَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا عَلْقَمَةُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْه،ِ وَهُوَ يَقُولُ: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّج؛ فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ). متفق عليه.

لا يخفى ما في الحديث الشريف من حثٍّ للشباب على الزواج، وألا يتردَّد مَن يجد أسبابه من الشباب، وإلا ففي حال تعذُّر ذلك فإن الحديث يوجِّه إلى الصوم. لذلك ترجم له الإمام البخاري رحمه الله بقوله: “باب من لم يستطع الباءة فليصم”.

قوله ﷺ: (يا معشر الشباب): المعشر هم الطائفة الذين يشملهم وصف، كالشباب والشيخوخة والبنوة، والشباب جمع شاب، وهو من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة. وَإِخْرَاجُ الْحَدِيثِ لِمُخَاطَبَةِ الشَّبَابِ: بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ قُوَّةِ الدَّاعِي إلَى النِّكَاحِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، بِخِلَافِ الشُّيُوخِ، وَالْمَعْنَى مُعْتَبَرٌ إذَا وُجِدَ فِي الْكُهُولِ وَالشُّيُوخِ أَيْضًا.

و(الباءة) هي الجماع، والمقصود: من استطاع منكم أسباب الجماع ومؤنته فليتزوج.

و (الوِجاء): رضُّ الخصيتين، أي الصوم يقطع الشهوة، كما يفعل الوجاء، وكان من الظاهر أن يقول: ومن لم يستطع فعليه بالجوع، وقلَّة ما يزيد في الشهوة، فعدل إلى الصوم إدماجًا لمعنى عبادة هي برأسها مطلوبة، وليؤذن أن المطلوب من نفس الصوم الجوع وكسر الشهوة.

قال العلامة القاري: (وِجَاءٌ) أَيْ قَاطِعٌ لِلشَّهْوَةِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ سَلَامَةِ النَّفْسِ مِنَ التَّعْذِيبِ وَقَطْعِ النَّسْلِ، وَمِنْ حُصُولِ الثَّوَابِ بِالصِّيَامِ الْمُقْتَضِي لِرِيَاضَةِ النَّفْسِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى طَاعَتِهَا لِأَمْرِ مَوْلَاهَا.

ذهب جماعة الفقهاء إلى أن النكاح مندوب إليه مندوبٌ مرغَّب فيه، وذهب أهل الظاهر إلى أنه فرض على الرجل والمرأة، واحتجوا بظاهر هذا الحديث، قالوا: ولكنَّه أمر لخاص من الناس، وهم الخائفون على أنفسهم العنت بتركهم النكاح، فأما من لم يخف العنت، فهو غير مراد بالحديث. قالوا: وقد بين صحَّة قولنا إخباره عَلَيْهِ السَّلام عن السبب الذى من أجله أمر الذى يستطيع الباءة بالنكاح، وذلك قوله: (فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج)، فمن قدر على غضِّ بصره عن المحارم، وتحصين فرجه فغير فرض عليه النكاح، ومن كان غير قادر على ذلك وخشى مواقعة الحرام، فالنكاح فرض عليه لأمر النبيِّ، عَلَيْهِ السَّلام، إياه به. واحتجَّ أهل المقالة الأولى بقوله ﷺ: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) فيه حجَّة على أن النكاح ليس بواجب؛ لأنه خيَّر بينه وبين الصوم، والصوم المذكور هاهنا ليس بواجب.

قَالَ الْغَزَالِيُّ رحمه الله فِي الْإِحْيَاءِ: مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ فَوَائِدُ النِّكَاحِ، وَانْتَفَتْ عَنْهُ آفَاتُهُ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ التَّزْوِيج،ُ وَمَنْ لَا فَالتَّرْكُ لَهُ أَفْضَلُ. وقد ذكر الحافظ ابن حجر بعض الأحاديث المرغِّبة بالزواج، ومنها: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة)، و (تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى)، و (لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ) و (النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)، وغيرها، ثم قال: وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْكَثِيرِ مِنْهَا ضَعْفٌ فَمَجْمُوعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي التَّزْوِيجِ أَصْلًا.

فِي النِّهَايَةِ: إِنْ كَانَ لَهُ خَوْفُ وُقُوعِ الزِّنَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّحَرُّزِ إِلَّا بِهِ كَانَ فَرْضًا، وَعِنْدَ خَوْفِ الْجَوْرِ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الِاعْتِدَالِ فَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلَ الظَّاهِرِ، عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]. وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعِبَادَاتِ، حَتَّى إنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي عَنْهُ لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ.

وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مُبَاحٌ وَأَنَّ التَّجَرُّدَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ مِنْه. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ: أَنَّ النِّكَاحَ لَهُ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَيُكْرَهُ لَهُ النِّكَاحُ.

وعودًا على بدء ننقل تلخيص الحافظ ابن حجر رحمه الله قائلًا: فِي الْحَدِيثِ إِرْشَادُ الْعَاجِزِ عَنْ مُؤَنِ النِّكَاحِ إِلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ شَهْوَةَ النِّكَاحِ تَابِعَةٌ لِشَهْوَةِ الْأَكْل،ِ تَقْوَى بِقُوَّتِهِ وَتَضْعُفُ بِضَعْفِهِ.

ونختم الأربعين الرمضانية بحديث ودعاء:

أما الحديث فاخترنا أن نختم به لما فيه من خصال كريمة جامعة لهذا الشهر الكريم، فعَن جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: أَعْطَيْت أمتِي فِي شهر رَمَضَان خمْسا لم يُعْطهنَّ نَبِيٌّ قبلي: أما وَاحِدَة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان نظر الله عز وَجل إِلَيْهِم، وَمن نظر الله إِلَيْهِ لم يعذبه أبدًا. وَأما الثَّانِيَة فَإِن خلوف أَفْوَاههم حِين يمسون أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك. وَأما الثَّالِثَة فَإِن الْمَلَائِكَة تستغفر لَهُم فِي كل يَوْم وَلَيْلَة. وَأما الرَّابِعَة فَإِن الله عز وَجل يَأْمر جنته فَيَقُول لَهَا: استعدي وتزيني لعبادي أوشك أَن يستريحوا من تَعب الدُّنْيَا إِلَى دَاري وكرامتي. وَأما الْخَامِسَة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ آخر لَيْلَة غفر الله لَهُم جَمِيعًا. فَقَالَ رجل من الْقَوْم: أَهِي لَيْلَة الْقدر؟ فَقَالَ: لَا، ألم تَرَ إِلَى الْعمَّال يعْملُونَ فَإِذا فرغوا من أَعْمَالهم وفوا أُجُورهم.

وأما دعاء الختام فقد اخترنا أن يكون للعارف بالله شيخ الشيوخ الشيخ عبد القادر الجيلاني:

السلام عليك يا شهر الصيام، السلام عليك يا شهر القيام، السلام عليك يا شهر الإيمان، السلام عليك يا شهر المغفرة والغفران، السلام عليك يا شهر الدرجات والنجاة من الدركات، السلام عليك يا شهر التائبين العابدين، السلام عليك يا شهر العارفين، السلام عليك يا شهر المجتهدين، السلام عليك يا شهر الأمان، كنت للعاصين حبسًا وللمتقين أنسًا، السلام على القناديل والمصابيح الزاهرة، والعيون الساهرة، والدموع الهاطلة، والمحاريب المتعطِّرة، والعبرات المنسكبة المتفطِّرة، والأنفاس الصاعدة من القلوب المحترقة.

اللهم اجعلنا ممن قبلت صيامهم وصلاتهم وبدَّلت سيئاته بحسناته، وأدخلته برحمتك في جنتك، ورفعت درجاته برحمتك يا أرحم الراحمين.

المصادر والمراجع

  • إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، مطبعة السنة المحمدية، د ت.
  • إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، لعياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، ت يحْيَى إِسْمَاعِيل، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، ط1، 1419هـ/ 1998م.
  • الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، لعبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، زكي الدين المنذري ت إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • شرح صحيح البخاري، لابن بطال أبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك، ت أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، ط2، 1423هـ/ 2003م.
  • الغنية لطالبي طريق الحق عز وجل، لعبد القادر بن موسى بن عبد الله، محيي الدين الجيلاني، ت صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ/ 1997م.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
  • الكاشف عن حقائق السنن، لشرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، ت عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة – الرياض، ط1، 1417هـ/ 1997م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

________________________________

[1]  البخاري في النكاح (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، لِأَنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرجِ، وَهَلْ يَتَزَوَّجُ مَنْ لاَ أَرَبَ لَهُ فِي النِّكَاحِ) 7/ 3، ومسلم في النكاح (بَابُ اسْتِحْبَابِ النِّكَاحِ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، وَوَجَدَ مُؤَنَهُ، وَاشْتِغَالِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْمُؤَنِ بِالصَّوْمِ) 2/ 1018.

[2]  انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد 2/ 169.

[3]  شرح المشكاة للطيبي 7/ 2257.

[4]  مرقاة المفاتيح للقاري 2/ 608.

[5]  انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال 7/ 164، وإكمال معلم لعياض 4/ 524.

[6]  فتح الباري لابن حجر 9/ 110.

[7]  مرقاة المفاتيح للقاري 5/ 2041.

[8]  فتح الباري لابن حجر 9/ 110.

[9]  الترغيب والترهيب للمنذري 2/ 56. وقال: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَإِسْنَاده مقارب.

[10]  الغنية لطالبي طريق الحق 2/ 27.