بسم الله الرحمن الرحيم

الباب السادس: من أحكام الصيام

 لا حرج على الناسي

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: (مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ). متفق عليه.

هذا الحديث الشريف يبيِّن لنا حكمًا من أحكام الصيام يتعلَّق بالناسي، وهو حكم مهمٌّ لكثرة إمكانية الوقوع في النسيان. وظاهر الحديث أنه لا يفسد الصوم بالأكل والشرب حال النسيان. وهو من رحمة الشارع وتيسيره على العباد. وحتى تذهب الوساوس عن الإنسان في صحَّة صومه، فإن الشارع بيَّن له أن هذا الفعل الذي لا كسب للعبد فيه؛ منسوبٌ إلى الذي أطعمه وسقاه على الحقيقة، بخلاف ما لو أفطر متعمِّدًا فإن الفعل يُنسَب إليه.

والأمر النبويُّ بأن “يتمَّ صومه” يدلُّ على عدم فساد الصوم؛ إذ لو أفطر لما سُمِّي “إتمامًا” ولا “صومًا”. وهذا هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، وذهب مالك إلى أنه يُفطر، ويمسك باقي اليوم (وهذا معنى فليتمَّ صومه عندهم، أي الصوم اللغوي الذي هو الإمساك، لا الشرعي) ثم يقضي، وهو التفسير المتماشي مع القياس، فالنسيان لا يؤثِّر في المأمورات. غير أن تفسير الجمهور للحديث هو الأظهر، ويشهد له رواية الحاكم: (من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفَّارة). كما أن الأصل في إطلاق الشارع أن يُحمل على الحقيقة الشرعية.

وثمَّة مسألة ناقشها العلماء، لم يتعرَّض إليها الحديث، وهي: هل يُلحق الجِماع بالأكل والشرب، بحيث أن الناسي فيه لا يُفطر؟

قالت الحنفية والشافعية وفي قول لأحمد: مقتضى القياس أنه لا يُفطر، فإذا ثبت العذر في الأكل والشرب ثبت في الجماع. والتخصيص في الحديث بالأكل والشرب ليس لتقييد الحكم بهما؛ بل لأن الغالب وقوع النسيان بهما؛ لا به. بينما ظاهر مذهب الحنابلة أنهم حملوا الحديث على التقييد.

ومسألة أخرى تعرض: هل ينطبق الحكم على صوم الفرض والنفل؟ والجواب: نعم؛ لأن الحديث أطلق (وهو صائم) دون أن يقيِّد ذلك بصومٍ معيَّن.

وثمَّة سؤال آخر يتبادر إلى الأذهان: ماذا لو تكرَّر النسيان في اليوم وتكرَّر الإفطار؟ والجواب أن الحديث لم يخصِّص الحكم بعدد معيَّن، فيسري عليه الحكم، ولا يعدُّ مفطرًا، وهو المعتمد عند العلماء.

ومن لطائف ما وقع في ذلك أن رجلا جاء أبا هريرة فقال له: أصبحت صائمًا فنسيتُ فطعِمتُ وشربتُ؟ فقال: لا بأس، أطعمك الله وسقاك. قال: ثم دخلت على إنسانٍ آخر فنسيتُ فطعِمتُ وشربتُ؟ قال: لا بأس، أطعمك الله وسقاك. قال: ثم دخلت على إنسان آخر فنسيتُ وأطعمتُ؟ قال: أبو هريرة رضي الله عنه: أنت إنسانٌ لم تعوَّد الصيام.

نسأل الله تعالى أن يرحم ضعفنا وعجزنا، وألا يؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا، وأن يجعلنا عنده من المقبولين الفائزين.

المصادر والمراجع

  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • فتح القدير، لكمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام، دار الفكر، بيروت، د ت.
  • الكافي في فقه أهل المدينة، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، ت محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ط2، 1400هـ/ 1980م.
  • المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بابن البيع، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ/ 1990م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • المصنف، لعبد الرزاق بن همام الصنعاني، مركز البحوث بدار التأصيل، دار التأصيل، القاهرة، ط1، 1436هـ/ 2015م.
  • المغني، لابن قدامة موفق الدين عبد الله بن أحمد الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، مكتبة القاهرة، 1388هـ/ 1968م. 
  • نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، لشمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة شهاب الدين الرملي، دار الفكر، بيروت، 1404هـ/ 1984م.

________________________________________________

[1]  البخاري في الأيمان والنذور (بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الأَيْمَانِ) 8/ 136، ومسلم في الصيام (بَابُ أَكْلُ النَّاسِي وَشُرْبُهُ وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ) 2/ 809.

[2]  الحاكم 1/ 595. وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، ووافقه الذهبي.

[3]  انظر حكم من أفطر ناسيا: فتح القدير 2/ 62 وما بعد، وشرح المنهاج 2/ 57 وما بعد، والكافي 1/ 477 وما بعد، والمغني 3/ 121 وما بعد.

[4]  المصنَّف 4/ 21.