بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الخامس: العبادة في رمضان

 صلاة التراويح

عن عائشة رضي الله عنها: “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: (قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ). وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.” متفق عليه.

هذا الحديث الشريف يظهر لنا أهمية صلاة التراويح في رمضان، واحتفاء رسول الله ﷺ وصحابته الكرام بها، كما أنه يظهِر لنا من جهة أخرى عظيم رحمة رسول الله ﷺ وشفقته بالأمّة.

التراويح: جمع ترويحة، وهي المرَّة الواحدة من الراحة. والمراد من التراويح هنا: صلاة النفل التي تُصَلَّى جماعة في ليالي رمضان. وسُمِّيَت بذلك لأنهم كانوا يستريحون بين كلِّ تسليمَتين، وهي أيضًا قيام رمضان؛ لأنه يحصل بها القيام في رمضان؛ تيسيرًا على الناس بأن يؤدَّى القيام في رمضان أوَّل الليل.”

وقوله ﷺ: (قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ)، أي من اجتماعكم وحرصكم على الجماعة. وقوله ﷺ: (إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ)، أي يُفرض عليكم قيام الليل، وهذا ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلِّين. وفي رواية أبي سلمة: (اكلفوا من العمل ما تُطيقون).

وهكذا فقد صرَّح رسول الله ﷺ أنه امتنع من الخروج إليهم خشية أن تفرَض عليهم، فجمعهم سيِّدنا عمر رضي الله عنه عليها عند زوال هذه الخشية؛ إذ لا شرع بعد رسول الله ﷺ، فيكون فعلُ سيِّدنا عمر إحياءً لسنَّته ﷺ؛ ليس إلا.  قال ابن عبد البرّ رحمه الله: “وَفِيهِ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِه ﷺ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مَرْغُوبٌ فِيهَا، وَلَمْ يَسُنَّ مِنْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -إِذْ أَحْيَاهَا- إِلَّا مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ إِلَّا خَشْيَة أَنْ يُفرَضَ على أمَّته، وكان بالمؤمنين رؤوفا رَحِيمًا ﷺ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ رَسُولِ ﷺ، وَعَلِمَ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ أَقَامَهَا لِلنَّاسِ وَأَحْيَاهَا وَأَمَرَ بِهَا وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ.”

ومما لا يخفى أن هذا فضلٌ اختصَّ به الله تعالى سيِّدنا عمر رضي الله عنه. قال ابن عبد البرّ: “وَذَلِكَ شَيْءٌ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لَهُ وَفَضَّلَهُ بِهِ، وَلَمْ يُلْهِمْ إِلَيْهِ أَبَا بَكْرٍ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عُمَرَ وَأَشَدَّ سَبْقًا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ بِالْجُمْلَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَضَائِلُ خُصَّ بِهَا لَيْسَتْ لِصَاحِبِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَقْوَاهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب، وأقرأهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ)، فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَصْلَةً أَفْرَدَهُ بِهَا، لَمْ يَلْحَقْهُ فِيهَا صَاحِبُهُ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْتَحْسِنُ مَا فَعَلَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُفَضِّلُهُ، وَيَقُولُ: نُورُ شَهْرِ الصَّوْمِ.”

قال صاحب “إكمال المعلم بفوائد مسلم” في أمر صلاة التراويح: “وإن الجمع فيه لمرغَّبٌ فيه، غير منكَر الأمر؛ إلا لمن لا يلتَفَت إلى قوله من المبتدعة.”

وَقِيلَ في قوله ﷺ: (خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) أنه “خَشِيَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ مِنْ مُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهَا الْوُجُوبَ، وَإِلَى هَذَا الْأَخِيرِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: (فَتُفْرَضَ عَلَيْكُمْ)، أَيْ تَظُنُّونَهُ فَرْضًا، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ، كَمَا إِذَا ظَنَّ الْمُجْتَهِدُ حِلَّ شَيْءٍ أَوْ تَحْرِيمَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ.”

وفي الحديث فوائد جمَّة ذكر بعضها الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال: “وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ:

– نَدْبُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَا سِيَّمَا فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً، لِأَنَّ الْخَشْيَةَ الْمَذْكُورَةَ أُمِنَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺَ، وَلِذَلِكَ جَمَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ..

– وَفِيهِ جَوَازُ الْفِرَارِ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ..

– وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا اعْتَادَهُ أَتْبَاعُهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ عُذْرَهُ وَحُكْمَهُ، وَالْحِكْمَةَ فِيهِ.

– وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا قَلَّ مِنْهَا، وَالشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ.

– وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِخَوْفِ الْمَفْسَدَةِ، وَتَقْدِيمُ أَهَمِّ الْمَصْلَحَتَيْنِ.

– وَفِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ..

– وَفِيهِ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلنَّوَافِلِ إِذا صلِّيت جمَاعَة.”

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتأسِّين بسنَّته ﷺ وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعده، في الاحتفاء بصلاة التراويح، والمقيمين لشعائر الله، المجتمعين عليها، غير ملتفتين لإنكار المبتدعين.

المصادر والمراجع

  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام من أحاديث الأحكام، لنور الدين عتر، دار اليمامة، ط2، 2010.
  • إكمال المُعْلِمِ بفوائد مسلم، لعياض بن موسى اليحصبي السبتي، ت يحْيَى إِسْمَاعِيل، دار الوفاء، مصر، ط1، 1419هـ/ 1998م.
  • التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ القرطبي، ت مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387هـ.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

_______________________________

[1]  البخاري في التهجُّد (بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلاَةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) 2/ 50، ومسلم في صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَهُوَ التَّرَاوِيحُ) 1/ 524.

[2]  إعلام الأنام لنور الدين عتر 2/ 79.

[3]  التمهيد 8/ 109.

[4]  المصدر السابق.

[5]  إكمال المعلم 3/ 113.

[6]  فتح الباري لابن حجر 3/ 313.

[7]  المصدر السابق.