بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثامن: الصوم في غير رمضان

 صوم الإثنين والخميس

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ). الترمذي وابن ماجه.

لا يخفى على المقتفي أثرَ رسول الله ﷺ ما في هذا الحديث من التوجيه إلى اتبِّاع سنَّته والتماس هديه في صيام النفل، وأن من المندوب إليه في ذلك هو صيام الاثنين والخميس.

وَالتَّحَرِّي طَلَبُ الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى. وَقِيلَ التَّحَرِّي طَلَبُ الثَّوَابِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي طَلَبِ شَيْءٍ.

وقد ورد في السنَّة ما يفسِّر لنا خصوصية هذين اليومين. فعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه (أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: يكفِّر السنة الماضية والباقية. وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: يكفِّر السنة الماضية. وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: ذلك يومٌ ولدت فيه، ويومٌ بعِثت أو أنزل عليَّ فيه). فلهاتين المأثرتين العظيمتين لذلك اليوم، ولما ترتَّب على ذلك من فضل على البشرية جمعاء؛ خصَّه رسول الله ﷺ بهذه العبادة شكرًا لله تعالى، وليقتدي به أهل الإيمان من أمة الحبيب المصطفى ﷺ.

والحديث فيه أيضًا الترغيب بصوم يوم عرفة، لتكفيره ذنوب السنة الماضية التي هو فيها لأنه في أواخر السنة، والباقية التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة، وذلك لمن يكن في الحجِّ؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه (أن النبي ﷺ نهى عن صوم عرفة عرفة)، فكان صومه مكروهًا للحاجِّ عند جمهور العلماء، وقيَّده الحنفية بمن يضعفه الصوم عن الدعاء والذكر وعمل الوقوف بعرفة. وثبت في الصحيحين أنه ﷺ لم يكن صائمًا بعرفة في حجَّته.

كذلك فيه الترغيب بصوم يوم عاشوراء لأن عاشوراء العاشر من محرَّم في أوائل السنة الجديدة، فيكفِّر السنة الماضية، فكأنه ختام لها. والأكثرون قالوا: إن المراد تكفير الذنوب الصغائر، أما الكبائر فلا بدَّ من التوبة. أما حقوق العباد فلا بدَّ من إعادتها إليهم أو مسامحتهم فيها.

كما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ).

قول النبي ﷺ: (فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) أَيْ طَلَبًا لِزِيَادَةِ رِفْعَةِ الدَّرَجَةِ.

قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (يُرْفَعُ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ)؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْعَرْضِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ تُجْمَعُ فِي الْأُسْبُوعِ وَتُعْرَضُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُنَافِي هَذَا رَفْعَهَا فِي شَعْبَانَ، فَقَالَ: (إِنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ وَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)؛ لِجَوَازِ رَفْعِ أَعْمَالِ الْأُسْبُوعِ مُفَصَّلَةً وَأَعْمَالِ الْعَامِ مُجْمَلَةً.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يرفَع عمله إليه وهو في أحسن الأحوال التي ترضيه، إنه سميع قريب مجيب.

المصادر والمراجع

  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام، لنور الدين عتر، دار الفرفور، 2007م.
  • تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لأبي العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • سنن ابن ماجه، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
  • سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة، ت لأحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1395هـ/ 1975م.
  • شرح مصابيح السنة للإمام البغوي، محمَّدُ بنُ عزِّ الدِّينِ عبدِ اللطيف الكَرمانيّ، المشهور بـ ابن المَلَك، ت لجنة بإشراف: نور الدين طالب، إدارة الثقافة الإسلامية، ط1، 1433هـ/ 2012م.
  • المجتبى من السنن (السنن الصغرى للنسائي) لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، ت عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ/ 1986م.
  • مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان محمد، نور الدين الملا الهروي القاري، دار الفكر، بيروت، ط1، 1422هـ/ 2002م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

_________________________________________

[1]  الترمذي في: أَبْوَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ) 3/ 112، وقال: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، والنسائي في الصيام (صَوْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَأبِي هُوَ وَأُمِّي، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ لِلْخَبَرِ فِي ذَلِكَ) 4/ 202، وابن ماجه في الصيام (بَابُ صِيَامِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) 1/ 553.

[2]  انظر: تحفة الأحوذي 3/ 374.

[3]  مسلم في الصيام (استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر..) 3/ 167.

[4]  رواه الخمسة غير الترمذي، والحديث ضعيف؛ لوجود مجهول في إسناده. انظر إعلام الأنام 2/ 447.

[5]  إعلام الأنام لعتر 2/ 434.

[6]  سنن الترمذي 3/ 113. وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

[7]  شرح المصابيح لابن الملك 2/ 546.

[8]  مرقاة المفاتيح 4/ 1422.