بسم الله الرحمن الرحيم

الباب السابع: متعلَّقات رمضان

 النهي عن صوم يومي العيد 

عن عُمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، قال: “هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ”. متفق عليه. والنسُكُ: الذبيحة.

حتى تتميز العبادة من العادة، فإن استجابة العبد لأمر الصيام يجب أن تستوي مع استجابة العبد لأمر الفطر. لذلك جاء النهي عن صوم أول أيام عيد الفطر، بسبب انتهاء الأمر بصوم رمضان؛ فلزم تمييز ما بعد رمضان عن رمضان لتكون الاستجابة صريحة لا يشوبها شائبة، كما تميَّز ما قبل رمضان عن رمضان بتحريم صوم يوم الشكِّ.

ثم إن الفرح الجماعي بالطاعة مطلب شرعي أراد الشارع أن يكون في أيام العيد المباركة، والفرح والسرور يناسبه الفطر وليس الصوم، وهذه الأيام المباركة يكون الناس فيها بضيافة الحقِّ جلَّ وعلا، وليس من الأدب أن يصوم الضيف أيام الضيافة. قال رسول الله ﷺ: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله). فدلَّت مجموع الأحاديث على النهي عن صيام يومي العيدين، وأيام التشريق الثلاثة، التي سمِّيت بأيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي تعرَّض للشمس حتى تقدَّد ولا تفسد.

وقد اتفق جماهير العلماء على إثم من يصوم في هذه الأيام، لأن أصل النهي للتحريم، وعبر الحنفية عن ذلك بكراهة التحريم الموجبة للإثم أيضًا عندهم.

وظاهر حديث (أيام التشريق أيام أكل وشرب) هو أنها ليست محلَّ صوم، وذلك يشمل القارن والمتمتِّع والمحصِر العاجزين عن الهدي. وهو مذهب الإمام الشافعي. بينما ذهب الجمهور إلى الأخذ بحديث السيدة عائشة وابن عمر: “لم يرخَّص في أيام التشريق أن يصَمن؛ إلا لمن لم يجد الهدي”. وهو يدلُّ على جواز صيامها لمن وجب عليه هدي وعجز عنه.

وقوله ﷺ: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله) يدلُّ على استحباب الإكثار من ذكر الله تعالى في هذه الأيام المباركة، وذلك أن أجواء الفرح والسرور في العيد يُخشى أن ترافقها غفلة عن الله، ربما تنتهي بقول أو فعل ما لا ينبغي مما يكون فيه مؤاخذة شرعية، فيأتي الذكر ليرجع فيه العبد إلى مولاه، فيُحفظ عن الغفلة، وما يمكن أن يترتب عليها.

قال ابن الملك: “و (ذكر الله)، أي أيام ذكر الله، حتى لا ينسى العبدُ فيها حقَّ الله، ويستغرق في حظوظ نفسه، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]”. وهذا الذكر ينطبق على الذكر الخاص بالتكبير في العيدين، وعلى عموم الذكر بعموم الصيغ، دون قيد.

وقد ورد في ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: (زينوا أعيادكم بالتكبير). وبالرغم من ضعف الحديث فقد اتفق العلماء على مشروعية التكبير في العيدين، عملا بما اشتهر من الآثار الصحيحة عن الصحابة والسلف.

وذهب الحنفية والمالكية في تكبيرات عيد الفطر أنه يستحبُّ التكبير من خروجه للبيت حتى يأتي المصلَّى ويدخل الإمام للصلاة، بينما ذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يندب التكبير لغروب شمس ليلتي العيدين في المنازل والطرقات والمساجد والأسواق، حتى يحرم الإمام بصلاة العيد.

أما في تكبيرات عيد الأضحى فأكثر الحنفية على أنها واجب، تبدأ من بعد صلاة الفجر يوم عرفة، وتختتم عقيب صلاة العصر يوم النحر عند أبي حنيفة، وعقيب صلاة العصر أخر أيام التشريق (رابع يوم العيد) عند الصاحبين. وكلُّ ذلك عقيب الصلوات المفروضة على المقيمين في الأمصار في الجماعات المستحبَّة للرجال.

وعند المالكية يكبَّر أيام النحر دبر الصلوات المفروضة للإمام والمأموم والمنفرد والذكر والأنثى من صلاة الظهر يوم النحر لصلاة الصبح من اليوم الرابع. وقبل الظهر يوم النحر غير مقيد بصلاة.

وعند الشافعية عقب الصلوات من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، جماعة أو منفردة.

وعند الحنبلية التكبير المطلق من أول العشر إلى آخر أيام التشريق، والمقيد أدبار الصلوات من صبح عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.

أما الحاجُّ فإنه يرمي جمرة العقبة يوم النحر، ثم يقطع التلبية ويأخذ بالتكبير.

المصادر والمراجع

  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام، لنور الدين عتر، دار الفرفور، 2007م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1/ 1422هـ.
  • شرح مصابيح السنة للإمام البغوي، لمحمَّدُ بنُ عزِّ الدِّينِ عبدِ اللطيف بنِ عبد العزيز الكَرمانيّ، المشهور بـ ابن المَلَك، ت لجنة بإشراف: نور الدين طالب، إدارة الثقافة الإسلامية، ط1، 1433هـ/ 2012م.
  • مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ وَمَنْبَعُ الفَوَائِدِ، لأبي الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، ت حسين سليم أسد الدّاراني، دَارُ المَأْمُون لِلتُّرَاثِ.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • المغني، لابن قدامة المقدسي، دار المنار، ط3، 1367هـ.
  • نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية، للزيلعي، دار المأمون، 1357هـ.
  • هدي النبي ﷺ في الصلوات الخاصة، لنور الدين عتر، دار الفكر – دار الفكر المعاصر، دمشق -بيروت، 2001م. 

_________________________________________

[1]  البخاري في الصوم (بَابُ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ) 3/ 42، ومسلم في الصيام (بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى) 2/ 799.

[2]  مسلم في الصيام (تحريم صوم أيام التشريق)، 2/ 800.

[3]  البخاري في الصوم (صيام أيام التشريق)، 2/ 43.

[4]  انظر: إعلام الأنام 2/ 441.

[5]  شرح المصابيح لابن الملك 2/ 542.

[6]  قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2/ 197: فيه عمر بن راشد ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، وقال العجلي: لا بأس به.

[7]  انظر: الهداية 1/ 348، وشرح الرسالة 1/ 348، وشرح المنهاج 1/ 308، والمغني 2/ 368، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخاصة 204.