بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثامن: الصوم في غير رمضان

 أفضل الصوم 

عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟)، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ)، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: (فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى). متفق عليه.

هذا الحديث الشريف يرشد المسلم إلى عدم صيام الدهر، وأن الأفضل منه صوم ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وللذي يطيق فوق ذلك: صوم يوم وإفطار يوم، وهو صوم سيدنا داود.

أما صوم الدهر فقد ورد في الصحيحين: (لا صام من صام الأبد). فذهب الجمهور إلى كراهة صوم الدهر لمن أفطر الأيام المنهي عن صومها؛ حتى لا تضعُف قوَّته.

وقيَّد الشافعية والحنبلية ذلك بمن خاف الضرر فعلا، ويدلُّ على ذلك قوله ﷺ: (هجمت لَهُ الْعين) أي غارت وضعُف بصرها، (وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ) أي تعبت وكلَّت. قال الخطابي: المعني أن المؤمن لم يتعبَّد بالصوم فقط حتى إذا اجتهد فيه كان قد قضى حقَّ التعبُّد كله؛ وإنما تعبِّد بالإفراغ من العمل كالجهاد والحجِّ.. فأمر بالاقتصاد في الصوم ليستبقي بعض القوة لسائر الأعمال.

بينما ذهب المالكية إلى ندبه؛ بدليل تشبيه صوم ستٍّ من شوال بصوم الدهر، مما يدلُّ على أن صاحبه يستحقُّ الثواب.

واعتبروا الزجر في الحديث بأنه يكون بصيام الأيام المنهي عنها أيضًا. فقوله ﷺ: (لا صام من الدهر)؛ لأن منه العيد والتشريق والصوم فيها حرام. قال الخطابي: يحتمل أنه دعاء، ويحتمل أنَّ (لا) بمعنى (لم).

يقول شيخنا نور الدين: والحاصل أنه يقلُّ سلامة صائم الدهر من تفويت حقوقٍ عليه، والقليل لا حكم له، وقد قال ﷺ: (ولكنِّي أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي).

قوله ﷺ: (صوم ثلاثة أيام) أي من كلِّ شهر (صوم الدهر كلِّه) أي بالتضعيف، فإن الحسنة بعشر أمثالها. وهذه الأيام هي الثلاثة البيض، وقد ورد عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة). وقد ثبت في صحيح مسلمٍ عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم). فيكون تعيين الأيام في الحديث الأول هو من قبيل الأولى؛ لأنها أيام قوَّة القمر فتكون فيها نعمة الله أظهر من غيرها، لكن لا يمنع ذلك من الثواب في تلك الأيام. وسمِّيت بالبيض، أي الأيام التي لياليهن مقمرات، لا ظلمة فيها. يقول الدماميني رحمه الله:

صَحَا القَلْبُ عَنْ جَهْلِ الشَّبَابِ وَغَيِّهِ             وَعُوِّضْتُ مِنْهُ بِالتُّقَى خَيْرَ تَعْوِيضِ

وَمُذْ لاحَ صُبْحُ الشَّيْبِ صُمْتُ عَنِ الهَوَى         فَلا تُنْكِرُوا صَوْمِي بِأَيَّامِهِ البِيضِ

وصوم سيِّدنا داود عليه السلام الذي عدَّه النبي ﷺ أقصى ما يمكن من الصوم المندوب، بيَّن وجه تفضيله على صوم الدهر بقوله: (ولا يفرُّ إذا لاقى) أي العدو؛ لأنه يستعين بيوم فطره على يوم صومه فلم يضعفه ذلك عن لقاء عدوه.

قال شيخنا نور الدين: تعدَّدت الأحاديث في صيام أيام من الشهر أو السنة أو الأسبوع، فما السرُّ؟ الجواب أن ستًّا من شوال لتكميل صيام السنة فرضًا، وصيام يوم عرفة لتكفير ذنوب السنة به وبعاشوراء، وثلاثة أيام من كلِّ شهر لتكفير الشهر، وهكذا الأسبوع، فيظلُّ المسلم على طهر من الذنوب، والقربِ من علَّام الغيوب. نسأل الله تعالى أن يرفع همَّتنا لصيام ما ندبنا إليه حبيبه المصطفى، إنه خير مسؤول وأعظم مأمول.

المصادر والمراجع

  • إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، لأحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، ط7، 1323هـ.
  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام، لنور الدين عتر، دار الفرفور، 2007م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة، ت لأحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1395هـ/ 1975م.
  • الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، لمحمد بن يوسف بن علي الكرماني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1356هـ/ 1937م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • مصابيح الجامع، لمحمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد، المعروف بالدماميني، ت نور الدين طالب، دار النوادر، سوريا، ط1، 1430هـ/ 2009م.

__________________________________________

[1]  البخاري في الصوم (بَابُ صَوْمِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ) 3/ 40، ومسلم في الصيام (بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ تَضَرَّرَ بِهِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا أَوْ لَمْ يُفْطِرِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ، وَبَيَانِ تَفْضِيلِ صَوْمِ يَوْمٍ، وَإِفْطَارِ يَوْمٍ) 2/ 812.

[2]  الكواكب الدراري للكرماني 9/ 137.

[3]  انظر: إرشاد الساري للقسطلاني 3/ 408.

[4]  البخاري في النكاح (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ) 7/ 2، ومسلم في النكاح (بَابُ اسْتِحْبَابِ النِّكَاحِ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، وَوَجَدَ مُؤَنَهُ، وَاشْتِغَالِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْمُؤَنِ بِالصَّوْمِ) 2/ 1020. وانظر إعلام الأنام 2/ 449.

[5]  الترمذي في الصيام (صوم ثلاثة أيام..) 3/ 134. وقال: حديث حسن.

[6]  مسلم في الصيام (بَابُ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)، 2/ 807.

[7]  مصابيح الجامع لدماميني 4/ 396.

[8]  انظر: إرشاد الساري للقسطلاني 3/ 409.

[9]  إعلام الأنام لعتر 2/ 439.