بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا وزدنا علماً ينفعنا.

و بعد:

أنهينا في المحاضرة الماضية الحديث عن تربية الأولاد على الصلاة، التي هي الركن الأهم من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وبقي من أركان الإسلام الصيام والزكاة والحج.

لا مانع من تعليم الأولاد بعضاً من أحكامها؛ لتربيتهم، وتعويدهم عليها؛ لأنهم في المستقبل سيكلفون بها جميعاً، أو ببعضها بحسب تحقق الشروط التي تُوجِبُ ذلك عليهم، فقد يكون الولد غنياً فتجب عليه الزكاة، وقد يستطيع الحج فيجب عليه الحج؛ لهذا كان لابد من تعويد الطفل، وتدريبه، وتعريفه ببقية أركان الإسلام، وخصوصاً تلك العبادة التي قد يجد الطفل صعوبةً عند أداءها وهي: الصيام؛ فيجب أن ندرِّبَه عليه؛ لأن في الصيام حبسَ النفس عن مألوفاتها، ومرغوباتها.

لا بد من ترقية نفس الطفل على الصيام، وتعويده الإمساك عن المفطرات حتى لو لم يكن أمام ناظر والديه، وكذلك تدريبه على الإنفاق؛ لأنه يحب التملك، والاستحواذ على الأشياء لنفسه فقط؛ فنعلمه الدفع من ماله، وكذلك الأمر بالنسبة للحج فلابد أن يتذوق الطفل شيئاً من نفحات الحج، ومعانيه أيضاً.

الصيام:

قبل أن نبدأ تعويدَ، وتعليم الصغار أحكامَ الصيام، لابد أولاً أن يتعرَّف الكبار على أحكام و أهمية الصيام، ومكانته؛ ليتمكنوا من نقلها للأطفال؛ ففاقد الشيء لايعطيه.

بعض الآباء يأمر ولده بالفطر في رمضان؛ بسبب الامتحان، وبعضهم يرى ولده مُجْهَدَاً بشكل بسيط ٍبسبب الصيام؛ فيأمره بالفطر مباشرة ..فهل هذا الموقف من الوالدين صحيح؟

الأبوان عندما يَعْلَمَان أن الصيام فريضةٌ من الله، وعبادةٌ، ولها منافع كثيرة ترجع بالفائدة، والمصلحة على الصائم؛ فإنهما لن يأمرا ولدهما بالفطر لسبب بسيط، بل يُصَبِّرانه، ويعينانه عليه؛ لأن مايعتادُ الطفلُ عليه في الصغر، وإن كان فيه شيئٌ من المشقة؛ سينشأ عليه عند الكبر.

أيهما أفضل أن ندرِّب الولد على الصيام؛ لينشأ، ويكبر، وهو يُحب، ويطبق هذه العبادة أم نتركه دون تدريبٍ وتعليم ؟

الأب الذي لا يعود ولدهُ الصيامَ وهو صغيرٌ؛ شفقةً عليه، فإنه سيكبر، ويبلغ، وربما يتجاوز سن التكليف، تاركاً لهذه الفريضة. فالوالد أشفق على ولده صغيراً؛ فأوقعه في الكبيرة كبيراً…فهل مثل هذا من الشفقة المحمودة؟!

على الوالدين أن يأمرا الطفل بالصيام، وهو صغيرٌ كما يأمرانه بالصلاة، ولكن دون ضرب فكل من الصيام، والصلاة يحتاج الولدُ الدُّرْبَةَ عليهما في الصغر.

مهمة:

1-بعض الأمهات يأتيها العذر الشرعي في رمضان؛ فتأكل في نهار رمضان أمام أولادها؛ فيظن الأولاد أن أمهم لاتلتزم بصيام شهر رمضان. فمن الخطأ أن تأكل الأم أمام أولادها، وإن كان مباحاً لها، وكذلك لتحذر الأم أن تأكل خلسةً؛ فيطَّلِعَ أولادها عليها، وهي على هذه الحال؛ لأن الولد سيتعلم الأكل خلسة أيضاً في شهر رمضان؛ تقليداً لأمه .

2-يجب إبعاد الطفل ما أمكن عن المفْطِرِين في نهار رمضان، ولو رآهم فيجب أن نوضح للطفل أنهم: إما معذورون بسبب المرض، أو السفر، أو أنهم مخالفون لأمر الله عزوجل، وأن الله سيحاسِبُ المخالفين منهم على هذا، وأن الفطر دون سببٍ في نهار رمضان معصية لله عز وجل.

3-ترغيب الطفل بالصيام؛ وذلك بذكر المرغبات الشرعية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، كالحديث الإلهي: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به” [1]، وحديث: “للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطر وإذا لقي ربه فرح بصومه” [2]، وأن الصُّوَّام يدخلون من باب يقال له: باب الرَّيَّان لايدخل منه إلا الصائمون، وأبشِّرُ الطفلَ أن هذه الأجور أعدها الله عزوجل للصائمين.

4-أشجع الطفل على الصيام؛ بإخبار الحاضرين أنه صائمٌ؛ فأثبِّتُه بهذا، وأقوي عزيمته.

5-أعوِّدُه الصيام بالتشجيع المادي، والمعنوي فلقد كان السلف الصالح يفعلون هذا.

6-الصيام ليس واجباً على الطفل، بل هو نافلةٌ بالنسبة له يثاب عليه ثوابَ النافلة، ويثاب الوالدان عليه؛ لأنهما كانا سبباً في تعويد ولدهم عليه.

7-لو أفطر الطفل في نهار رمضان، بأكل، أو شرب؛ أتغافل عنه؛ لأن الغاية تدريبَه على الصيام، فهو غير مكلفٍ بالصيام بعد.

8-مساعدة الطفل على الصيام؛ بإيقاظه للسحور، وكذلك بعدم تركه يلعب كثيراً وهوصائم، وخصوصاً وقت الحرِّ، وإشغال وقته بإحضار الألعاب له يلعبُ بها، كما كان السلف الصالح يفعلون، فقد كانو يأخذون أولادهم للمسجد، ويعطوهم لعباً مصنوعة من الصوف يلعبون بها داخل المسجد؛ تسليةً لهم حتى ينقضي وقت الصيام.

9-تعليم الطفل ما يفطِّرُ الصائمَ، ومالايفطِّره، كما أذكر الأخلاق التي يجب أن يكون عليها الصائم، وأذكر له بعض حقائق، ومعاني الصيام، وثمراته، وأذكر له بعض الحقائق التاريخية، كانتصارات المسلمين، وأن كثيراً منها كان في شهر الصيام، ونبين له أثر الصوم على المجتمع بشكل عامٍّ؛ فتكبر فريضة الصيام في نفسه؛ وهذا يجعله مؤهلاً في المستقبل للمواظبة على هذه الفريضة العظيمة.

الزكاة:

هي عبادة مالية، فقد يكون الطفل مالكاً للمال بميراث، أو غيره؛ لهذا علينا أن نعود الطفلَ على الإنفاق في سبيل الله فنذكر للطفل:

1-أن المال إنما هو نعمةٌ من عند الله عز وجل، وليس عطاءً من أحد البشر، وأن الله جعله بين أيدينا، وسيحاسينا عليه يوم القيامة.

2-تعويد الطفل الإنفاق والكرم منذ نعومة أظفاره من خلال وسائل كثيرة:

مثال 1: أحد الآباء يعطي ولده مبلغاً إضافياً خاصَّاً من المال – زيادةً على مصروفه الشخصي -، ويقول له: يابني هذا المبلغ لَعَلَّكَ تَجِدُ محتاجا فتعطيه منه .

مثال 2: أعطي ولدي مبلغاً من المال يوم الجمعة؛ ليتبرع به في صندوق المسجد.

   الولد في المثالين السابقين لم يدفع من جيبه شيئاً، ولكنه ذاق لذَّة الإنفاق في سبيل الله، وهو عندما يكبر سينفق من جيبه؛ لأنه تربى عليه في الصغر.

3-أشرح لولدي بعض المعاني للصدقة في سبيل الله، ومنها أن ماينفقه؛ فإن الله سيُخْلِفُه، ويُعَوِّضُه (وما أنفقتم من شيء فهو يُخْلِفُهُ وهوخير الرازقين)  [سبأ 39]، ونذكر له قصة أبي الدحداح التي رواها أنس بن مالك رضي الله عنه : “أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ : إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا .

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّة”ِ.

فَأَبَى .

فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي .

فَفَعَلَ .

فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي. قَالَ: فَاجْعَلْهَا لَهُ ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ” قَالَهَا مِرَارًا.

فَأَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ .

فَقَالَتْ : رَبِحَ الْبَيْعُ – أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ” . [3]

أم الدحداح لم تتفاجأ من موقف زوجها، ولم تعترض عليه بل تعاونت معه. ماهذا الموقف منها إلا؛ لأنها تربت أيضاً على النفقة في سبيل الله.

4-تعليم الطفل أن إدخال السرور على قلوب الآخرين من القربات التي يَتَقَرَّب بها العبد لرب الأرباب؛ وذلك من خلال أخذ الطفل ليتبرع لأحد العوائل الفقيرة، ونقول له: أنظر كم سُرَّ هؤلاء الناس بسبب مساعدتك لهم؛ فيدخل على قلب الطفل لذةُ مساعدة الآخرين، وتتفتح مداركه للإنفاق في سبيل الله، ونعلمه أن إدخال السرور على قلب المحتاجين، وجبرَ خواطرهم هو لذةٌ لاتعدلها لذاذات كثيرة.

5-تعليم الطفل فضل الكرم، والإيثار، وأذكر له أمثلةَ أهل الكرم، وأهل الإيثار، وصفاتهم.

6-تعليم الطفل أن للمسلم حقاً على المسلم، وأن إعطاء المسلمين المحتاجين هو من الحقوق المترتبة على المسلمين تجاه بعضهم.

الحج والعمرة:

1-الحج ليس فرضاً على الطفل كما الصيام، ولكن لابد أن نذكرللطفل بعضَ دروس الحج، والعمرة في موسم الحج فنذكر له: لِمَ يذهب الناس للحج، ولم يخلعون المخيط ويلبسون أثوابا متشابهةً، واشرح له معاني الطواف، والسعي، ورمي الجمرات، والوقوف بعرفة، وأعطيه الصور المعنوية لهذه العبادة الجليلة؛ ليعيش شيئاً من معانيها.

2-نحرك في قلب الطفل الشوقَ لزيارة مكة، والمدينة.

3-أذكر لولدي أن العيد ليس لنلبس الجديد، ونأكل الحلوى؛ ولكنه الفرح بتوفيق الله عبادَه للطاعة، وأن أعياد المسلمين تأتي بعد الطاعات، والعبادات، بعد عبادة الصوم، وبعدعبادة الحج.

4-أربط الطفل بحب مكة، والمدينة من خلال القيام برحلةٍ خاصةٍ لزيارة مكة، والمدينة ،فأريه الكعبة التي يتجه لها عندما يصلي، ومقام إبراهيم، ومكان السعي بين الصفا والمروة، وأذكر له سبب السعي، وآخذه لزيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليقف أمام قبر رسول الله، وأذكِّرُه أنه الرسول الخاتم الذي نحبه، ونصلي عليه، وهو سبب هدايتنا، وهو شفيعنا يوم القيامة …

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 __________

[1]: البخاري من حديث أبي هريرة 5927

[2]: سنن النسائي الكبرى من حديث أبي هريرة 3313

[3]: مسند أحمد 12482،ابن حبان 7159