سلسلة إشراقات إيمانية في شهر الصيام | المقالة الثانية | د. باسم عيناتي

 

إضاءات فكرية حول الآيات القرآنية في شهر رمضان

 

إن الإضاءات الفكرية حول الآيات القرآنية تنبثق من خلال التمعّن في فهم كتاب الله وآياته والتعمق في مراد الله في تنزيله، وكلما غاص عقل المرء في بحر القرآن العظيم كلما انعكست نورانية القرآن في عقل وقلب الغائص ليُخرج من ذلك لآلِىء مضيئة ليبصرها الناس عن وعي ودراية لتنير سبيلهم في الحياة الدنيا  ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾ [المائدة، 15].

سنذكر عدة إضاءات فكرية حول الآيات القرآنية عن شهر رمضان التي ذُكرت في سورة البقرة في الجزء الثاني من بداية الآية رقم 183: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُم لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ إلى آخر الآية رقم 187: ﴿………. كَذَ ٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ ءَایَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ﴾.

 

  • الإضاءة الأولى: هي أن آيات الصيام ذكرت في موضع واحد في سورة البقرة ضمن خمس آيات متتالية، فصلت عن هذه الفريضة تفصيلأً عن عبادة الصيام وبينت ماهيتها، بخلاف العبادات الأخرى. 

فعبادة الصلاة: ذكرت في القرآن تفاصيلها وأركانها في مواضع متباعدة في سور مختلفة : ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة، 110]  في موضع وجوب إقامة الصلاة ﴿وربك فكبر﴾ [المدثر، 3] في موضع تكبيرة الإحرام في الصلاة وهي الله أكبر ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة، 238] في موضع ﴿فاقرءوا ما تيسّر من القرآن﴾ [المزمل، 20] في موضع ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج، 77]. 

وجاء الوضوء والغسل الذي يتعلق بعبادة الصلاة في موضع آخر في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة، 6]، ثم جاء تفصيل مفردات الصلاة في السنة النبوية.

وأما عبادة الزكاة: ذكرت في عديد من المواضع في القرآن الكريم في وجوب الزكاة دون تفصيل عن هذه العبادة المهمة في المجتمع عن الكيفية والكمية والتوقيت ﴿وآتُوا الزكاة﴾ [البقرة، 43- 83- 110. النساء، 77. المجادلة، 13. المزمل، 20]. وهذا على سبيل المثال لا الحصر وجاء عن زكاة الزروع أيضاً مجملاً : ﴿وآتُوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام، 141] وكل التفاصيل عن عبادة الزكاة وردت في السنة النبوية.

وأما عبادة الحج: ذكرت في مواضع متفرقة في القرآن الكريم وكان التفصيل فيها واضحاً ضمن تنوع في سور القرآن، ونعطي نماذج: 

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة، 189].

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة، 197].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة، 2].

﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾  [الحج، 36]

تعتبر عبادة الصيام ذات وحدة لا تنوع فيها لأنها امتناع أي ترك الطعام والشراب والمعاشرة الزوجية ضمن زمن محدود، أما العبادات الثلاث هي أفعال متنوعة، فالصلاة : تكبير وقيام وقراءة قرآن وركوع وسجود وذكر وتسليم، والزكاة: استخراج المال الواجب إخراجه من ذهب وفضة وعروض والحيوان الشياه والبقر والجمال والزروع. والحج: طواف وسعي ومبيت ووقوف في عرفة. 

وهذه العبادة الوحيدة التي يقوم بها المسلمون في كل الأمكنة في العالم في زمن واحد وهو شهر رمضان ابتداء وانتهاء من حيث الشهر ومن حيث الأيام فيه من الفجر إلى الليل، فهي عبادة شعارها الزمانية، فوحدة الموضوع في موضع تشريعي واحد يفسر تلك العبادة بإشارة قوية بأنها وحدة زمانية لا ينبغي الاختلاف فيها لا ابتداء ولا انتهاء، وينبغي الوصول إلى حلول  لاستئصال النزاع الحاصل بين إثبات الشهر وعدمه، كما نرى في وحدة الحج الزمانية والانضباط فيها عملياً ابتداء وانتهاء. 

 

  • الإضاءة الفكرية الثانية:

إنه ممكن أن نُعنْوِن هذه الآيات التي تخص صوم شهر رمضان بأنها آيات الصبر أي: إن الإنسان إذا صام بحسب ما شرع الله فإنه يتمكن من تحمل المشاق والمصائب والمتاعب الدنيوية، فقد أعطى الله طريقة يستطيع المرء إذا مارسها أن يكون صابراً، فقد ورد في الحديث النبوي: «الصوم نصف الصبر» وقد فسر بعض العلماء الصبر بالصوم في الآية الكريمة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة، 45] أي استعينوا بالصوم.

  • فيأتي السؤال: لماذا جاءت آيات الصوم في هذا الموضع في سورة البقرة؟

نلحظ أنه قبل آيات الصيام جاءت مواضيع تمس حياة الإنسان الاجتماعية وبحاجة فيها إلى الصبر والتحمل:

  • الموضوع الأول: توزيع الوصية.

 أي: إن هناك حالة موت ومصيبة حدثت لهذه العائلة فيجب التصبر والرضا بما أصاب تلك العائلة، قال الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فالصوم هو حالة تدريبية تساعد المسلم على أن يكون قوياً في هذه المواقف، فلذا كان موضع آية فرض الصوم دقيقاً ليكون توجيهاً للمجتمع أمام الضغوطات الاجتماعية.

ويشار أيضاً إلى نقطة مهمة أن توزيع الوصية لابد لها من توزيع عادل، والعدل ينبثق من مخافة الله ومن تقوى الله ، ولذا كان من مقاصد الصوم وغاياته الوصول إلى التقوى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْن.

  • الموضوع الثاني: وجوب القصاص.

 قد يحدث في المجتمع قتل بغير حق، متعمد وفيه إصرار،  وبحاجة إلى معالجة هذه الجريمة الكبرى، سيكون هناك معاقبة القاتل بأن يُقتل وهي عقوبة عادلة، فلنتصور حالة القاتل بأنه سيساق إلى الموت بعد لحظات، فهذه لحظات عصيبة ندم وتوبة وتصبر، ولننظر إلى حالة أهل القاتل من الحزن والأسف من فعلته الشنيعة ومن فقدانه لأن ولدهم أو قريبهم سوف تنتهي حياته بعد ساعات من إطلاق الحكم عليه، ولنتخيل حالة أهل القتيل الذي فقد ابنهم ظلماُ وعدواناً، من الأسى والألم وحرقة القلب، وهل يقدرون على أن يعفوا عن القتيل في هذا الموقف الصعب؟ وتأمل الآيات الكريمات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ

نرى أن موضع آيات الصيام جاءت مناسبة لتضيء الطريق أمام هؤلاء، حتى يستطيعوا أن يواجهوا هذه المشكلة الاجتماعية الكبرى، التي يكون فيها الموقف مشتعلاً وملتهباً، وبحاجة إلى تمهل وتعقل وحكمة، فيأتي تشريع الصيام لفترة شهر كامل ليدرب أفراد المسلمين على التّصبّر والتّحمّل والتّمهّل.

  • الموضوع الثالث: الابتلاء بالخوف ونقص في الأموال والأنفس والثمرات.

الحياة هي ابتلاء، هناك فرح وحزن، وقلق واطمئنان، وأمن وخوف، وحياة وموت، وغنى وفقر، ونجاح وفشل، وخسارة وربح، تقلبات في الحياة الدنيا لا تتوقف، والسلبيات كثيرة لايمكن مواجهتها وتجاوزها إلا بالصبر، فتامل الآية الكريمة التي حثت على الصبر وعلى تبشير الصابرين: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۞ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۞ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

فالمرء يريد أن يكون صابراً ويتمنى ذلك، ولكن ما السبيل إلى ذلك؟ هو فرض الصيام الذي يروّض العبد على الصبر لفترة شهر كامل، فلذا وضعت آيات الصيام في موضع مناسب، لأنه من العبث أن آمرك بأن تفتح الباب المقفل ولا أعطيك المفتاح، فمن البَدَهِيّ أنه لا يمكنك أن تقوم بهذه المهمة، فالله الحكيم المتعالي قد أمرك بالصبر وأعطاك مفتاحه أي الصوم حتى يهيّئك لتحمل الابتلاءات والوصول إلى الرضا والتسليم الكامل له تعالى حتى تتجلى حكمة التشريع في تكامل التكاليف التي أمرنا الله بها.

  • وكذلك جاءت مواضيع بعد آيات الصيام كلها تتطلب الصبر:
  • الموضوع الأول: أكل مال الناس بالباطل:

أتت الآية الكريمة بعد آيات الصيام مباشرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[البقرة، 188] وهذه إشارة بالغة بأن الامتناع عن أكل أموال الناس بالباطل بحاجة إلى الصبر عن المعصية وعلى الابتعاد عنها، ولا يمتنع عن أكل أموال الناس بالباطل إلا من تحلّى بخصلتين أساسيتين: التقوى والصبر. والصيام هو العلاج لهذه الآفة الاجتماعية المنتشرة في المجتمعات.

  • الموضوع الثاني: الحج والشهر الحرام ومشروعية القتال :

ثم بعد ذلك أتت آيات عن عبادة الحج التي هي زمانية بمعنى أنها في الشهر الحرام ومكانية بمعنى أنها تمارس في بقعة جغرافية معلومة، وعبادة الحج عبادة فيه مشقة بدنية وبحاجة إلى الصبر، فذكر قبلها الصيام الذي هو مدرسة تعلم الصبر والتحمل إشارة إلى التعود على تحمل مشاق هذه العبادة التي فيها سفر عادة وطواف وسعي ووقوف ورمي وفيه منع عن الرفث والفسوق والجدل…الخ كما ذكر تعالى في ذلك: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة، 197]

 ومن المعلوم أن الإسلام شدد في منع الاقتتال في الأشهر الحرم لما لها من قدسية عالية زمانياً  في التشريع الإسلامي لأنها تقام فيها شعيرة الحج، فكان من العرب من يخرق هذه القدسية بالاقتتال، فقابل ذلك بالتشدد في منعه إلا في حالة الاعتداء فيرد بالمثل ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة، 194]، فمن الصعوبة بمكان منع عادة سيئة اعتادوها فيها أهداف الفساد في الأرض وهي قتل الناس حتى صار الإنسان بهذه الحروب لا قيمة له، فلذا جاءت عبادة الصيام عبادة الصبر في موضع مناسب لتقوية إرادة العبد وتقوية الوازع الديني حتى يمتنع عن الولوج في هذا الفساد في الأرض من القتل إلا في حالة ردع هذا الفساد لمنعه.

 ومشروعية القتال ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة، 216] جاءت بعد آيات الصيام في موضع مناسب، وفي القتال مشاق كبيرة، ولا يتحمل هذا التكليف والشروع فيه إلا من كان صابراً محتسباً ، والصيام يعلم المقاتل الصبر ويدعم إرادته حتى تصير صلبة، ويدربه على الإخلاص لأن الصوم عبادة خفية قلبية لا يعلم بها إلا العبد وربه فتقوّي الاحتساب عند الله .

وهكذا عند استقراء الآيات الكريمات قبل آيات الصيام وبعدها نجد أن كلها تشريعات بحاجة إلى الصبر والتحمل، فناسب أن تذكر آيات الصيام في هذا الموضع لمعرفة كيفية الصبر وطريقة الصيام التي رسمها التشريع وفق منظومة متكاملة ضمن مقصد كبير هي تزكية النفس ورياضتها لإصلاح الفرد ذاته ومن ثم يصلح المجتمع المؤلف من الأفراد، ولكي ترتقي بالنفس البشرية إلى العلو وتربي على أم الخصال الحسنة الصبر الذي من أتقنه كان له ضياء في الدنيا والآخرة.