معالجة القضايا المجتمعية الحديثة من خلال الفقه الإسلامي للشيخ د باسم عيتاني

هذه مقالة مقتبسة من ندوة سيكرس عن الفقه بين الماضي والحاضر وتطبيقه في المجتمع

يُعدّ موضوع معالجة القضايا المجتمعية الحديثة من خلال الفقه الإسلامي من الموضوعات المحورية في واقعنا المعاصر، إذ لا يمكن فهم هذا الدور إلا بعد الوقوف على حقيقة الفقه ووظيفته، وكذلك وظيفة الفقيه المجتهد. فمتى ما أدركنا طبيعة الفقه ومنهجيته، أمكننا توثيق الرؤية التي طرحها عدد من العلماء، ومنهم الشيخ صلاح الشامي حفظه الله، والتي تؤكد أن الفقه يمتلك في ذاته قابلية التطور، لا باعتباره تابعًا لتحولات العصر صعودًا أو هبوطًا، بل لأنه قائم على منهجية شرعية راسخة ومتكاملة.

إن الفقه الإسلامي لا يتغير تبعًا لتطور الزمن من حيث هو زمن، وإنما يتفاعل مع الوقائع والنوازل التي يفرزها الواقع الإنساني. ففي العصور السابقة كانت النوازل محدودة نسبيًا، وتتكرر صورها عبر القرون، أما في عصرنا الحاضر فقد شهد العالم انفجارًا معرفيًا هائلًا، وتضاعفًا سريعًا في المعلومات والقضايا المستجدة، حتى باتت النوازل تتجدد بوتيرة غير مسبوقة، تشمل المجالات الطبية، والبيئية، والتقنية، والاقتصادية، وغيرها.

وهنا تبرز وظيفة الفقيه المجتهد، إذ تتمثل مهمته في استنباط الأحكام الشرعية للنوازل الواقعة، مهما اختلف الزمان أو تعقّد الواقع. فالفقه لا يتوقف عند حدود عصر معين، ولا يعجز أمام المستجدات، بل يواكبها عبر أدواته المنهجية من اجتهاد وقياس واستنباط. فاختراعات معاصرة مثل الطائرات المسيّرة، وأطفال الأنابيب، والتلقيح الصناعي، والعملات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، لم تكن معروفة في العصور السابقة، لكنها اليوم تطرح أسئلة شرعية ملحّة، يتصدى لها الفقهاء ببيان أحكامها وفق مقاصد الشريعة وضوابطها.

ومن الخطأ الشائع القول إن الفقه مرّ بمراحل نشوء ثم تطور ثم نضج ثم جمود، لأن هذا التصور لا يعكس حقيقة المسار الفقهي. فالفقهاء في كل عصر كانوا يقومون بوظيفتهم في معالجة نوازل زمانهم، ولم يعرف التاريخ الفقهي توقفًا أو جمودًا حقيقيًا، بل شهد صورًا متعددة من التجديد والاجتهاد. ويكفي أن نشير إلى تجربة تقنين الفقه في أواخر الدولة العثمانية من خلال “المجلة العدلية”، التي مثّلت نقلة نوعية في تنظيم الفقه وصياغته القانونية، رغم
التحديات السياسية والحضارية التي رافقت تلك المرحلة.

ومع دخول القرن العشرين، ووسط التحولات الكبرى التي شهدها العالم بعد الحروب العالمية، ظهر شكل جديد من الاجتهاد، هو الاجتهاد الجماعي، من خلال المجامع الفقهية. وقد شكّلت هذه المجامع استجابة واعية لتعقّد القضايا المعاصرة، حيث لم يعد الاجتهاد الفردي كافيًا في كثير من المسائل التي تتطلب معرفة شرعية دقيقة، إلى جانب إلمام بالواقع العلمي والطبي والاقتصادي. فظهرت مجامع فقهية في مكة وجدة والقاهرة والسودان والأردن وغيرها، تضم نخبة من علماء الأمة، يتدارسون القضايا المستجدة ويصدرون بشأنها قرارات جماعية تضبط الفتوى وتحدّ من الفوضى الفقهية.

وقد تناولت هذه المجامع قضايا عديدة تمس حياة الناس مباشرة، مثل زراعة الأعضاء، والتبرع بها، وأطفال الأنابيب، والعملات المشفرة، والذكاء الاصطناعي، وحقوق المرأة، وقضايا الأقليات، والأبحاث الطبية، وعمليات التجميل، والألعاب الإلكترونية، وحقوق التأليف، والبيئة، والحدود البحرية والجوية، وغيرها من المسائل التي فرضها الواقع المعاصر. وكل ذلك يؤكد أن الفقه الإسلامي حاضر وفاعل، وقادر على مواكبة التحديات، متى وُجد الفقيه المؤهل علميًا، القادر على فهم النص وفهم الواقع معًا.

ويمتاز الفقه الإسلامي عن القوانين الوضعية بارتباطه الوثيق بالبعد الإيماني والأخروي، فالحكم الشرعي لا يقتصر على كونه تنظيمًا قانونيًا، بل هو توجيه تعبدي يربط الإنسان بربه، ويجعل الامتثال أو المخالفة أمرًا ذا تبعات أخلاقية وأخروية. وهذا ما يمنح الفقه الإسلامي خصوصيته وعمقه، ويجعله أداة لإصلاح الفرد والمجتمع معًا.

ومن هنا، فإن الاجتهاد المعاصر يحتاج إلى منهجية واضحة، تقوم على التأصيل العلمي، والتمكن من اللغة العربية والعلوم الشرعية، إلى جانب فهم دقيق للواقع، والتعاون مع أهل الاختصاص من الأطباء والاقتصاديين والمهندسين وغيرهم. كما تبرز الحاجة الملحّة إلى تدريب طلبة العلم في المعاهد الشرعية على نماذج من الاجتهاد الجماعي، من خلال إنشاء مجامع فقهية مصغّرة داخل هذه المؤسسات، تُعنى بدراسة القضايا المعاصرة وإعداد جيل قادر على مواصلة حمل أمانة الفقه والاجتهاد.

وفي الختام، فإن الفقه الإسلامي سيبقى ما بقيت الحياة، لأنه وعاء الشريعة النابض، وحلقة الوصل بين النص والواقع، وهو مسؤولية العلماء في كل زمان ومكان، ليظل الإسلام دينًا صالحًا لكل عصر، ومصدر هداية ورحمة للعالمين.

وُلِد الشيخ الدكتور باسم حسين عيتاني في بيروت، لبنان، عام 1965م. ونال درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 2005م. ومن شيوخه ومشايخه: الشيخ محمد طه سُكَّر، والشيخ أديب الكلّاس، والشيخ الملا عبد العليم الزنكي، والشيخ عبد الرحمن الشاغوري، والشيخ عبد الرزاق الحلبي، والشيخ الدكتور مصطفى ديب البغا، والشيخ الدكتور وهبة الزحيلي، والدكتور محمد الزحيلي، وغيرهم، رحمهم الله جميعًا.

يتمتع الشيخ عيتاني بخبرة واسعة في المجالين الأكاديمي والإداري، وقد تولّى مناصب مهمة في عدد من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في لبنان وخارجه. ومن ذلك عضويته في اللجنة الأكاديمية بمؤسسة SeekersGuidance، وعمله أستاذًا أولًا في المعهد العالمي المجاني للتعليم الشرعي عبر الإنترنت.

وخلال الفترة من عام 2020م إلى 2021م شغل منصب عميد كلية الدعوة – جامعة الدراسات الإسلامية (لبنان) – الدراسات العليا. كما تولّى إدارة دار اقرأ للعلوم الإسلامية من عام 1998م إلى عام 2018م. ويُعدّ الشيخ عيتاني مدرسًا متمكنًا في عدد من العلوم الشرعية، من أبرزها الفقه، وأصول الفقه، والعقيدة، والتفسير. وقد أشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعات وكليات مختلفة في لبنان.

وتتجلى إسهاماته في العلوم الإسلامية أيضًا من خلال مؤلفاته وأبحاثه العلمية، ومن أبرزها: «القول المعتمد للإمام زفر في المذهب الحنفي»، و«الاجتهاد الجماعي: سموّ الفكر في القرن الحادي والعشرين»، و«العرف وأثره في الفقه الإسلامي». كما شارك الشيخ عيتاني في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل لبنان وخارجه. ويتمتع بكفاءة لغوية عالية، إذ يتقن العربية، ويجيد الفرنسية، ويتحدث الإنجليزية بطلاقة.