كيف نعيش المعرفة: وصية أبي حنيفة مع الشيخ عبد الرحمن الخرسة
في هذه االمقالة المقتبسة من الندوة “كيف نعيش المعرفة؟” نُقدم لكم فرصة لفهم وصية أبي حنيفة التعليمية والتربوية وكيفية تطبيقها في حياتنا المعاصرة. نُركز على الربط بين النص التاريخي والأخلاق العملية، مع تقديم أدوات عملية لبناء شخصية متوازنة تجمع بين العلم والعمل .
قبل الدخول في الإشارات إلى هذه الوصية الجامعة المانعة النافعة للإمام الأعظم رحمه الله، يحسن بنا أن نتوقف عند أصلٍ عظيم من أصول التربية الإيمانية، وهو ذكر الصالحين. فقد رُوي عن الإمام الكبير الحجة سفيان بن عيينة رحمه الله أنه قال: «عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة». وإن من أعظم فوائد ذكرهم أن الرحمات الإلهية تتنزل عند الحديث عنهم، ونحن أحوج ما نكون إلى رحمة الله عز وجل في كل وقت وحين.
منزلة حكايات الصالحين في بناء طالب العلم
كان الإمام الأعظم رحمه الله يقول: «حكايات الصالحين ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه». ولما سُئل عن سبب ذلك قال: «لأنها آداب القوم». فمع كثرة المدارس التي تعنى بتدريس الفقه وقواعده وأبوابه من عبادات ومعاملات، تبقى حكايات الصالحين ووصاياهم ومحاسنهم ركنًا أساسيًا في تربية طالب العلم، إذ بها يتعلم الأدب قبل العلم، والسلوك قبل التنظير.
الوصية: أسلوب تربوي جامع
الوصية ليست محاضرة مطوّلة ولا بحثًا علميًا، وإنما هي أسلوب تربوي تعليمي جامع، يقدم زبدة التجربة وخلاصة المسيرة. وهي تقوم على ثلاثة أركان: موصٍ، وموصى له، وموصى به. وقد أكثر الله تعالى من ذكر الوصية في كتابه الكريم، لما تحمله من معانٍ تأسيسية ينبني عليها كثير من الأحكام والسلوكيات، كما وردت الوصايا في سنة النبي ﷺ، وكانت وصاياه عامة وخاصة.
وصايا العلماء وأهميتها في نهاية المسيرة
اعتاد العلماء، خاصة في أواخر أعمارهم، أن يكتبوا وصاياهم، سواء لطلابهم أو لأحبابهم، لما تحمله من خلاصة التجربة وبعد النظر. ومن هذه الوصايا: وصية الإمام يوسف بن خالد السمتي، ووصية الإمام أبي يوسف، ووصية الإمام أبي حنيفة رحمه الله. وهذه الوصايا لا تصدر عن مبتدئ، وإنما عن عالم خبر الحياة والعلم والتربية.
الإمام أبو حنيفة: فقيه ومربٍّ
كثير من الناس يعرفون الإمام أبا حنيفة رحمه الله إمامًا في الفقه وصاحب مدرسة فقهية كبرى، لكن القليل من يقف عند تميّزه في التربية والتعليم. فقد كانت حلقته العلمية في الكوفة أشبه بمركز بحوث علمي، يجتمع فيها كبار الفقهاء والمحدثين والعبّاد. وكان لا يكتفي بإلقاء المسائل، بل يفتح باب النقاش والحوار، ويعلّم طلابه منهج البحث والاستدلال.
التربية العملية في سلوك الإمام الأعظم
كان الإمام أبو حنيفة مثالًا في التواضع والتزكية، فإذا استعصت عليه مسألة قال: «ما هذا إلا لذنب أذنبته»، فيستغفر الله ويقوم للصلاة حتى تنكشف له المسألة. ولم يكن يحمّل طلابه الخطأ، بل يراجع نفسه، في درس عظيم في أدب طلب العلم. وقد عُرف بطول قيامه في الصلاة، حتى لُقّب بالوتد، لكثرة عبادته وخشوعه.
رعاية الطلاب وبناء الرجال
لم يكن تعليم الإمام أبي حنيفة مقتصرًا على الدرس، بل كان يتعهد طلابه ماديًا ومعنويًا، يسأل عن أحوالهم المعيشية، ويعينهم بالنفقة، وينظر إليهم نظرة الأب لولده. ومن هذه المدرسة خرج كبار الأئمة، كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، الذين كان لهم أثر عظيم في الأمة.
التعليم والتربية جناحا النجاح
أجمع الأئمة على أن العلم لا يثمر إلا إذا اقترن بالتربية. وقد قرن الله تعالى في القرآن بين التعليم والتزكية: {ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم}. فالتزكية مطلوبة قبل العلم وبعده، حتى لا يتحول العلم إلى رياء أو غرور. ومن هنا كانت مجالسة العلماء، والجلوس بين أيديهم، ركنًا لا يغني عنه التعلم عن بُعد وحده.
أدب التلقي ومجالس العلم
مشهد تعليم جبريل عليه السلام للنبي ﷺ يبين لنا أدب الجلوس والتلقي، حين جلس بين يديه وأسند ركبتيه إلى ركبتيه. فهذا النموذج العملي هو الذي أنبت العلماء عبر العصور. وقد قال الإمام مسلم رحمه الله: «لا يُستطاع العلم براحة الجسد»*، فطلب العلم يحتاج إلى صبر ومجاهدة.
وصية أبي حنيفة ليوسف بن خالد السمتي
عندما أراد يوسف بن خالد السمتي العودة إلى البصرة، استأذن شيخه أبا حنيفة، فأبى أن يخرجه حتى يزوده بوصية جامعة، تتعلق بحسن معاشرة الناس، ومراتب أهل العلم، وتأديب النفس، وسياسة العامة والخاصة. وبيّن له أن حسن المعاشرة هو مدار النجاح، وأن الإساءة إلى الناس تورث العداوة، بينما الإحسان يصنع القلوب.
ليست المعرفة بكثرة الكتب ولا بتعدد المؤلفات، وإنما بالعمل والتعظيم. وقد قال الإمام عبد العزيز البخاري: «ما نلت هذا العلم إلا بالتعظيم». وكان لا يمس كتابًا إلا على طهارة. وكذلك الإمام السرخسي رحمه الله، الذي أملى كتابه العظيم المبسوط وهو في السجن، ملتزمًا بأعلى درجات التعظيم للعلم.
إن العيش الحقيقي للمعرفة يكون بالسلوك والعمل، لا بمجرد الحفظ والنقل. فالعلم إذا لم يتحول إلى تربية، كان وبالًا على صاحبه. نسأل الله أن يلحقنا بالصالحين، وأن يرزقنا علمًا نافعًا، وأدبًا رفيعًا، وتزكيةً دائمة.
الشيخ عبد الرحمن الخرسه عالم إسلامي من علماء سورية، مواليد دمشق 1971م ، نال إجازة اللغة العربية من جامعة دمشق، وتلقّى العلوم الشريعة على أكابر علماء الشام ومشايخها: كالشيخ عبد الرحمن الشاغوري، والشيخ تاج الدين الكتاني، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ بشير الباري، والشيخ إبراهيم الهندي، والشيخ هشام الصلاحي، وغيرهم…حفظ القرآن الكريم وقرأ القراءات العشرة من طريق الشاطبية والدرّة على الشيخ محمد هيثم منيني، والشيخ أبو الحسن الكردي، وعمل مدرّساً في جامعة الأزهر في البقاع اللبناني، وأسّس دور القرآن في عدّة مناطق في لبنان، بالإضافة إلى إدارة دار القرآن الكريم في إستانبول؛ حيث يقوم بتحفيظ القرآن الكريم وإلقاء الدروس العامّة والخاصّة، ويقوم بالتدريس بطريقة الإجازة في دار الفقهاء في تركيا، ويعمل في تحقيق كتب المذهب الحنفي، من أعمال الشيخ العلمية: تحقيق كتاب تنوير الأبصار، وجامع البحار للإمام التمرتاشي.. حفظه الله تعالى ونفع به.


