كيفية إحياء سنة النبي في هذا العصر، والتحديات التي تواجه عملية الإحياء| المقال الرابع والأخير| التحديات التي تواجه إحياء سنة ﷺ| الشيخ عمر حجازي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هذا هو المحور الرابع من محاور موضوع: كيفية إحياء سنة النبي في هذا العصر والتحديات التي تواجه عملية الإحياء.

تواجه عملية إحياء سنة النبي ﷺ مجموعة من التحديات، يمكن قسمتها إلى قسمين: 1 – تحديات داخلية. 2 – تحديات خارجية.

  • 1- التحديات الداخلية:

إن التحديات التي تواجه إحياء سنة النبي ﷺ، والتي تطل برأسها من نافذة البيت الإسلامي، وتدعي أنها تسعى إلى إصلاحه وتطويره كثيرة، وهي الأشد خطراً؛ لأنها تلبس لبوس الإسلام، وتزعم الحرص عليه، والدعوة إلى إصلاحه، ومن أهم هذه التحديات:

أ- غياب التعاون بين المسلمين:
إن أي دعوة أو عمل ناجح يحتاج إلى جهود كثيرين بمعارف متفرقة، وأفكار متنوعة، تقوم اعوجاجه، وتصوب خطأه، والمؤمن مأمور بالتعاون، فبقدر طاعته لله تعالى يتعاون، وبقدر حبه لنبيه يتعاون، وقد أكدت آيات القرآن الكريم على ذلك، قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [ المائدة:2]. وشبه النبي ﷺ علاقة المسلم بأخيه المسلم بالبنيان، يشد بعضه بعضاً، وشبّك بين أصابعه ﷺ [1].

وحث ﷺ على التزام الجماعة، والعمل معها، فقال: «عليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» [2]، أي: البعيدة عن قطيع الغنم.

ب-  غياب التربية الإسلامية داخل البيت المسلم:

الأسرة أساس التربية، وفيها تتشكل شخصية الإنسان، وإن أهم ركنين فيها هما الأبوان، فعليهما تقع مسؤولية كبيرة في توجيه وإرشاد أبنائهما، ووضعهم على الطريق الصحيح الموافق لسنة النبي ﷺ، وهذا يستدعي معرفتهما بهذا المنهج، من هنا جاء الأمر الإلهي بوقاية الإنسان أهله من النار كما يقي نفسه، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة﴾ [البقرة:24]. ومن لطائف البيان الإلهي أن الله تعالى قال: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ [طه:117]، فقد أفرد في موضع التثنية ، إشارة إلى أن شقاء الزوج شقاء لزوجته، وشقاء الزوجة شقاء لزوجها، وشقاء الأبناء شقاء للآباء، لذلك كان من أعظم نعم الله على عبده جعل أولاده قرة عين له، قال تعالى: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين﴾[الفرقان:74] [3].

ج- الغلو في الدين:

الغلو من أهم التحديات التي تواجه السنة النبوية في سعيها إلى العودة إلى قلوب المسلمين وعقولهم، وظهورها في حياتهم وسلوكهم، ومن جوانب تأثيره على ذلك ما يأتي:

– من طبيعة الغلو أنه منفر للناس، وفي الغلاة من الحدة والغلظة وسوء الظن ما يجعل الناس يبتعدون عنهم، فيكونون سبباً لتمزيق الأمة، وتفريق كلمتها، قال تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران:153].

– الغلو والشدة تدفع إلى أقوال وأفعال ومواقف ليست شرعية، يتوهم أصحابها أنها علامة على الصدق والتضحية في تطبيق الشريعة، وهذا يدفع الكثيرين إلى الابتعاد عن منهج النبي ﷺ وسنته، باعتبار أن هذه السنة هي ما يمثله هؤلاء.

من هنا كان إنكار النبي ﷺ على معاذ بن جبل إطالة الصلاة، ما ألجأ بعض المصلين إلى الخروج من الصلاة فقال: «أفتّان أنت يا معاذ…ثلاث مرارت» [4].

  • 2- التحديات الخارجية:

من التحديات التي تواجهها السنة النبوية في طريق عودتها إلى حياة الناس التحديات الخارجة الوافدة الى المجتمع المسلم من مجتمعات أخرى، ومن أهم هذه التحديات:

أ- الثقافة الوافدة:

إن الإعلام الذي غزانا من شتى بقاع الأرض يؤكد نقيصتين خطيرتين: الإباحية والإلحاد، ليس نظرياً فحسب، بل عملياً أيضا من خلال السلوك.

فعندما يشاهد المسلم والمسلمة مسلسلاً يحكي قصة خيانة زوجية، قامت بها زوجة انتقاماً من زوجها الذي خانها، أليس هذا توجيهاً خطيراً؟

وعندما يشاهد الطفل فيلما كرتونياً يحكي قصة بطل ينزل المطر، وينبت الزرع، فإن هذا توجيه خطير، والأمة مسؤولة عن إيجاد البديل للطفل الذي يتوافق مع منهج الإسلام، ويبعد أطفالنا عن خطر تبني الأفكار التي تلقى عليهم من خلال هذه الأفلام [5].

ب- حملات التشكيك والافتراء الموجهة إلى السنة النبوية:

منذ أن بعث النبي ﷺ، وأقواله وأفعاله تتعرض لمحاولات التشويه والافتراء، ولم تتوقف هذه المحاولات إلى زماننا، لعلم أعداء الإسلام أن السنة هي الناقلة لمنهج النبي ﷺ تفصيلاً، وأن بدونها لا يمكن تطبيق الإسلام؛ لأنها جاءت مفصلة مبينة لكثير مما أجمل في القرآن الكريم.

ومن مظاهر هذه الحملات الدعوة إلى فصل السنة عن القرآن الكريم، والتشكيك في مصادرها، والطعن في صحتها ورواتها [6].

ج- محاولة تطويع السنة للعقل:

ظهرت قديماً بعض الأصوات التي تنادي بعرض السنة على العقل، وجعله حَكَمَاً عليها، فما وافق العقل منها قبل، وما خالفه رد.

ويتمثل الخطر في هذه الدعوة في أنها تلقى رواجاً في أوساط المثقفين، غير المطّلعين على علوم الشريعة.

والحق أن هذه دعوة للفوضى، فأي عقل هذا الذي تعرض عليه السنة النبوية، والعقول تتفاوت في فهمها وقبولها لكثير من الأشياء، وفرق بين عدم إدراك الشيء واستحالته في العقل [7].

نسأل الله أن يعيننا على الالتزام بمنهج نبيه وسنته، ويجعلنا أداة لإحياء العمل بها، والدعوة إليها، إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب نصر المظلوم، (2446)، وصحيح مسلم، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، (2585).

[2] مستدرك الحاكم، من كتاب الإمامة وصلاة الجماعة، (765).

[3] انظر محاضرة للدكتور راتب النابلسي بعنوان: التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة، ص2.

[4] صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب من شكا إمامه إذا طول، (705)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، (465). وانظر مقال: (جناية الغلاة على تطبيق الشريعة)، الشيخ فهد بن صالح العجلان، منشور في موقع (على بصيرة).

[5] انظر محاضرة النابلسي السابقة ص9.

[6] انظر: السعدي، إسحاق بن عبد الله، السنة في مواجهة التحديات، ص6-7.

[7] انظر: المهدي، أيمن محمود، السنة في مواجهة التحديات المعاصرة، ص63.

كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر، والتحديات التي تواجه عملية الإحياء| المقال الثالث| العوامل المعينة على إحياء السنة النبوية والتمسك بها| الشيخ عمر حجازي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ويتناول هذا المقال المحور الثالث في هذا الموضوع، وهو: العوامل المعينة على إحياء السنة النبوية، والتمسك بها،

 ويمكن أن نقسم العوامل التي تعين على إحياء السنة النبوية في سلوك المسلمين، وتدفع إلى التمسك بها إلى قسمين:

أولاً: عوامل تتحقق في الداعي إلى تطبيق السنة والعمل بها، ثانياً: عوامل تتحقق في المادة المقدمة لمن يراد توجيه الدعوة إليه.

  • أولاً: العوامل اللازم تحققها في الداعي إلى التمسك بالسنة والعمل بها:

إن من أهم العوامل المساعدة على حسن تلقي المسلم لمنهج النبي ﷺ وعمله به هو تحلي الداعي والعالم بصفات المعلم الحكيم، واتباعه بعض الأساليب التعليمية والتربوية التي تدفع المتعلم إلى قبول قوله، والمبادرة إلى العمل به، ومن هذه الصفات ما يأتي:

1- العمل بما يدعو إليه: إن ما يتعلمه المسلم من شيخه وأبيه وأمه وأستاذه من فعله أكثر مما يتعلمه من قوله، فتراه يقول إذا سألته، لماذا تفعل كذا؟ إني رأيت أبي أمي… يفعلانه، لذلك كان هذا الأسلوب هو أبرز وأعظم أساليبه ﷺ في التعليم، وهذا نموذج من ذلك:

حديث جابر الطّويل وقصة أبي اليَسَر: «أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا، وفي يده ابن طاب [1]، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فحكّها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال، أيكم يحب أن يُعرض الله عنه؟! قال: فخشعنا، ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟! قلنا: لا، أينا يا رسول الله [2]. قال: فإن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تبارك وتعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت له بادرة [3]، فليقل بثوبه هكذا، ثم طوى ثوبه بعضه على بعض، ثم قال، أروني عبيراً، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخَلوق في راحته، فأخذه رسول ﷺ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة» [4]

فانظر كيف بدأ النبي ﷺ بالفعل بنفسه قبل أن يأمر به غيره، وانظر إلى إتقان العمل وإتمامه، حيث طلب النبي ﷺ طيباً، فطيب به مكان النخامة.

2- الحكمة والموعظة الحسنة في نقل السنة وبيانها:

قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل:125].

إن من الأسباب الداعية إلى إحياء العمل بالسنة النبوية عند جموع المسلمين هو الاهتمام بطريقة عرض سنة النبي ﷺ ومنهجه، فيجب أن يكون الداعي حكيماً في اختيار الأسلوب الذي يدعو به، منوعاً بين الأساليب، بحسب حال من يدعوه، كما كان يفعل النبي ﷺ، ومن أمثلة ذلك:

 عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي ﷺ، ونحن فتيان حَزاورة [5]، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً» [6].

وهذا تدرج في التعليم مراعاة لحال من يعلمه.

  • ثانياً: عوامل تتحقق في المادة المقدمة لمن يراد توجيه الدعوة إليه:

من أهم عوامل نجاح الدعوة إلى سنة النبي ﷺ حسن المحتوى الذي يقدم، وملاءمته لسن وفهم ومستوى من يقدم له، واشتماله على بعض العناصر التي تساعد على حسن تلقيه وقبوله، ومن هذه الأمور الآتي:

1- بيان فوائد بعض السنن النبوية: 

إن مما فطر عليه الإنسان البحث عما ينفعه والتعلق به، والبعد عما يضره، وقد جاءت السنة النبوية مسايرة لهذه الفطرة، ساعية إلى تحقيقها من جميع الجوانب، نذكر منها الجانب الصحي، والجانب الاقتصادي.

أ – الجانب الصحي: دعت السنة النبوية إلى الحفاظ على الصحة بمفهومها العام الشامل للصحة الجسدية والنفسية والروحية، وجعلتها من مقومات الدين وضروراته، ومما جاء في ذلك في الجوانب المذكورة:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [7].

عن أبي هريرة رضي الله عنه، «أن رجلا قال للنبي ﷺ: أوصني، قال: لا تغضب. فردد مرارا، قال: لا تغضب» [8].

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين، ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» [9].

ب – الجانب الاقتصادي: سعى المنهج النبوي إلى الحفاظ على أموال الناس وحمايتها من الضياع، واستغلال مالكها، فحرم الإسلام الربا، لضرره العظيم بتماسك المجتمع المسلم، وحرم الغش، حماية لأموال الناس وحقوقهم، وغير ذلك من الإجراءات التي اتخذها الإسلام للحفاظ على مال المسلم وحمايته.

2-التركيز على المشترك، وترك محل الخلاف:

إن ما يجعل الشاب في حالة اضطراب هو كثرة الخلافات في بعض القضايا الإسلامية الأساسية، فيعرض عن هذا كله، ويتبع ما يظن أنه أثبت جدارته في أرض الواقع، وهو منهج الغرب وطريقة حياته، ودور الداعي هنا أن يوازن بين حكمة الداعي وحكم الفقيه، فيتخير من أحكام الفقهاء ما يخدم هدف جذب الشباب إلى سلوك منهج النبي ﷺ.

ولو أخذنا مثالاً صلاة الجماعة، فإن من حكمة الداعي أن يبتعد عن الخلاف الفقهي في تحقق الجماعة بالواحد، وبأدائها في البيت، ويركز على الفوائد التي يحصّلها المسلم من مجيئه إلى المسجد، من لقاء المسلمين، والتعرف عليهم، وتعلم ما لا يعلمه، إلى غير ذلك من الفوائد.

هذه من أهم العوامل التي تساعد في إحياء السنة النبوية، وبذلك ننهي الكلام عن هذا المحور، وبه ينتهي المقال الثالث.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رجل من أهل المدينة، ينسب إليه نوع من تمرها. والعرجون: العود الأصفر العريض الخالي من الرطب إذا يبس واعوج. أبو غدة، عبد الفتاح، الرسول المعلم، مع بعض تغيير واختصار، ص68.

[2] يعني لا أحد منا يحب ذلك يا رسول الله.

[3] أي غلبته بصقة أو نخامة بدرت منه.

[4] صحيح مسلم، باب حديث جابر الطويل، 3008، سنن أبي داود، باب في كراهية البزاق في المسجد، 485.

[5] جمع (حَزْور)، وهو من قارب البلوغ. الرسول المعلم، ص77، ت (2).

[6] سنن ابن ماجه، باب في الإيمان، 61.

[7] أخرجه البخاري، باب: لا عيش إلا عيش الآخرة، 6412.

[8] أخرجه البخاري، باب: الحذر من الغضب، 6116.

[9] 3371.

كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر، والتحديات التي تواجه عملية الإحياء| المقال الثاني| أسباب تراجع التمسك بالسنة النبوية| الشيخ عمر حجازي

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا هو المقال الثاني من أربعة مقالات في موضوع: كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر، والتحديات التي تواجه عملية الإحياء.

ويتناول المحور الثاني من هذا الموضوع، وهو:

أسباب تراجع التمسك بالسنة النبوية

هناك مجموعة من الأسباب أدّت إلى عزوف المسلمين بمختلف طبقاتهم وأعمارهم عن التمسك بالسنة، يمكن أن نلخصها فيما يأتي:

1- الحياة المادية التي يعيشها المسلمون عموماً، وطغيانها على تفاصيل حياتهم، حتى أصبحت مفرداتها معروفة متكررة، لا تتعدى الجوال والحاسب والطعام والشراب والعمل والنساء؛ حتى استقرّ في عقول كثيرين أن السعادة هي بامتلاك هذه الأشياء، وأن درجة السعادة إنما تقاس بحجم امتلاكه وتعامله مع هذه الأشياء.   

لذلك كان تحذير النبي ﷺ شديداً من الركون إلى الدنيا، والميل إليها، وسماه الوهْن، قال ﷺ: «وليقذِفنَّ الله في قلوبكم الوهْن، فقال قائل: يا رسول الله: وما الوهْن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» [1].

والوهْن: الضعف [2].

2- تراجع الإيمان في قلوب الناس بقلة الأعمال الصالحة، وغلبة المعاصي والسيئات:

إن من سمة هذا العصر السرعة في كل شيء، في الطعام والشراب، والعمل، والوصول إلى المعلومة، والمعصية. 

ومع تيسر أسباب المعصية، وسهولة الوصول إليها مع انتشار القنوات الفضائية، والإنترنت، ومع استثمار شركات عالمية في مجال الفجور والرذيلة؛ أصبح الوصول إلى المعصية وارتكابها أمراً سهلاً هيناً، بكتابة بضع كلمات، وضغط زر واحد يستطيع المرء الوصول إلى ما يحرك شهوته، ويثير غرائزه، لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك؛ فبعد الإثارة تطلب النفس ما هو أبعد من مجرد النظر والرؤية؛ لذلك حذر النبي ﷺ من الاقتراب من حمى الله، خشية الوقوع فيها، وحمى الله محارمه، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ» [3].

3- فقدان الأسوة الحسنة التي يرجع إليها الناس:

إن من أعظم الأسباب الداعية إلى التمسك بفكر أو منهج أو عمل هو وجود الأسوة الحسنة الصادقة في الدعوة إليه، الصابرة على تبليغه والدفاع عنه، العاملة به والمتمثلة له في سلوكها وأفعالها بمستوياتها المختلفة.

لذا كان من أعظم صفاته ﷺ ” العمل والتخلق بالسيرة الحسنة والخلق العظيم، فكان ﷺ إذا أمر بشيء عمل به أولًا، ثم تأسى به الناس، وعملوا كما رأوه، لذا كان أسوة حسنة، قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ [الممتحنة:6].

جاء في الإصابة في تمييز الصحابة في ترجمة الصحابي الجليل: (الجُلَنْلدَى ملك عمان) [4] أنه قال عندما بعث إليه رسول الله ﷺ عمرو بن العاص يدعوه إلى الإسلام: «لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يَغلِب فلا يَبْطَر، ويُغلَب فلا يُهجِر – أي لا يقول القبيح من الكلام – وأنه يفي بالعهد، وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي» [5].

4- سوء عرض بعض المسلمين لمنهج الإسلام وهديه من خلال سلوك متشدد يسيء إلى صورة الإسلام في نفوس أبنائه قبل غيرهم.

والنبي صلى الله عليه وسلم هو أول من حارب التشدد والغلو، ولم يسمح بانتشاره وتمدده، وعبّر ﷺ في غير حديث عن سماحة الإسلام ويسره، ومما قاله: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه…» [6].

وقال ﷺ فيما رواه ابن مسعود: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثاً [7].

والمتنطعون: الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم [8].

5- استغلال غير المسلمين لأزمات المسلمين ومشاكلهم، واستثمارها في ادعاء أن الإسلام لا يملك حلولاً للمشاكل التي يتعرض لها المسلمون منذ عقود، وأن الحل في الابتعاد عن هذا المنهج والاستبدال به طريقة غيرهم.

وإن محاولة أعداء الإسلام التأثير في المسلمين وحرفهم عن منهج نبيهم لم تنقطع منذ بزوغ فجر هذا الدين، وصدق الله القائل: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق…}[البقرة:109].

6- الانبهار الحاصل لدى شباب المسلمين بالغرب.

ويتمثل هذا الانبهار في النقاط الآتية:

  • عد الكثير من شباب المسلمين الغرب النموذج الذي يجب أن يحتذى، فتراهم في كل مناسبة يرددون: انظر إلى الغرب، انظر إلى حياتهم، انظر إلى تطورهم، انظر إلى أخلاقهم.

وإن ذلك من أخطر ما يؤثر في الناشئة، الذي يرتكز في عقله وقلبه فكرة أن الغرب على صواب، وأن منهجه وطريق وأسلوب حياته هو الحق، بدليل ما يحققه من رفاهية وسعادة مادية، وراحة لأبنائه.

  • السعي للذهاب إلى بلادهم بأي ثمن، ولو بالمخاطرة بالحياة بركوب البحر بشكل غير شرعي، وعده الوجود في تلك البلاد هو تحقيق لمستقبله ومستقبل أولاده.

هذه أهم الأسباب التي تؤثر في ابتعاد المسلمين عن منهج نبيهم وسنته.

والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سنن أبي داود، باب في تداعي الأمم على الإسلام، (8713).

[2] الفيومي، المصباح المنير، مادة (و، ه، ن).

[3] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، (52)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، (1599).

.538/1  [4]

[5] أبو غدة، عبد الفتاح، الرسول المعلم وأساليبه في التعليم، ص65 – 66.

[6] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: الدين يسر، (39).

[7] صحيح مسلم، كتاب العلم، باب: هلك المتنطعون، (2670).

[8] النووي، شرح صحيح مسلم، 16/ 220.

كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر، والتحديات التي تواجه عملية الإحياء| مكانة السنة النبوية وأهميتها في التشريع| المقال الأول| الشيخ عمر حجازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الخلق العظيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: فإن من عظيم منة الله تعالى على عباده بعثة خاتم الرسل محمد ﷺ، الذي جاءت شريعته عامة شاملة، مستوعبة كل جوانب حياة الإنسان، ملبية لجميع حاجاتها المادية والمعنوية والروحية والنفسية. باتباعها والسير على نهجها تسمو حياة الإنسان وترتقي، بها تستقر حياة الفرد، ويحصل التجانس بين أفراد الأسرة، ويسير المجتمع بمراعاتها في سبيل قويم مستقيم يوصله إلى السعادة التي ينشدها كل بني الإنسان.

هذا هو المقال الأول من أربعة مقالات عن موضوع “كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر، والتحديات التي تواجه عملية الإحياء”.

أتناول هذا الموضوع إن شاء الله تعالى من أربعة محاور، أتكلم في كل مقال عن محور منها، مع تمهيد في بيان السنة ومعانيها.

  • المحور الأول: مكانة السنة النبوية وأهميتها في التشريع.
  • المحور الثاني: أسباب تراجع التمسك بالسنة النبوية.
  • المحور الثالث: العوامل المعينة على إحياء السنة النبوية والتمسك بها.
  • المحور الرابع: التحديات التي تواجه إحياء سنة النبي ﷺ.

تمهيد: مفهوم السنة:

يطلق لفظ السنة على عدة معان، بعضها لغوي والآخر اصطلاحي. 

الأول: ما يقابل الفرض، يقال: فرض الظهر، وسنة الظهر.

وهذا المعنى اصطلاحي، يستعمله الفقهاء والأصوليون.

الثاني: المروي عن النبي ﷺ من قوله أو فعله أو تقريره أو صفته.

وهي بهذا المعنى تقابل “الكتاب”. وهي المصدر الثاني من مصادر التشريع. والسنة بهذا المعنى يستعملها المحدثون والأصوليون [1].

الثالث: الطريقة والسيرة والمنهج [2]

وهو معنى لغوي للسنة، استخدم كثيراً في كلام الشارع. من ذلك قوله تعالى: ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل﴾ [3]، وقول النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» [4].

وهذا المعنى الأخير هو المقصود بالمقال، وهو الذي يهتم ويعتني به الدعاة والمصلحون.

المحور الأول: مكانة السنة النبوية، وأهميتها في التشريع: 

تمثل السنة التي هي المصدر الثاني للتشريع مرجعاً رئيساً لمن يريد التعرف على نهج النبي ﷺ وسيرته، لذا كان من المهم التعرض للكلام عن مكانتها وأهميتها، وأتناول ذلك من خلال نقطتين:

أ– السنة جانب تطبيقي للإسلام. 

ب– السنة بيان للقرآن وشرح له.

 

أ– السنة جانب تطبيقي للإسلام:

إن حاجة الإنسان للدين كحاجته لطعامه وشرابه، فإن للروح حاجاتها كما للجسد حاجاته. وربما توصّل الإنسان بعقله وتأمله في الكون والإنسان إلى أن للكون خالقاً أبدعه، وللإنسان موجداً برأه وصوره، لكن يعجز بمحض عقله إلى إقامة العلاقة الصحيحة مع خالقه، فإن عقله لا يهديه إلى طبيعة العبادات التي يريدها الخالق من عبده، ولا إلى عددها وأوقاتها، لذلك كانت الحاجة ماسة إلى إرسال رسل يكونون وسطاء بين العبد وربه، يوضحون ويشرحون ما يريد الله من عباده.

يقول ابن القيم في معرض حديثه عن الرسل: “فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير” [5].

من هنا كانت حاجة البشرية إلى بعثة رسول الله محمد ﷺ حاجة كبيرة، لعموم شريعته وكونها ناسخة لشرائع من قبله، لذلك جاءت الآيات مذكِّرة بمنة الله تعالى على عباده، ونعمته ببعثه ﷺ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ …﴾ [6]، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ﴾ [7]، إلى غير ذلك من الآيات.

وحياة النبي ﷺ هي تطبيق عملي للإسلام بكل جهاته وجوانبه، الجسدية والنفسية والروحية والمادية، ولا بد لمن ينشد الجانب العملي للإسلام من أن يقف على سنة النبي ﷺ، فإنها المصدر الأساسي الذي يصف هذا الجانب ويوضحه من خلال سيرته ونهجه صﷺ.

ب– السنة بيان للقرآن وشرح له:

جاء القرآن الكريم بأصول الأحكام والأخلاق وأسسها، وترك مهمة شرح وبيان تفاصيلها للسنة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فبالسنة عرفنا كيف نؤدي هذه العبادات، وعرفنا أوقاتها وأركانها، وغير ذلك من أحكامها.

بل إن السنة انفردت بتشريعات لم يتعرض القرآن لذكرها، مما يمثل جانباً تعاملياً حياتياً، كالوقف والمفقود والشفعة واللقيط واللقطة، وغير ذلك.

هذا هو المحور الأول من محاور هذا الموضوع. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ينظر: فتح الباقي: 1 / 95، وإفاضة الأنوار ص 176.

[2] المصباح المنير، مادة “س ن ن “.

[3] الأحزاب: 38.

[4] أخرجه أبو داود: 4/ 200، (4607)، والترمذي: 4/ 341، (2676)، وابن ماجه: 1/ 29، (43)، وصححه ابن حبان: 1/ 178، (5).

[5] زاد المعاد: 1/ 69. (طبعة مؤسسة الرسالة).

[6] آل عمران: 164.

[7] البقرة: 231. 

المقال الثاني عشر من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – الأنجاس وتطهيرها

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتكلم في هذا المقال عن النجاسات وكيفية تطهيرها، وأتناول فيه النقاط الآتية:

أ – حكم إزالة النجاسة. ب – آلة التطهير. ج – أنواع النجاسة. د – كيفية تطهير النجاسة.


أ – حكم إزالة النجاسة:

تطهير النجاسة فرض من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي فيه. وهو شرط لصحة الصلاة لا تصح الصلاة بدونه.


ب – آلة التطهير:

الأصل في تطهير النجاسة هو الماء، ولو كان مستعملا. ويجوز رفع النجاسة بكل مائع طاهر قالع للنجاسة ينعصر بالعصر، كالخل وماء الورد. أما المائع الطاهر الذي لا يقلع النجاسة، أو لا ينعصر بعصره فإنه لا يجوز التطهير به، وذلك كالزيت والحليب. [1]

وهناك مطهرات فرعية كثيرة غير الماء، نذكر منها ما يأتي:

1 – الدلك: إذا أصابت الخف أو الحذاء نجاسة لها جِرم غير مائعة، كالروث والعذرة، فجفت فدلك الخف والحذاء بالأرض طهر.

2 – المسح: المسح مطهر لكل صقيل لا مسام له تتشرب الأشياء المائعة، كالمرآة والظفر والعظم والزجاج ونحوها، فإذا أصابت هذه الأشياء نجاسة طهرت بالمسح.

3 – الجفاف: وذلك في الأرض خاصة، فإذا أصابت الأرض نجاسة، ثم يبست وذهب أثر النجاسة من لون وريح طهرت، وجاز الصلاة عليها، لكن لا يجوز التيمم منها؛ لأن الشرط في التيمم أن يكون الصعيد مطهرا.

4 – الفرك: وذلك في المني اليابس خاصة. فإذا أصاب المني البدن أو الثوب، فجف فإنه يطهر بفرك المني عنهما. [2]


ج – أنواع النجاسة:

تنقسم النجاسة إلى قسمين:

1 – نجاسة مغلظة: كالدم والغائط والبول والعذرة. ويعفى منها عن مقدار الدرهم، فإن زاد على ذلك لم تصح الصلاة. وقطر الدرهم العربي القديم (37 مم). [3]

2 – نجاسة مخففة: كبول ما يؤكل لحمه من الحيوانات، وكخرء الطير الذي لا يؤكل لحمه. ويعفى منها عن أقل من مقدار ربع العضو الذي أصابته النجاسة، كاليد والكم، والساق وما يغطيها من الثوب. [4]


د – كيفية تطهير النجاسة:

النجاسة نوعان: مرئية وغير مرئية.

1 – المرئية: وهي التي ترى بالعين بعد إصابتها للبدن أو الثوب، كالدم والعذرة. وهذه تغسل حتى تزول النجاسة وتذهب، فإذا زالت ولو بغسلة واحدة طهر البدن والثوب. ولا يضر بقاء أثر النجاسة بعد الغسل مرات عديدة، ولا يجب استعمال الصابون والماء الحار لإزالة هذا الأثر.

2 – غير المرئية: كالبول وعرق ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات. وهذه تغسل حتى يغلب على ظن الغاسل طهارتها، وقد قدر الفقهاء ذلك بثلاث مرات؛ لأن غالب الظن بطهارة البدن أو الثوب يحصل بالغسل ثلاث مرات. ولا بد من عصر الثوب المغسول في كل مرة في هذا النوع من النجاسة حتى يطهر. [5]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

________________________________________________________

[1]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/50/، والحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار ص 46.

[2]انظر المرجعين السابقين /1/50 – 51/، وص 46 – 47.

[3]انظر: شرح بلوغ المرام للشيخ عطية سالم، /12/11/ بترقيم الشاملة.

[4]انظر المرجعين السابقين /1/51 – 52/، وص 47.

[5]انظر المرجعين السابقين /1/53/، وص 48.

 

المقال الحادي عشر من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – الاستحاضة والاستنجاء

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتكلم في هذا المقال عن الاستحاضة والاستنجاء.

 

وأتناول في الأول النقاط الآتية:

أ – المستحاضة ومن في حكمها. ب – حكم صاحب العذر. ج – كيف يثبت العذر وكيف ينقطع؟ د – ما ينقض وضوءه.

 

وفي الثاني النقاط الآتية:

أ – الاستبراء. ب – الاستنجاء. ج – حكم الاستنجاء. د – مكروهات الاستنجاء.


أولا: صاحب العذر

أ – المستحاضة ومن في حكمها:

المستحاضة هي من رأت الدم أقل من ثلاثة أيام، أو أكثر من عشرة أيام. ومثلها أصحاب الأعذار، وهو من به حدث دائم موجب للوضوء، كسلس البول، أو جريان الغائط من البطن، أو الرعاف الدائم، ونحو ذلك.


ب – حكم صاحب العذر:

يتوضأ لوقت كل صلاة، فيصلي بالوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل ضمن الوقت، فإذا خرج الوقت بطل وضوؤه، فيتوضأ إذا أراد أن يصلي صلاة أخرى.[1]


ج – كيف يثبت العذر وكيف ينقطع؟

يشترط لثبوت العذر، ويصير المصاب به صاحب عذر أن يستمر العذر وقت صلاة كاملة، بحيث لا يجد فيه وقتا يسع الوضوء والصلاة خاليا من عذره، ولا يؤثر الانقطاع القليل الذي لا يسع المقدار الذي ذكرناه في ثبوت العذر.

وبعد ثبوت العذر بما ذكرنا لا يشترط استيعاب العذر كالدم لوقت الصلاة، بل يكفي وجوده في جزء من الوقت ولو مرة ليستمر حكم العذر.

أما في حق خروج المعذور عن كونه صاحب عذر فيشترط فيه أن يستوعب انقطاع العذر وقت صلاة كاملا حقيقة، بحيث لا يوجد العذر في أي جزء من أجزائه.[2]


د – ما ينقض وضوءه:

ينتقض وضوء صاحب العذر بحدث آخر غير عذره، كالبول والغائط للمستحاضة مثلا. أما سبب عذره فلا ينتقض به وضوؤه إلا بخروج الوقت كما تقدم.[3


ثانيا: الاستنجاء

أ – الاستبراء:

هو طلب براءة المخرج من أثر رشح البول. فهو خاص بالبول. وهو لازم لا بد منه حتى يزول أثر البول ويطمئن قلبه بعدم بقاء شيء من البول في المخرج، وذلك بنحو مشي أو تنحنح أو حركة أو غير ذلك. ولا يجوز الوضوء حتى يتأكد من زوال أثر البول من مخرجه.


ب – الاستنجاء:

هو استعمال المنديل أو الماء أو غيرهما في إزالة النجاسة عن أحد السبيلين.

وهو سنة مؤكدة من كل نجس يخرج من أحد السبيلين، بول أو غائط أو غيرهما إذا بقيت النجاسة في مكان خروجها، أما إذا تجاوزت المكان الذي تخرج منه النجاسة عادة، وكانت النجاسة بمقدار الدرهم وجب غسلها، وإن زادت على قدر الدرهم افترض غسلها؛ لأنها حينئذ تكون مانعة من صحة الصلاة.

ويستحب الجمع بين المنديل والماء، وأن يستعمل ثلاثة مناديل.


د – مكروهات الاستنجاء:

1 – يكره الاستنجاء بعظم أو بشيء محترم كخرقة ديباج وقطن أو بطعام لآدمي أو بهيمة.

2 – يكره الاستنجاء باليد اليمنى إلا من عذر، كجرح في يده اليسرى.

3 – يكره استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة ولو كان يقضي حاجته في مكان مغلق مخصص لذلك.

4 – يكره أن يبول قائما إلا من عذر كوجع بظهره.

5 – يكره قضاء الحاجة في الماء والظل والجحر والطريق وتحت شجرة مثمرة.

ويستحب أن يدخل الخلاء برجله اليسرى، ويقول قبل دخوله: أعوذ بالله من الخبُث والخبائث.

وأن يخرج برجله اليسرى ويقول بعد خروجه: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.[4]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/47/، والحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار ص 45.

[2]انظر: الدر المختار، ص 45.

[3]المرجع السابق ص 46.

[4]انظر: الشرنبلالي، حسن بن عمار، نور الإيضاح، ص 7 – 8.

المقال العاشر من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – الحيض والنفاس

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتكلم في هذا المقال عن الحيض والنفاس، وأتناول فيه النقاط الآتية:

أ – الحيض لغة وشرعا. ب – أقل الحيض وأكثره. ج – أقل الطهر وأكثره. د – ألوان الدم. ه – انقطاع الدم. و – ما يحرم بالحيض. ز – النفاس لغة وشرعا. ح – أقله وأكثره.


أ – الحيض لغة وشرعا:

الحيض لغة: السيلان. يقال: حاض الوادي، أي سال. وشرعا: دم يخرج من رحم امرأة لا بسبب ولادة.[1]


ب – أقل الحيض وأكثره:

أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، وما نقص عن ذلك فهو استحاضة. وأكثر الحيض عشرة أيام ولياليها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة.[2]


ج – أقل الطهر وأكثره:

أقل الطهر الذي يفصل بين الحيضتين خمسة عشر يوما، ولا حدَّ لأكثره.[3]


د – ألوان الدم:

كل الألوان التي تراها الحائض في مدة الحيض هي حيض، كالأسود والأحمر والأصفر، والكدر الذي يشبه الماء العكر، حتى ترى البياض الخالص.[4]


ه – انقطاع الدم:

له ثلاث حالات:

1 – أن ينقطع لأكثر الحيض: إذا انقطع الحيض لعشرة أيام فإنه يجوز للمرأة أن تصوم، ويجوز لزوجها أن يجامعها وإن لم تغتسل؛ لأنها صارت في حكم الجنب، لكن يستحب لزوجها أن لا يجامعها حتى تغتسل. أما الصلاة فلا تجوز بدون اغتسال؛ لأن من شروطها الطهارة.

2 – أن ينقطع لعادتها: كخمسة أيام أو سبعة أو تسعة، فلا يحل صومها ولا جماعها إلا بأحد شيئين:

  • أن تغتسل
  • أن يمضي عليها وقت صلاة حتى تصير الصلاة دينا في ذمتها، فتأخذ حكم الطاهرات. أما الصلاة فكما مر لا تجوز بدون طهارة.

3 – لأقل من عادتها: كأن تكون عادتها ستة أيام، فتطهر بعد أربعة أيام، فلا يحل جماعها احتياطا، وتغتسل وتصلي وتصوم احتياطا أيضا.[5]


و – ما يحرم بالحيض:

يحرم بالحيض الأمور الآتية:

1 – الصلاة والصوم. وتقضي الصوم دون الصلاة؛ للحرج، لأن الصلاة تتكرر في كل يوم بخلاف الصوم. 2 – دخول المسجد والطواف. 3 – أن يقربها زوجها فيما بين السرة والركبة إلا بحائل، أي ساتر يستر هذه المنطقة من جسدها. 4 – قراءة القرآن ومسه إلا بغلافه المنفصل عنه.[6]


ز – النفاس لغة وشرعا:

النفاس لغة: ولادة المرأة. وشرعا: الدم الخارج عقب الولد.


ح – أقل النفاس وأكثره:

لا حد لأقل النفاس، فقد يكون لحظة واحدة، أما أكثره فهو أربعون يوما ولياليها.

وأحكامه من حيث الانقطاع كأحكام الحيض في الحالات الثلاث المذكورة. ويحرم به ما يحرم بالحيض.[7]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

____________________________________________

[1]انظر: الحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار، ص 43.

[2]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/42/.

[3]انظر: الدر المختار، ص 43.

[4]انظر المرجعين السابقين.

[5]انظر: اللباب، /1/44/، وابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار/1/294 – 296/.

[6]انظر الدر وحاشيته /1/292/.

[7]انظر: اللباب /1/48/، والدر ص 45.

المقال التاسع من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – المسح على الخفين والجبيرة

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتكلم في هذا المقال عن المسح على الخفين من خلال النقاط الآتية:

تعريف الخف. حكم المسح على الخفين. شروط المسح عليهما. كيفية المسح. مقدار فرض المسح. مدة المسح. نواقضه. المسح على الجوربين. المسح على الجبيرة.


أ – الخف شرعا:
الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه.[1]


ب – حكمه المسح على الخفين:
جائز بالسنة قولا وفعلا، والأخبار فيه كثيرة مستفيضة.[2]


ج – شروط المسح عليهما:
لجواز المسح على الخفين ستة شروط:

 1 – أن يكونا ساترين للكعبين.

2 – إمكان المشي بهما مسافة فرسخ. والفرسخ ثلاثة أميال. والميل كما مر يساوي “1866,24م”.[3] فلا يجوز المسح على ساتر للكعبين لا يمكن المشي فيه، كخرقة أو جورب رقيق، أو خف كبير واسع.

3 – أن يمسكا الرجل من غير ربطهما بخيط أو حبْل.

4 – لبسهما بعد غسل الرجلين، ولو قبل تمام الوضوء.

5 – أن يكون وضوؤه تاما عند الحدث الذي يكون بعد لبسهما. فلو كان ناقصا، كأن ترك مسح رأسه مثلا فلا يجوز له المسح على خفيه.

6 – أن يكون الحدث الذي بعد لبس الخفين حدثا أصغر، فإن كان أكبر موجبا للغسل فلا يجوز المسح عليهما.[4]


د – كيفية المسح:

المسح يكون بالأصابع مفرجة على شكل خطوط، يبدأ من رؤوس أصابع الرجل إلى الساق. ولو مسح بباطن كفه جاز.[5]


ه – مقدار فرض المسح:

المقدار الذي يفترض مسحه من الخف هو ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد طولا وعرضا.[6]


و – مدة المسح:

يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها. وتبدأ المدة بعد الحدث الذي يكون بعد لبسهما على طهارة.[7]


ز – نواقض المسح:

ينقضه أحد ثلاثة أشياء:

1 – كل ما ينقض الوضوء من الأمور التي تقدم الكلام عليها. 2 – خلع الخف، أو خروجه بنفسه من الرجل. 3 – مضي المدة. فإن مضت المدة وكان متوضأ يخلع الخفين ويغسل رجليه فقط، وإن لم يكن متوضأ توضأ وضوءا كاملا.[8]


ح – المسح على الجوربين:

يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين، أي سميكين، بحيث يمسكان الرجلين من غير ربطهما بخيط أو حبل، ويمكن المشي عليهما المسافة التي ذكرناها في الخف، ولا ينفذان الماء إلى القدمين.[9]


ط – المسح على الجبيرة والعصابة:

الجبيرة: ما يوضع على الكسر من أعواد ليلتئم. والعصابة: الخرقة التي توضع على الجرح.

يجوز المسح على الجبيرة والعصابة وإن لم يكن متوضئا حين ربطهما، بخلاف الخف فإنه يجب لبسه على طهارة، كما مر.

ومن أحكامهما ما يأتي:

1 – إن انحلت الجبيرة أو العصابة ولم يكن قد شفي ما تحتهما فلا يبطل المسح عليهما، وإن كان قد شفي بطل المسح، فيجب غسل مكانهما.

2 – إذا زادت الجبيرة أو العصابة عن مكان الكسر أو الجرح، فعندنا أربع حالات:

أ – أن يضره فكها والمسح على مكان الكسر والجرح: يمسح على جميع الجبيرة والعصابة.

ب – أن لا يضره فكها ولا المسح عليها: يغسل ما حول الكسر أو الجرح، ويمسح على مكانهما.

ج – أن يضره المسح عليها ولا يضره فكها: يغسل ما حول الجرح، ويمسح على الخرقة التي على الجرح.

د – أن يضره فكها ولا يضره المسح عليها: يمسح على جميع الجبيرة والعصابة.[10]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

_________________________________________________________

[1]انظر: الحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار، ص 40.

[2]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/36/، والدر المختار، ص 40.

[3]انظر: قلعجي، محمد رواس، معجم لغة الفقهاء، ص 440.

[4]انظر: الشرنبلالي، حسن بن عمار، نور الإيضاح، ص 14 – 15.

[5]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/37/.

[6]انظر: المرجع السابق /1/38/.

[7]انظر: المرجع السابق /1/37/.

[8]انظر: المرجع السابق /1/38/.

[9]انظر: المرجع السابق /1/40 – 41/.

[10]انظر: ابن الهمام، محمد بن عبد الواحد السيواسي، فتح القدير للعاجز الفقير، /1/159/.

المقال الثامن من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – التيمم

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتكلم في هذا المقال عن التيمم من خلال النقاط الآتية:

تعريفه. الأسباب المبيحة له. آلته. كيفيته. نواقضه.

أ – تعريفه:

هو لغة: القصد. قال تعالى: )ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون( [البقرة: 267].

وشرعا: مسح الوجه واليدين بالصعيد الطاهر.[1]

ب – الأسباب المبيحة له:

يجوز التيمم إذا عجز عن استعمال الماء، وأسباب العجز سبعة:

1 – بُعد الماء: إذا كان الماء بعيدا مقدار ميل في المدينة أو القرية أو خارجهما فإنه يجوز التيمم.

والميل” 1866,24م”.[2]

2 – المرض: إذا خاف اشتداد مرضه، أو تأخر شفائه باستعمال الماء جاز له التيمم. ولا بد من غلبة الظن بذلك، بأن يكون عارفا بهذا المرض وبتأثير الماء فيه، أو بقول طبيب مسلم مختص بهذا المرض.

3 – البرد: إذا خاف الجنب من الهلاك أو المرض إن اغتسل بالماء البارد، ولم يمكنه تدفئة الماء، ولا الذهاب إلى حمام بأجرة، يجوز له التيمم، ولو في داخل المدينة أو القرية.[3]

4 – خوف الأذى: على نفسه أو ماله إن هو اقترب من الماء، سواء كان سبب الخوف إنسانا أو حيوانا أو غيرهما كنار.

5 – خوف العطش: سواء خاف العطش على نفسه أو رفيقه الذي يصحبه في السفر، وسواء خاف العطش في الحال أو في أثناء السفر.

6 – عدم آلة: إذا كان الماء في بئر أو نهر، لكن لا يجد شيئا يخرج به الماء، فإنه يجوز له التيمم.[4]

7 – خوف فوات صلاة لا بدل لها: وذلك كصلاة الجنازة وصلاة العيد، فإذا حضرت جنازة، وخاف إن توضأ أن تفوته صلاة الجنازة بكل تكبيراتها جاز له التيمم؛ لأنها لا تعاد. وكذلك إن خاف فوات صلاة العيد بانتهاء الإمام من الصلاة، أو بخروج وقتها بدخول وقت صلاة الظهر جاز له التيمم؛ لأنها لا تعاد ولا تقضى.[5]

ج – آلته:

يجوز التيمم بكل ما كان من الأرض، كالتراب والرمل والحجر ولو أملس لا غبار عليه.[6]

د – كيفيته:

التيمم ضربتان، يضرب بباطن كفيه على التراب ونحوه، فيمسح بهما وجهه مستوعبا كل أجزاء الوجه الذي مر تحديده في الوضوء، ثم يضرب ضربة أخرى كالأولى يمسح بها يديه إلى المرفقين، كما في الوضوء.[7]

والنية في التيمم شرط لصحة التيمم، بخلاف الوضوء، فإن النية فيه سنة، كما مر.[8]

ه – نواقض التيمم:

ينقضه ما ينقض الوضوء، من الأمور التي مر الكلام عليها عند الكلام على نواقض الوضوء.

وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله، وإذا كان في صلاة عند رؤية الماء بطلت صلاته، ووجب عليه إعادتها بعد التوضؤ بالماء الذي وجده.[9]

و – أحكام متعلقة بالتيمم:

1 – يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل.

2 – لا بد أن يكون ما يتيمم به من تراب وغيره طاهرا.

3 – يستحب لمن يغلب على ظنه أنه يجد الماء في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقت الاستحباب، كوقت الإسفار في صلاة الفجر، ووقت الإبراد في صلاة الظهر في الصيف.[10]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصادر والمراجع:

1 – الحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار، ت، عبد المنعم خليل إبراهيم، ط1، دار الكتب العلمي، بيروت، لبنان، 1423هـ – 2002م.

2 – الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب، ت، محمود النواوي ومحي الدين عبد الحميد، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.

3 – قلعجي، محمد رواس، معجم لغة الفقهاء، ط3، دار النفائس، 1431هـ – 2010م.

4 – ابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار، ط2، دار الفكر–، بيروت – لبنان، 1412هـ – 1992م

5 – المرغيناني، علي بن أبي بكر، الهداية شرح البداية، ت، طلال يوسف، دار احياء التراث العربي – بيروت – لبنان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]انظر: ابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار/1/229/.

[2]انظر: قلعجي، محمد رواس، معجم لغة الفقهاء، ص 440.

[3]انظر: الحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار، ص 36 – 37.

[4]انظر المرجع السابق، ص 37.

[5]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/34/، والدر المختار، ص 37.

[6]انظر: الدر المختار، ص 37.

[7]انظر: المرغيناني، علي بن أبي بكر، الهداية شرح البداية، /1/27/.

[8]انظر المرجع السابق، ص 28.

[9]انظر: اللباب، /1/32/، والدر ص 39.

[10]انظر: اللباب، /1/33/، والدر ص 38.

المقال السابع من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – الماء الذي يزال به الحدث

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتناول في هذا المقال الكلام عن الماء الذي يزال به الحدث، والأسباب التي تخرجه عن هذه الصفة، وهي كونه مطهرا.

يجوز إزالة الحدث بالماء المطلق، وهو ماء السماء والأودية والعيون والآبار والأنهار والبحار. قال تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) [الأنفال:11]. وقال صلى الله عليه وسلم عن البحر: (هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتته).[1]

خروج الماء عن كونه مطهرا:

يخرج الماء عن كونه مطهرا بأحد أسباب ثلاثة:

1 – أن يختلط به شيء طاهر فيغلب عليه: والمخالط للماء نوعان: جامد ومائع.

أ – المخالط الجامد: كالحِمِّص والبازلاء والفاصولياء والتراب وأوراق الشجر ونحوها، فله حالتان:

  • أن يطبخ مع الماء: فيخرج الماء عن كونه مطهرا، سواء بقيت فيه أوصاف الماء أم لا.
  • أن لا يطبخ مع الماء: فلا يخرج الماء عن كونه مطهرا حتى يزول عنه طبع الماء، وهو الرقة والسيلان على الأعضاء.

ب – المخالط المائع: كالخل وعصير الليمون والحليب وماء الورد والماء المستعمل ونحوها. فله ثلاث حالات:

  • أن يكون مخالفا للماء في جميع أوصافه: كعصير الليمون، فيخرج الماء عن كونه مطهرا بظهور وصفين من أوصاف عصير الليمون فيه، وهي الطعم واللون والريح، فإن انتقلت رائحة العصير ولونه مثلا إلى الماء لا يجوز استعماله في الطهارة.
  • أن يكون موافقا للماء في بعض الأوصاف: كماء الورد، فإنه موافق للماء في لونه، ومخالف له في رائحته وطعمه، فيخرج الماء عن كونه مطهرا بظهور وصف واحد من الوصفين اللذين يخالف بهما الماء، كالطعم أو اللون.
  • أن يكون مماثلا للماء في جميع أوصافه: كالماء المستعمل، فيخرج الماء عن كونه مطهرا بغلبة الماء المستعمل على الماء المطلق بالأجزاء والكمية، فإن كانت كمية المستعمل أكثر من كمية الماء المطلق خرج الماء عن كونه مطهرا. وكذا إذا كانت مثله احتياطا.[2]

2 – أن تقع في الماء نجاسة: فيخرج الماء عن كونه مطهرا، وللماء حالات:

  • أن يكون جاريا: فلا ينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه؛ لأن النجاسة لا تبقى مع جريان الماء.
  • أن يكون راكدا: فإن كان بحيث إذا حرك أحد أطرافه باليد لا تصل الحركة إلى الطرف المقابل مباشرة، فيجوز التطهر من الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في طرف منه. وإن كانت الحركة تصل إلى الطرف الآخر لا يجوز التطهر من أي طرف إذا وقعت فيه نجاسة.

وقد قدر هذا الماء بعشر أذرع في عشر أذرع، والذراع تساوي (46.656سم)، فالعشر أذرع تساوي (4.66م) تقريبا. فإذا كان طول الماء وعرضه ذلك فإنه يجوز التوضؤ من الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد أطرافه.

  • أن يكون الماء قليلا: كالماء الذي يكون في الأواني، كالإبريق والقنينة ونحوهما، فينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه، سواء ظهر أثر النجاسة في الماء، أو لم يظهر.[3]

ومن النجاسات التي تنجس الماء القليل موت حيوان فيه إذا كان له دم سائل، كالفأرة والقطة والعصفور، أما إذا لم يكن له دم سائل فلا ينجس الماء بموته فيه، كالبق والذباب والعقرب.[4]

ويستثنى من ذلك البئر، فإنه إذا مات فيه حيوان صغير، كالفأرة، يكفي إخراج عشرين دلوا من الماء منها فتطهر، وأربعين دلوا إن كان الحيوان بحجم القطة والدجاجة، وإن كان أكبر حجما من ذلك، كالخروف، فلا بد من إخراج كل الماء.[5]

ج – أن يكون الماء مستعملا: فيخرج عن كونه مطهرا.

ويصير الماء مستعملا بأحد سببين:

  •  أن يزال به حدث أصغر أو أكبر، بأن يتوضأ به ويكون محدثا، أو يغتسل به ويكون جنبا.
  • أن يستعمل على وجه القربة: بأن يتوضأ به ويكون متوضأ ناويا الوضوء وتجديد الطهارة، فإن الوضوء بهده النية يصير عبادة، ويصير الماء مستعملا.[6]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


المصادر والمراجع:

1 – الحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار، ت، عبد المنعم خليل إبراهيم، ط1، دار الكتب العلمي، بيروت، لبنان، 1423هـ – 2002م.

2 – الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب، ت، محمود النواوي ومحي الدين عبد الحميد، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.

3 – الزيلعي، عثمان بن علي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ط1، المطبعة الكبرى الأميرية – بولاق، القاهرة، 1313 هـ.

4 – المرغيناني، علي بن أبي بكر، الهداية في شرح البداية، ت، طلال يوسف، دار احياء التراث العربي – بيروت – لبنان.

5 – الأصبحي المدني، مالك بن أنس، الموطأ، ت، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، 1406هـ – 1985م.

6 – الشافعي، محمد بن إدريس، مسند الإمام الشافعي (ترتيب سنجر)، ت، ماهر ياسين فحل، ط1، شركة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، 1425هـ – 2004م.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء (12)، والشافعي في مسنده، كتاب الطهارة، باب في ماء البحر، وغيرهما.

[2]انظر: الزيلعي، عثمان بن علي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق /1/20/.

[3]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/21 – 22/، والحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار ص 31 – 32.

[4]انظر: اللباب /1/22 – 23/.

[5]المرجع السابق /1/24/.

[6]انظر: المرغيناني، علي بن أبي بكر، الهداية في شرح البداية /1/23/.