سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الثامنة والعشرون | د. محمود مصري



 

                  • الباب السادس: من أحكام الصيام

 

        •  2- بركة السحور

        • عن أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبيُّ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». متفق عليه. [1]

يدلّ الحديث الشريف على فضل السُّحور، وأهميَّته من جهة، وما يترتّب على ذلك الفضل من تعليل الأمر به والحثّ عليه من جهة أخرى، وذلك بكلمات موجزة وفَّت بغرض بيان الفضل والأهميّة من خلال ما يحمله لفظ «بَرَكَةً» من المعاني الغزيرة.

وقد سُمِّي سَحورًا؛ لأنه قرب السَّحَر، وذلك أن وقت السحَر هو آخر الليل قبيل الصبح، وهو الوقت الذي يقع فيه السحور. والسَّحور: اسم لما يُتَسَحَّر به. وقد ورد في رواية: السُّحور، بضمّ السين: مصدر بمعنى التَّسَحُّر.

كما كانوا يسمُّونه الغداء؛ لأنه بدل منه. وقد وردت التسمية من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه يَدْعُو رَجُلا إِلَى السَّحُورِ، فَقَالَ:«هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ». [2]

وفي الحديث الندب إلى تناول طعام السحور وهو أمرُ إرشاد.

– قال ابن المنذر: أجمع العلماء أنه مندوب إليه، ولا إثم على من تركه”. [3]

والبركة هي الخير الكثير الدائم.

– قال الشيخ نور الدين عتر حفظه الله: “وقد أطلقها الحديث، مما يجعلها صالحة للأمور الدنيوية وللأمور الأخروية”.

فمن الخيرات الدنيوية: زيادة النشاط، ومدافعة الضيق الناشئ عن الجوع الزائد، وقوّة البدن.

ومن الخيرات الأخروية: اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب فإنهم لا يتسحّرون، والتسبُّب في الذكر والدعاء وقت الإجابة، وتمرين النفس على التهجُّد والعبادة آخر الليل. [4]

وقد ورد أن رسول الله حضّ أمّته على السَّحور ليكون قوّةً لهم على صيامهم، فعن ابن عباس مرفوعًا: «استعينوا بطعام السَّحَر على صيام النهار، وبالقائلة على قيام الليل». [5]

 

ومن مظاهر هذه البركة ما ذكره ابن الملقّن رحمه الله، فقال: “ولا يبعُد أن يكون من جملة بركته ما يكون في ذلك الوقت من ذكر المتسحِّرين وقيام النائمين وصلاة المتهجِّدين، فإن الغالب ممن قام يتسحَّر يكون منه ذكر وصلاة واستغفار، وشبهه مما يثابر عليه في رمضان. وقال عبادة: كان السحور مستحبًّا ولو على ماء، وكان يُقال لها: أكلة بركة.” [6]

ثمّ إن سنّة السَّحور التي سنَّها لنا رسول الله هي من خصائص هذه الأمة، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» [7]. ويدلُّ الحديث على أن مخالفة اليهود والنصارى مطلب، في كلّ ما يمكن المخالفة فيه؛ لتتميّز شخصية المسلم، ويكون سلوكه الظاهر عنوانًا على توحيده الباطن الذي تفرّد به عمّن سواه من المنتسبين إلى الملل والنحل الأخرى.

 

ويحصل السَّحور بأقل ما يسمّى طعامًا أو شرابًا، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلاَ تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ». [8]

ومما سنّه لنا رسول الله تناول التمر على السحور، كما حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «نعم سحور المؤمن التمر». [9]

وكذلك فقد سنّ لنا رسول الله تأخير الفطور، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقول: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر». [10]

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يغتنم وقت السَّحَر فيما سنَّه لنا رسول الله ، امتثالًا لأمره، ليعود علينا بالبركة التي وعدَ رسول الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الصوم (بَابُ بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) 3/ 29، ومسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ وَتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ) 2/ 770.

[2] ابن خزيمة في الصوم (بَاب ذِكْر الدَّلِيلِ أَنَّ السَّحُورَ قَدْ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَدَاءِ) 2/ 932. وللحديث شاهد من حديث المقدام بن معدي كرب، وعائشة، وأبي الدرداء، وعمر بن الخطاب.

[3] التوضيح لابن الملقن 13/ 132.

[4] إعلام الأنام 2/ 406.

[5] أبو داود في الصوم (باب من سمَّى السَّحور الغداءَ)، وابن خزيمة في الصوم (بَاب الْأَمْرِ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَى الصَّوْمِ بِالسَّحُورِ) 2/ 905. والحاكم 1/ 588. وقال: زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ وَهْرَامٍ لَيْسَا بِالْمَتْرُوكَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا، لَكِنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُخَرِّجَا عَنْهُمَا وَهَذَا مِنْ غُرَرِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ. 

[6] التوضيح 13/ 143.

[7] مسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ وَتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ) 2/ 770.

[8] أحمد 4/ 1678. قال المنذري في الترغيب 2/ 90: إسناده قوي. 

[9] أبو داود في الصوم (بَابُ مَنْ سَمَّى السَّحُورَ الْغَدَاءَ) 2/ 302.

[10] أحمد 35/ 399. ويشهد له حديث ابن عباس: (إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نؤخر سحورنا). قال الهثيمي في “المجمع” 2/ 105: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

 

كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر | المقالة الثالثة | الشيخ عمر حجازي

 

 

 

        • العوامل المعينة على إحياء السنة النبوية، والتمسك بها

 

ويتناول هذا المقال المحور الثالث في هذا الموضوع، وهو: العوامل المعينة على إحياء السنة النبوية، والتمسك بها

 ويمكن أن نقسم العوامل التي تُعين على إحياء السنة النبوية في سلوك المسلمين، وتدفع إلى التمسك بها إلى قسمين:

أولاً: عوامل تتحقق في الداعي إلى تطبيق السنة والعمل بها. ثانياً: عوامل تتحقق في المادة المقدمة لمن يراد توجيه الدعوة إليه.

 

  • أولاً: العوامل اللازم تحققها في الداعي إلى التمسك بالسنة والعمل بها:

إن من أهم العوامل المساعدة على حسن تلقي المسلم لمنهج النبي وعمله به هو تحلي الداعي والعالم بصفات المعلم الحكيم، واتباعه بعض الأساليب التعليمية والتربوية التي تدفع المتعلم إلى قبول قوله، والمبادرة إلى العمل به، ومن هذه الصفات ما يأتي:

    1. العمل بما يدعو إليه:
      إن ما يتعلمه المسلم من شيخه وأبيه وأمه وأستاذه من فعله أكثر مما يتعلمه من قوله، فتراه يقول إذا سألته، لماذا تفعل كذا؟ إني رأيت أبي أمي… يفعلانه، لذلك كان هذا الأسلوب هو أبرز وأعظم أساليبه في التعليم، وهذا نموذج من ذلك:
      «أتانا رسول الله في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب [1]، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال، أيكم يحب أن يُعرض الله عنه؟! قال: فخشعنا، ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟! قلنا: لا، أينا يا رسول الله [2]؟ قال: فإن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تبارك وتعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت له بادرة [3]، فليقل بثوبه هكذا، ثم طوى ثوبه بعضه على بعض، ثم قال، أروني عبيراً، فقام فتى من الحيّ يشتد إلى أهله، فجاء بخَلوق في راحته، فأخذه رسول الله ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطّخ به على أثر النخامة». [4]
      فانظر كيف بدأ النبي بالفعل بنفسه قبل أن يأمر به غيره، وانظر إلى إتقان العمل وإتمامه، حيث طلب النبي طِيْباً، فطيّب به مكان النخامة.

    2. الحكمة والموعظة الحسنة في نقل السنة وبيانها:
      قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: 125].
      إن من الأسباب الداعية إلى إحياء العمل بالسنة النبوية عند جموع المسلمين هو الاهتمام بطريقة عرض سنة النبي ومنهجه، فيجب أن يكون الداعي حكيماً في اختيار الأسلوب الذي يدعو به، منوعاً بين الأساليب، بحسب حال من يدعوه، كما كان يفعل النبي ، ومن أمثلة ذلك:
      عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي ، ونحن فتيان حَزاورة [5]، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيماناً [6]» [7].
      وهذا تدرج في التعليم مراعاة لحال من يعلمه.

  • ثانياً: عوامل تتحقق في المادة المقدمة لمن يراد توجيه الدعوة إليه:

من أهم عوامل نجاح الدعوة إلى سنة النبي حسن المحتوى الذي يقدم، وملاءمته لسن وفهم ومستوى من يقدم له، واشتماله على بعض العناصر التي تساعد على حسن تلقيه وقبوله، ومن هذه الأمور الآتي:

1. بيان فوائد بعض السنن النبوية:

إن مما فطر عليه الإنسان البحث عما ينفعه والتعلق به، والبعد عما يضره، وقد جاءت السنة النبوية مسايرة لهذه الفطرة، ساعية إلى تحقيقها من جميع الجوانب، نذكر منها الجانب الصحي، والجانب الاقتصادي.

أ – الجانب الصحي

دعت السنة النبوية إلى الحفاظ على الصحة بمفهومها العام الشامل للصحة الجسدية والنفسية والروحية، وجعلتها من مقومات الدين وضروراته، ومما جاء في ذلك في الجوانب المذكورة:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [8].

عن أبي هريرة رضي الله عنه، «أن رجلاً قال للنبي : أوصني، قال: لا تغضب. فردد مراراً، قال: لا تغضب». [9]

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان «أن النبي يعوذ الحسن والحسين، ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة».[10]

ب – الجانب الاقتصادي:

سعى المنهج النبوي إلى الحفاظ على أموال الناس وحمايتها من الضياع، واستغلال مالكها، فحرّم الإسلام الربا؛ لضرره العظيم بتماسك المجتمع المسلم، وحرّم الغش؛ حماية لأموال الناس وحقوقهم، وغير ذلك من الإجراءات التي اتخذها الإسلام للحفاظ على مال المسلم وحمايته.

2. التركيز على المشترك، وترك محل الخلاف:

إن ما يجعل الشاب في حالة اضطراب هو كثرة الخلافات في بعض القضايا الإسلامية الأساسية، فيعرض عن هذا كله، ويتبع ما يظن أنه أثبت جدارته في أرض الواقع، وهو منهج الغرب وطريقة حياته، ودور الداعي هنا أن يوازن بين حكمة الداعي وحكم الفقيه، فيتخير من أحكام الفقهاء ما يخدم هدف جذب الشباب إلى سلوك منهج النبي .

ولو أخذنا مثالاً صلاة الجماعة، فإن من حكمة الداعي أن يبتعد عن الخلاف الفقهي في تحقق الجماعة بالواحد، وبأدائها في البيت، ويركز على الفوائد التي يحصلها المسلم من مجيئه إلى المسجد، من لقاء المسلمين، والتعرف عليهم، وتعلم ما لا يعلمه، إلى غير ذلك من الفوائد.

 

هذه من أهم العوامل التي تساعد في إحياء السنة النبوية، وبذلك ننهي الكلام عن هذا المحور، وبه ينتهي المقال الثالث.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رجل من أهل المدينة، ينسب إليه نوع من تمرها. والعرجون: العود الأصفر العريض الخالي من الرطب إذا يبس واعوج. أبو غدة، عبد الفتاح، الرسول المعلم، مع بعض تغيير واختصار، ص68.

[2] يعني لا أحد منا يحب ذلك يا رسول الله.

[3] أي غلبته بصقة أو نخامة بدرت منه.

[4] صحيح مسلم، باب حديث جابر الطويل (3008). سنن أبي داود، باب في كراهية البزاق في المسجد (485).

[5] جمع (حَزْور)، وهو من قارب البلوغ. الرسول المعلم، ص77، ت (2).

[6] المصدر السابق، ص77.

[7] سنن ابن ماجه (باب في الإيمان) (61).

[8] أخرجه البخاري، باب: لا عيش إلا عيش الآخرة (6412).

[9] أخرجه البخاري، باب: الحذر من الغضب (6116).

[10] أخرجه البخاري (3371).

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة السابعة والعشرون | د. محمود مصري

 

 

                • الباب السادس: من أحكام الصيام

 

        • 1- إثبات الشهر:
        • عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبيُّ ﷺ، أو قال: قال أبو القاسم ﷺ:«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» متفق عليه. [1]

هذا الحديث الشريف يحدِّد لنا توقيت بدء الصوم، وتوقيت الفطر، ويربطه برؤية الهلال، كما يبيّن التوقيت حال عدم وضوح الرؤية. 

ومعنى «غُبِّيَ»: خفي. وهذه الرواية «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» تفسِّر لنا رواية الصحيحين: «فاقدروا له»، أي أن يُعتبر الشهر ثلاثين عند وجود ما يحول دون رؤية الهلال. وهو مذهب الجمهور بخلاف الحنبلية الذين حملوا قوله: «فاقدروا له» على: ضيِّقوا له العدد، أي احتسبوا شعبان تسعًا وعشرين، فيُطلب هنا صيام يوم الشكّ، الذي هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يُر الهلال في ليلته لغيم أو نحوه، فيُحتمل أن يكون من رمضان وأن يكون من شعبان. لكن هذه الرواية «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» واضحة في أن المراد التقدير، وليس التضييق. ويدلّ على ذلك حديث عمّار بن ياسر قال: (من صام اليوم الذي يُشَّك فيه فقد عصى أبا القاسم) [2]، الذي حمله الحنابلة على حالة الصحو. [3]

ويتركّب على هذا الحديث قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ[البقرة: 189]، أُخِذَ “الهلال” من استهلال النّاس برفع أصواتهم عند رؤيته، و”المواقيت” هي مقادير الأوقات لعبادتهم وحَجِّهم. [4]

 

قوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» محمولٌ على العادَةِ بمشاهدة الشّهر، وهي رؤية الهلال. وليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حقّ كلّ واحد؛ بل المراد بذلك رؤية بعضهم، فالمعنى: إذا وجِدت الرؤية بينكم فصوموا.. أي يجب الصوم على الجميع برؤية البعض، وهذا يدلّ على أنه يُلزَم أهل كلّ بلد أن يصوموا برؤية أهل بلد آخر، وهو مذهب الجمهور.

– قال ابن عابدين: “لتعلُّق الخطاب عامًّا بمطلق الرؤية” في حديث «صوموا لرؤيته».

– وقال الشافعية: إنه يُعتبَر اختلاف المطالع، فلا يجب على أهل كلّ أفق الصوم إلا بثبوت رؤية الهلال في أفقهم، واستدلّوا بقوله: «إذا رأيتموه فصوموا»، فقالوا: هو خطاب لأناس مخصوصين به.

– قال الشيخ نور الدين عتر رحمه الله: “لكن لا يخفى أنه بعد أن اتفقوا على اعتبار رؤية الواحد والاثنين رؤية للجماعة، فقد دلّ على عدم خصوص الصوم، بل إنه يعمّ جميع الناس، وذلك صريح حديث «صوموا لرؤيته». [5]

 

ثم إن قوله ﷺ: «صوموا لرؤيته» يدلّ على أن الرؤية بالعين أو الأجهزة المساعدة هي الأصل في إثبات الأهلّة، والحساب هو قرينة اعتبرها بعضهم مطلقًا، كارتباط أوقات الصلاة بالساعة، لا سيّما بعد تطوّر الحساب ودقّته اليوم، وبعضهم أنكر القرينة (الحساب) مطلقًا، وبعضهم توسّط فاعتمد الحساب في الدفع دون الاستحقاق، فإذا ثبت بالحساب عدم إمكانية الرؤية فلا تقبل الشهادة بالرؤية، وإذا قالوا إنه ولد ويمكن رؤيته، فلا يقتضي الإثبات؛ لأن الإمكان ليس مقتضيًا للوقوع.

وقد حمل التابعي الكبير مطرِّف بن عبد الله وأبو العباس بن سريج الفقيه الشافعي وابن قتيبة وآخرون، حملوا «فاقدروا له» على: قدِّروه بحسب المنازل. والجمهور على أن المقصود بها: (فأكملوا العدّة ثلاثين)، كما بيَّنت الروايات الصحيحة.

لكن الإمام أبا العباس بن سريج لم يحمل إحدى الروايتين على الأخرى؛ بل نقل عنه ابن العربي أن قوله: «فاقدروا له»: خطاب لمن خصّه الله بهذا العلم، وأن قوله: «أكملوا العدّة» خطاب للعامّة. [6]

وذلك أن الفتوى ربّما تختلف باختلاف الزمان والمكان، فهذه الأمّة اليوم خرجت عن أمّيتها بتوفر أدقّ المعلومات الحسابية الفلكيّة، التي تعتمد على مراصد فلكية وأجهزة تقنية غاية في الجودة متوفّرة في أنحاء العالم. وقد ذهب إلى إثبات الهلال بالحساب الفلكي فقهاء كبار معاصرون، كالشيخ مصطفى الزّرقا رحمه الله.

 

      • وثمّة سؤال يتبادر هنا، وهو: هل تُقبَل شهادة الواحد لإثبات الهلال، أو لا بدّ من اثنين؟
  • فقد قال الشافعية والحنبلية: يكفي الواحد، بشرط أن يكون عدلا عند الحنبلية، ويكفي أن يكون مستور الحال عند الشافعية. واستدلّوا بحديث ابن عمر: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه» [7]
  • وقال الحنفية والمالكية: إذا كانت السماء صحوًا فلا بدّ من رؤية جمعٍ حتى يقع العلم الشرعي، أي غلبة الظنّ بصحَّة خبرهم، لأن المطلِع واحدٌ، والهمم في طلب الهلال متوفِّرة، فالتفرُّد في هذه الحال ظاهرٌ في غلط الراوي. وأما إذا لم تكن السماء صحوًا بسبب غيم أو غبار ونحوهما اكتفى القاضي بشهادة مسلم واحدٍ عدلٍ، أو مستور الحال، رجلًا أو امرأة؛ لأنه إخبار عن أمر دينيّ فصار مثل رواية الحديث عن النبيّ . وحملوا حديث ابن عمر على هذه الحال.

لكن ظاهر الحديث يدلّ على قبول شهادة الواحد العدل مطلقًا.

– قال الشيخ نور الدين عتر رحمه الله: “وفي زمننا يترجَّح هذا لقلّة علم الناس بمطالعة الأهلَّة، ووهن هممهم عن ترائي الأهلّة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله”. [8]

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصائمين عما سوى شهوده، الفائزين برؤيته في دار خلوده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الصوم (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلاَلَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) 3/ 27، ومسلم في الصيام (بَابُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَأَنَّهُ إِذَا غُمَّ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أُكْمِلَتْ عِدَّةُ الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا) 2/ 752.

[2] أبو داود في الصوم (بَابُ كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ) 2/ 300. والترمذي (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ) 3/ 61.

[3] المغني لابن قدامة 3/ 9.

[4] المسالك في شرح موطأ مالك 4/ 152.

[5] إعلام الأنام لعتر 2/ 398.

[6] انظر فتح الباري لابن حجر 4/ 122.

[7] أبو داود في الصوم (بَابٌ فِي شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ) 2/ 302.

[8] إعلام الأنام 2/ 401.

سلسلة كمال الإسلام وجماله في العقيدة والأحكام والأخلاق | المقالة الثالثة | الشيخ أنس الموسى



          •  الكمال والرحمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

 

فهذه هي المحاضرة الثالثة في سلسلة “كمال الإسلام في العقيدة والأحكام والأخلاق”، وقد ذكرنا في المحاضرة الماضية أن العبودية هي الوصف الذي ألبسه ربنا سبحانه لجميع خلقه، وأن العبادة هي الوظيفة التي خلق الله الإنسان لها، وأن هذه العبادة تنقسم لقسمين إلى ما يمارسه الإنسان بينه وبين الله، وإلى ما يمارسه الإنسان بينه وبين خلقه، وذكرنا قول الله عزوجل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون 115].

 

اليوم نريد أن نتابع ونقول: لمّا أراد الله أن يضع لنا منهجاً نعبده فيه، كان الإسلام هو المنهج الذي اختاره ربنا ليكون نظاماً ينظم علاقتنا بربنا، وبخلقه سبحانه، وقد قال ربنا شاهداً على هذا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً[المائدة 3] فهذه شهادةٌ من الله تبارك وتعالى لهذا النظام الديني الإسلامي الذي أنزله ربنا، وأكمله، وهو الرحمة التي أتمها ربنا سبحانه، وهو الدين الذي ارتضاه لهذه الإنسانية.

لقد كانت رسالة نبينا محمد هي الرحمة الشاملة لجميع العالمين فقال عنها ربنا سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[الأنبياء 107]، وقال عن هذه الرسالة نبينا «إنما أنا رحمةٌ مهداة» [1] فنبوَّتُه رحمة، وسنته رحمة كذلك، ووظائفه التي كلّفه الله بها رحمة كذلك.

إن الله عزوجل عندما كمَّل الإسلام لم يكمِّله من زاوية واحدة فقط؛ فليس الإسلام كاملاً في جانب العبادات فقط، أو الأخلاق فقط، أو العقيدة فقط، وهو في نفس الوقت ناقصٌ في بقية الجوانب؛ بل الإسلام الذي شهد الله له بالكمال كامل في العقيدة، والأحكام، والأخلاق، فهذه هي الرحمة للعالمين التي تحدثنا عنها في رسالة سيدنا محمد ، والتي هي عنوان هذه الشريعة، ووظيفة الرسول .

المسلم يتذوق الكمال في هذا الدين في كل أموره، وأنَّى اتجه لن يجد إلا الكمال، ويخطئ ذلكم التاجر الذي يبحث عمَّن يُقْرِضُه مبلغاً من المال ليوسِّع تجارته فلا يجد إلا القرض الربوي المحرَّم الذي حرَّمه الإسلام؛ فيظن جهلاً منه أن الإسلام يقف في وجه ربحه، وسعادته، وما درى هذا التاجر الذي لم ينظر إلا من زاوية ضيقة، أنه لو تذوَّق أن هذا الحرام يفضي لمفاسد تغلب مصلحته الجزئية التي يسعى لها، ولعلم أن هذا التشريع الذي حرَّم هذا النوع من المعاملات المالية؛ هو محض الرحمة من الله تبارك وتعالى.


تعلو الأصوات التي تنادي بمساواة الرجل للمرأة في الميراث، والتي تدَّعي أن الإسلام هَضَمَ حقها عندما فرق بينها، وبيّن الرجل في بعض مسائل الميراث، وذلك عندما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يُوص۪يكُمُ اللّٰهُ ف۪ي اَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْاُنْثَيَيْنِۚ[النساء 11]، ولو نظر دعاة مساواة المرأة للرجل في الميراث -بإنصاف إلى هذه القضية- لعلموا بما لا يقبل الشكّ أن الكمال كل الكمال في هذا التفريق.


سبق وبيَّنا: أنه لا يجوز أن نقول: إن الإسلام كامل في كلياته، ناقص في جزئياته، فلا يجوز أن ندعي كمال الإسلام في مجال العبادات، وندعي بالمقابل نقصانه في الحرب والقتال في سبيل الله مثلاً، فنحن نعتقد أن قول الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً [المائدة 3]،هو شهادة من الله بكماله في كل الجوانب ولا يوجد جزئية من جزئيات الشريعة، والحياة، إلا وهي تشير صارخة بكمالها، وكمال تشريعها.

نحن نعلم أن الإسلام بمعناه العام: هو الخضوع لأوامر الله عزوجل؛ فالله كتب الإسلام على الكون كله بكل ما فيه، فهو بكل ما فيه خاضع مستسلم منقاد لرب العالمين.

لقد أمرنا ربنا سبحانه أن نسجد له بجباهنا، ولكنه أمرنا بسجود من نوعٍ آخر، هو سجود العقول، والأفكار والمشاعر والأحاسيس؛ وذلك من خلال الخضوع لأحكام الله، وأوامره؛ لأننا آمنا بعقيدة مطلقة قام عليها الدليل العقلي، والنقلي أن الله تبارك وتعالى هو الذي أنزل القرآن، وأرسل الرسل.

كما أن العاقل يتذوق الكمال الممزوج بصفحات هذا الكون، كذلك يجب أن يتذوق هذا الجمال في التشريع الذي تشتمل عليه صفحات كتاب ربنا، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك ولا ريب أنها ستُقِرُّ، وتعترف أن الإسلام كامل.

 

    • مهمات:

1. فرقٌ كبيرٌ بين من يمتنع عن الحرام؛ لأن الله تعالى قال عنه بأنه حرام، وبين من يترك الحرام، وهو يشعر بلذة الاستجابة لأمر الله، مع القناعة التامة بكمال هذا التشريع.

 

2. فرق كبير بين من تكون علاقته مع الناس مُسَيَّجة بسياج الخضوع لأوامر الله عندما يقول هذا حلال، وهذا حرام فقط، وبين من يرى أن هذه الأحكام التي شرعها ربنا هي عين الرحمة، والكمال، والفضل من الله سبحانه

قال تعالى:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ[الحجرات 7]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ[التوبة 128]، وقال أيضاً: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا[الإسراء 9]، وقال أيضاً: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا[طه 124]، وقال أيضاً:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ  [الأنفال 24]، وقال أيضاً: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا  [الأنعام 122]، وقال أيضاً: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل 97].

كل هذه الآيات تشير إلى عظمة الشريعة، وما فيها من أحكام شملت علاقة الخلق ببعضهم، وعلاقتهم بخالقهم سبحانه، فربنا كما علَّمَنا، وأرشدنا للعبادة، وكيفيتها كذلك أرشدنا للطريقة الصحيحة للتعامل مع الخلق، والسبيل الأمثل لها.

لا نستغرب عندما نسمع قول الله عزوجل يقول: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  [آل عمران 110]، كيف وصلت الأمة لهذه الخيرية؟ لا شك عندما يكون ربَّان سفينتها شخص كرسول الله ، الذي أخذ بيدها، بعد أن كادت تغرق في أمواج الشقاء في عباداتها، ومعاملاتها.

لم يربِّ رسول الله صحابته على العبادة، وقيام الليل فقط، بل ربَّاهم ليكونوا قدوة لغيرهم في كل خير، ربَّاهم لنشر الخير، والأمن والرحمة لقد علَّمُوا الإنسانية معناهما من خلال الإسلام، لقد فتحوا العقول قبل الحصون، وأسروا القلوب بنبيل الأخلاق قبل أن يأسروا الصناديد الأبطال، مصداق قول الله عزوجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  [الأنبياء 107].

من المفترض أن البلاد التي هزَّ الإسلام حصونها، ودمَّر قلاعها؛ أن تخرج ثائرة ضد من مرَّغ كبريائها… المفروض أن تخرج ضدهم الثورات، كما يفعل كل شعب تعرض للانكسار و الهزيمة، لكن الذي حصل هو العكس، لقد أزال المسلمون الظلم عن هذه الشعوب بعد دخول أراضيهم، وما فرضوا عليهم الإسلام بقوة السِّنان، بل تركوهم وما يدينون. لقد دخل الإسلام آسِرَاً للعقول، والقلوب فبل أن يدخل الحصون والسدود.

إندنوسيا مثلاً أكبر بلد مسلم، لم يدخلها الإسلام بالسيف والقتال، بل دخلها بأخلاق التجار الذين يحملون كمال الإسلام، ونوره وهديه، صدق الله إذا قال: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء 9]، فهذا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم تَمَثَّلَ في شخص رسول الله الأسوة الحسنة.

 

3. فرق بين أن نتكلم عن الإسلام على أنه موروث نتبادله عاطفياً، وبين أن يكون فكرة راسخة في عقولنا، ومبدأً نيّراً في أخلاقنا.

4. فرق بين أن تكون قضية كمال الإسلام خطبةً تُلْقَى على منبر، أو درساً يلقى في محراب، أو صفحة تكتب في كتاب، وبين أن تكون سلوكاً وواقعاً يعيشه المسلمون في حياتهم كلها؛ فيجب أن نخضع بعقولنا، وقلوبنا لأنوار قول الله عزوجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً [المائدة 3].

 

5. فرق بين أن ترى أحكام الله حواجزاً وسدوداً تقف في وجه مستقبلك، وبين أن تراها حواجز تحجزك عن أودية الهلاك دنياً وآخرة.

6. بعض الناجحين من شباب المسلمين الذين كان للدين الإسلامي، ولكماله الدور الأكبر في نجاحهم من خلال: تعاليمه، وأخلاقه، وتشريعه، عندما يقدم نفسه في شرقٍ، أو غربٍ تجده يتنكَّر لفضل هذا الدين العظيم، الذي لولا تعاليمه، وهداياته لما حصل له هذا النجاح، فتراه يقدِّمُ نفسه ناسباً إياها للمؤسسة التي تخرج فيها دون أي إشارة لصاحب الفضل في نجاحه!!

أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخر الناس بقيس أو تميم

أنا الدَّاعي بإيماني أنا الإسلام رباني

سأُعْلِي رايتي دوماً وأحمي صف إخواني

شعاري دائماً واحد ودربي في الدُّنا خالد

نبينا للهدى رائد وبالإسلام أوصاني

لنا بمحمدٍ مثلٌ بالأصحاب نتصل

نسي هذا الناجح ما قدمه له المسجد، ونسي ما قدمته له الصلاة والقرآن، ونسي ما أرشده إليه الإسلام من كريم الأخلاق وجميل الطباع.

 

7. يسأل بعض الناس أين نِتَاجُ الإسلام؟ نقول له: لقد رأينا ثمار الإسلام في الرعيل الأول الذين رباهم رسول الإسلام فلم يكن أبو بكر الصديق ناجحاً في محرابه فقط، بل كان النموذج الأمثل للقائد والقيادة، ولو نظرنا لحال الصحابة بعد أن توفي قائدهم كيف استطاعوا، وخلال ساعات أن يختاروا من بينهم قائداً جديداً لهذه الأمة المحمدية، دون أي شحناء أو بغضاء أو حقد أو ضغائن، استطاعوا أن يختاروا أميراً جديداً دون أن تكون هناك أحزاب، ولا جماعات، بل إن التاريخ ليشهد كيف كان الناس يتدافعون خلافةَ رسول الله في قيادة الأمة كلهم يرفضها، وما سمعناه من بعض الخلاف لا يعدوا كونه تعبيراً عن الرأي الذي سمح به الإسلام.

 

وأخيراً أختم بنموذج فريد من النماذج التي ربى عليها الإسلام أبناءه قصة المرأة التي تقول لابنتها: “يا ابنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء فقالت لها يا أمتاه وما علمت ما كان من عَزْمَةِ أمير المؤمنين اليوم؟ قالت وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت إنه أمر منادياً فنادى ألا يُشَابَ (يخلط) اللبن بالماء فقالت لها يا بنية قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فإنك بموضع لا يراك عمر، ولا منادي عمر فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه ما كنت لأطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلاء” [2] 

هذه التربية في مدرسة الإسلام، هي التي أثمرت هذه الأمانة، والمراقبة لله عزوجل.

 

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه ابن سعد في الطبقات (1/192)، ابن أبي شيبة في المصنف (11/504)، الحاكم في المستدرك (1/35).

[2] أخرج القصة أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده.  

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة المقالة السادسة والعشرون | د. محمود مصري



              • الباب الخامس: العبادة في رمضان

 

        •  5: التماس ليلة القدر

        • عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» متفق عليه. [1]

هذا الحديث الشريف يرشدنا إلى الحرص على التماس ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، ويدلُّنا على أنها تكون غالبًا في الليالي المفرَدة من العشر الأخير من شهر رمضان. وهذه الليلة المباركة هي أفضل ليالي السنة، وهي من خواصّ هذِه الأمة، ويُستجاب فيها الدعاء؛ ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم.

 

وقد ثبتت هذه الليلة بنصِّ القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، وفي الأحاديث المتواترة. وتسميتها بليلة القدر هي من التعظيم، أي الليلة ذات القدر العظيم الذي لا يقدَّر قدره، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 2]، الذي يفوق ألف شهر ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، وذلك لنزول القرآن فيها، وتنزُّلِ الملائكة ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4]، وعمومِ السلام والأمن العالم ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]. فتسميتها بذلك تكون لشرفها، وتكون لِمَا يَكْتُبُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَقْدَارِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ الَّتِي تَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ[الدخان: 4]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4]،  وَمَعْنَاهُ: يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ مَا سَيَكُونُ فِيهَا، وَيَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ وَظِيفَتِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَتَقْدِيرُهُ لَهُ. [2]

 

ومعنى «تَحَرَّوْا»: أي اطلبوا باجتهاد. وفي رواية لمسلم: «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعُف أحدكم أو عجَز فلا يُغلبنَّ على السبع البواقي»، وفي أخرى: «أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين». وفي بعض طرق البخاري: «التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى»، وفيه: “كانوا لا يزالون يقصون على النبي ﷺ الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر.”

والمشهور عن أبي حنيفة: أنها تدور في السنة كلِّها، وقد تكون في رمضان، وقد تكون في غيره، وصحَّ ذلك عن ابن مسعود. وعند جمع من الصوفية: أنه إذا وافق الوتر ليلة جمعة من العشر الأخير كانت هي ليلة القدر. [3]

 

والسرُّ في ذلك الإبهام لهذه الليلة المباركة أن يجتهد الناس في طلبها، ويكثُر ثوابهم في إحياء الليالي الكثيرة في العبادة والطاعات.

– وعن زرِّ بن حُبيش قال: “سألت أبيّ بن كعب فقلت: إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقُم الحول يصِب ليلة القدر، فقال: رحمه الله أراد أن لا يتّكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ، لا شعاع لها، ثم حلف -لا يستثني- أنها ليلة سبع وعشرين.” [4]

– وقد ذكر ابن حجر رحمه الله في الفتح الخلاف فيها على أربعين وجهًا. لكن رجّح العلماء أنها في العشر الأخير من رمضان، وفي الليالي المفردة خصوصًا، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبعة وعشرين. فمن قصّر عن العشر فليطلبها في ليالي 21، 23 ، 25 ، 27، ومن قصّر عن ذلك فليطلبها في 27.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبهِ» [5]. فإن قيل: قوله في الحديث المتقدِّم: «من قام رمضان..» الحديث، يغني عن قوله: «ومن قام ليلة القدر»، الحديث، قلنا: المراد من قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر، فلم يغن أحدهما عن الآخر [6]. وأيضا لا تعارض بينهما، فإن كلَّ واحد منهما صالح للتكفير، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل له ذلك.

وعلى القائم في هذه الليلة أن يتحرّى أفضل الدعاء، وأجمعه، وهو الدعاء بالمأثور، ومنه ما ورد في آية: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 202]، ويُكثر من طلب العفو والعافية. وفي البخاري أن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». [7]

 

– ومن علامات هذه الليلة ما ورد في حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا: «إِنِّي كُنْتُ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ نُسِّيتُهَا، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ لَيْلَتِهَا، وَهِيَ لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا، لَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا» [8]

– ومن علاماتها الخاصّة ذكروا أمورًا كثيرة، منها أن يرى كلّ شيءٍ ساجدًا، أو يرى الأنوار ساطعة في كلّ مكان، أو يسمع كلامًا أو خطابًا من الملائكة، لكن لا يلزم أن يطّلع كلّ أحدٍ على شيء من ذلك، فإنّها قد تحصل، ولا يُرى شيءٌ ولا يُسمع، لذلك لزم تحرّيها، وقد ثبت في الحديث: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [9]. فالفضل حاصل لمن قامها إيمانًا واحتسابًا، سواء علمها أو لم يعلمها. [10]

 

وعلى المسلم الحذر من الجدال والاختلاف في هذه الليلة وفي المواسم المباركة خصوصًا، خشية الحرمان من بركتها.

فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ المسلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ». [11]

 

قال ابن الملقّن رحمه الله: “ومعنى «رُفِعَتْ»: أي رفع تعيُّنها، بدليل قوله: «فالتَمِسُوهَا»، فرفِع علمها عنه بسبب تلاحيهما، فحرِموا بركة تعيُّنها، وهو دالٌّ على أن الملاحاة والخلاف تصرف فضائل كثير من الدين، وتحرم أجرًا عظيمًا؛ لأن الله لم يرد التفرق بين عباده إنما أراد الاعتصام بحبله، وجعل الرحمة مقرونة بالاعتصام بالجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ[هود: 118 – 119]، وقد يذنب القوم فتتعدّى العقوبة إلى غيرهم، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى.” [12]

ومعنى قوله: «وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ»: “يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثيرٍ من العمل هو خير من هذِه الجهة”، قاله ابن بطال، وقال ابن التين: “لعلّه يريد أنه لو أخبِرتم بعينها لأقللتم في العمل في غيرها، وأكثرتموه فيها، وإذا غيِّبت عنكم أكثرتم العمل في سائر الليالي رجاء موافقتها.” [13]

 

نسأل الله تعالى أن يسلك بنا سبيل الرشاد لنتلمّس مواطن مرضاته ومحبّته، ونكون حاضرين عند مواسم تنزُّل رحمته، وأن يرزقنا الاعتصام بأهله وخاصَّته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الصوم (بَابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ) 3/ 46، ومسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، وَبَيَانِ مَحَلِّهَا وَأَرْجَى أَوْقَاتِ طَلَبِهَا) 2/ 828.

[2] مرقاة المفاتيح لملا علي القاري 4/ 1436.

[3] التوضيح 13/ 594.

[4] مسلم في 2/ 828.

[5] البخاري في الصوم (بَابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً) 3/ 26.

[6] شرح أبي داود للعيني 5/ 376.

[7] الترمذي في الدعوات 5/ 534.

[8] ابن خزيمة 3/ 330.

[9] البخاري في الإيمان (بَابٌ: قِيَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ) 1/16. 

[10] انظر إعلام الأنام لعتر 2/ 457.

[11] البخاري في الإيمان (بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ) 1/ 19.

[12] التوضيح 13/ 606.

[13]المصدر السابق.

كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر | المقالة الثانية | الشيخ عمر حجازي

 

هذا هو المقال الثاني من أربعة مقالات في موضوع: كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر، والتحديات التي تواجه عملية الإحياء.

ويتناول المحور الثاني من هذا الموضوع، وهو:

        • أسباب تراجع التمسك بالسنة النبوية

هناك مجموعة من الأسباب أدت إلى عزوف المسلمين بمختلف طبقاتهم وأعمارهم عن التمسك بالسنة، يمكن أن نلخصها فيما يأتي:

  1. الحياة المادية التي يعيشها المسلمون عموماً، وطغيانها على تفاصيل حياتهم، حتى أصبحت مفرداتها معروفة متكررة، لا تتعدى الجوال والحاسب والطعام والشراب والعمل والنساء؛ حتى استقر في عقول كثيرين أن السعادة هي بامتلاك هذه الأشياء، وأن درجة السعادة إنما تقاس بحجم امتلاكه وتعامله مع هذه الأشياء.لذلك كان تحذير النبي   شديداً من الركون إلى الدنيا، والميل إليها، وسماه الوهْن، قال  «وليقذِفنَّ الله في قلوبكم الوهْن، فقال قائل: يا رسول الله: وما الوهْن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت». [1]
    والوهْن: الضعف. [2]

  2. تراجع الإيمان في قلوب الناس بقلة الأعمال الصالحة، وغلبة المعاصي والسيئات:
    إن من سمة هذا العصر السرعة في كل شيء، في الطعام والشراب، والعمل، والوصول إلى المعلومة، والمعصية.
    ومع تيسر أسباب المعصية، وسهولة الوصول إليها مع انتشار القنوات الفضائية، والإنترنت، ومع استثمار شركات عالمية في مجال الفجور والرذيلة؛ أصبح الوصول إلى المعصية وارتكابها أمرًا سهلًا هيّنًا، بكتابة بضع كلمات، وضغط زر واحد يستطيع المرء الوصول إلى ما يحرك شهوته، ويثير غرائزه، لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك؛ فبعد الإثارة تطلب النفس ما هو أبعد من مجرد النظر والرؤية؛ لذلك حذر النبي   من الاقتراب من حمى الله، خشية الوقوع فيها، وحمى الله محارمه، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  ﷺ يقول «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ». [3]

  3. فقدان الأسوة الحسنة التي يرجع إليها الناس:
    إن من أعظم الأسباب الداعية إلى التمسك بفكر أو منهج أو عمل هو وجود الأسوة الحسنة الصادقة في الدعوة إليه، الصابرة على تبليغه والدفاع عنه، العاملة به والمتمثلة له في سلوكها وأفعالها بمستوياتها المختلفة.
    لذا كان من أعظم صفاته   “العمل والتخلق بالسيرة الحسنة والخلق العظيم”، فكان   إذا أمر بشيء عمل به أولًا، ثم تأسّى به الناس، وعملوا كما رأوه، لذا كان أسوة حسنة، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الممتحنة:6].
    جاء في الإصابة في تمييز الصحابة في ترجمة الصحابي الجليل: (الجُلَنْلدَى ملك عمان) [4] أنه قال عندما بعث إليه رسول   عمرو بن العاص يدعوه إلى الإسلام: “لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يَغلِب فلا يَبْطَر، ويُغلَب فلا يُهجِر – أي لا يقول القبيح من الكلام – وأنه يفي بالعهد، وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي”. [5]

  4. سوء عرض بعض المسلمين لمنهج الإسلام وهديه من خلال سلوك متشدد يسيء إلى صورة الإسلام في نفوس أبنائه قبل غيرهم.
    والنبي   هو أول من حارب التشدد والغلو، ولم يسمح بانتشاره وتمدده، وعبر   في غير حديث عن سماحة الإسلام ويسره، ومما قاله: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه…». [6]
    وقال   فيما رواه ابن مسعود: «هلك المتنطعون»، قالها ثلاثاً. [7]
    والمتنطعون: الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. [8]

  5. استغلال غير المسلمين لأزمات المسلمين ومشاكلهم، واستثمارها في ادعاء أن الإسلام لا يملك حلولًا للمشاكل التي يتعرض لها المسلمون منذ عقود، وأن الحل في الابتعاد عن هذا المنهج والاستبدال به طريقة غيرهم.
    وإن محاولة أعداء الإسلام التأثير في المسلمين وحرفهم عن منهج نبيهم لم تنقطع منذ بزوغ فجر هذا الدين، وصدق الله القائل: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ... [البقرة:109].

  6. الانبهار الحاصل لدى شباب المسلمين بالغرب.
    ويتمثل هذا الانبهار في النقاط الآتية:
      • أ- عدّ الكثير من شباب المسلمين الغرب النموذج الذي يجب أن يُحتذى، فتراهم في كل مناسبة يرددون: انظر إلى الغرب، انظر إلى حياتهم، انظر إلى تطورهم، انظر إلى أخلاقهم.
        وإن ذلك من أخطر ما يؤثر في الناشئة، الذي يرتكز في عقله وقلبه فكرة أن الغرب على صواب، وأن منهجه وطريق وأسلوب حياته هو الحق، بدليل ما يحققه من رفاهية وسعادة مادية، وراحة لأبنائه.
      • ب- السعي للذهاب إلى بلادهم بأي ثمن، ولو بالمخاطرة بالحياة بركوب البحر بشكل غير شرعي، وعدّه الوجود في تلك البلاد هو تحقيق لمستقبله ومستقبل أولاده.

هذه أهم الأسباب التي تؤثر في ابتعاد المسلمين عن منهج نبيهم وسنته .

والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سنن أبي داود، باب في تداعي الأمم على الإسلام (8713).

[2] الفيومي، المصباح المنير، مادة (و، ه، ن).

[3] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (52)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599).

[4] 1 /538.

[5] أبو غدة، عبد الفتاح، الرسول المعلم وأساليبه في التعليم ص65 – 66.

[6] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: الدين يسر (39).

[7] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: الدين يسر (39).

[8] النووي، شرح صحيح مسلم 16 /220.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الخامسة والعشرون | د. محمود مصري



                • الباب الخامس: العبادة في رمضان

 

        •  4- الاعتكاف في رمضان


        • عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «كَانَ النَّبِيُّ  يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا» البخاري. [1]


هذا الحديث الشريف يبيِّن لنا لونًا آخر من ألوان العبادة التي سنَّها لنا رسول الله في رمضان، كما أنه يوجّه المتبِّع له إلى الاستكثار من هذه العبادة خصوصًا، ومن كلّ عبادة عمومًا، إذا تقدَّمت به السنّ.

 

– قال ابن الملقِّن رحمه الله: “إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض من أجل أنه علم بانقضاء أجله، فأراد استكثار عمل الخير، ليسنَّ لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر، ليلقوا الله على خير أحوالهم” [2].

– وَقِيلَ: “السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مَرَّةً فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَارَضَهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ فَلِذَلِكَ اعْتَكَفَ قَدْرَ مَا كَانَ يَعْتَكِفُ مَرَّتَيْنِ.” [3]

 

وقوله: «كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ» فيه: دلالة على أن الاعتكاف من السنن المؤكَّدة، لمواظبة الشارع عليها، فعلى المسلم الاقتداء برسوله في إحياء هذه السنّة.

– وقالت الحنفية: الاعتكاف سنّة كفاية، أي إذا تركها أهل بلدة كانوا مسيئين.

ذُكِر عن ابن شهاب أنه كان يقول: “عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وأن رسول الله ﷺ لم يتركه منذ دخل المدينة، كلَّ عام في العشر الأواخر حَتَّى قبضه الله”. [4]

 

والاعتكاف: هو الإقامة في مسجد الجماعة بقصد الطاعة.

– قال ابن المنذر: “روينا عن عطاء الخراساني أنه كان يقال: مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربه، ثم قال: ربي لا أبرح حَتَّى تغفر لي، ربي لا أبرح حَتَى ترحمني”. [5]

ولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لأمر اضطراري لا بدّ منه، كأن يكون ليس عنده من يأتيه بالطعام والشراب، فيخرج ليأكل ويشرب. قالت عائشة رضي الله عنها: (السُّنة للمعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جَنازة، ولا يَمسَّ امرأة، ولا يباشِرهَا، ولا يخرُجَ إلا لمِا لا بدّ له منه، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) [6]

 

ويبدأ بالاعتكاف -كما قال الأئمة الأربعة- قبل غروب الشمس، أما حديث «كان النبي ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلّى الفجر ثم دخل معتكَفه” فأوّلوه بأنّه تخلّى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك الوقت هو وقت ابتداء الاعتكاف؛ بل كان من قبل المغرب معتكفًا لابثًا في المسجد، فلما صلّى الصبح انفرد». [7]

 


والمساجد في الفضيلة سواء، في الاعتكاف وغيره من العبادات، ولا ميزة لواحد على غيره إلا ما خصّه النبي بقوله: «
لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» [8]. فالسفر لواحد من هذه المساجد للاعتكاف فيه زيادة فضل.

أما السفر لغير هذه المساجد فإنه يأخذ حكم الغرض الذي يسافَر لأجله، سواء كان السفر لمسجد أو لغيره. ويدلُّ على ذلك رواية: «لا تشَدُّ الرحال إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد»، فالمستثنى من جنس المستثنى منه، وليس المستثنى منه عام، وكذلك يرجّحه استحباب السفر لطلب العلم أو زيارة مريض أو صلة رحم، وكذلك إباحة السفر للنزهة. [9]

قوله: فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا”: الظاهر من إطلاق العشرين إنها متوالية، والعشر الأخير منها، فيلزم منه دخول العشر الأوسط فيها، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يختُّص بالعشر الأخير، وإن كان هو فيه أفضل.” [10]

 

ويُستحبُّ للمعتكف الانقطاع إلى الذِّكر والتعبُّد وتجنُّب مخالطة الناس،

فقد ورد أن النبي ﷺ “كان يحتجر حصيرًا يتخلّى فيها عن الناس، فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم، ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحبُّ له مخالطة الناس، حتى ولا لتعلُّم علم وإقراء قرآن؛ بل الأفضل له الانفراد بنفسه، والتخلّي بمناجاة ربِّه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلا يترك به الجمع والجماعات.. فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كلَّ شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربِّه وما يقربه منه، فما بقي له همٌّ سوى الله وما يرضيه عنه، كما كان داود الطائي يقول في ليله: همُّك عطَّل على الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذَّات، وحال بيني وبين الشهوات..

فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلَّما قويت المعرفة بالله والمحبَّة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كلّ حال، كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليا بربِّه فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.

أوحشتني خلواتي … بك من كلِّ أنيسي

         وتفرَّدت فعــاينتــك … بالغيـــب جليسي”   [11]



نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لإحياء سنّة الاعتكاف، وأن يجعلنا ممّن يلازم الطاعات في الخلوات والجلوات، منه الهداية وعليه التكلان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الاعتكاف (بَابُ الِاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ) 3/ 51.

[2] التوضيح 13/ 667.

[3] فتح الباري لابن حجر 4/ 285.

[4] المصدر السابق.

[5] المصدر السابق 13/ 668.

[6] أبو داود 2/ 333.

[7] انظر المنهاج 8/ 69.

[8] البخاري في صلاة التطوّع (مسجد بيت المقدس) 2/ 60، ومسلم في الحج (سفر المرأة مع محرَم..) 2/ 1014.

[9] إعلام الأنام لعتر 2/ 460. 

[10] مرعاة المفاتيح 7/ 149.

[11] لطائف المعارف لابن رجب 191.

سلسلة كمال الإسلام في العقيدة والأحكام والأخلاق | المقالة الثانية | الشيخ أنس الموسى



        •  الإسلام والعبودية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

الله عزوجل خالق الكون، ومنزل الشرائع، وهو المنفرد بالإيجاد والإمداد، تفضَّلَ على الكون بالإيجاد من العدم، خلق الكون فأتقن صنعه، قال تعالى:﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ[النمل 88].

لا نرى في خلق الرحمن تفاوتاً، ولا خللاً، بل النظام والتكامل يسري في صفحات هذا الكون؛ لتكون صفحاته ناطقةً بوحدانية الله، وقيُّوميّته سبحانه، شاهدةً على قدرته وعظيم علمه سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ [تبارك 3].

خلق الله عزوجل الكون، وخلق الإنسان من هذه المكونات فالله سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ ۝ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[الرحمن 3-4] وسخَّرَ هذا الكون لخدمة هذا الإنسان.

 

يسأل الإنسان نفسه بعد أن خلقه الله، وأعطاه جسماً قوياً، وعقلاً مميِّزاً، وأعطاه من المَلَكَات، والإمكانيات ما تجعله سيداً في هذا الوجود: هل يا ترى خلقني الله بكل ما منحني إياه من خلق عجيب، هَمَلاً من غير وظيفةٍ، ولا هدف؟

هل يعيش الإنسان في هذا الوجود غارقاً في نِعَم الله مستمتعاً متلذذاً، يمارس ما يشتهي ويفعل ما يريد، ثم بعد ذلك ليس له وظيفة، وليس عليه التزامات كلَّفَهُ بها خالقه، وخالق هذا الكون؟

لو دخل إنسانٌ جامعةً مثلاً، ورأى فيها ما تَكْمُلُ به هذه الجامعة من مدرِّسِين وطلابٍ وبناءٍ منظّمٍ، ومختبراتٍ بحثيةٍ، وقاعاتٍ وكل ما يحتاجه الطالب ..ثم قيل لنا بعد ذلك: إن هذه الجامعة ليس فيها امتحانات، ولا تعطي شهادة دراسية في نهاية سنيّ الدراسة، والذي ينتهي من الدراسة فيها لن يعمل أي عمل، كيف سينظر هذا الشخص لهذه الجامعة؟ حتماً ستسقط هذه الجامعة من عيونه، ولقال: هذه جامعة لا فائدة منها. …إذا كان هذه شأن جامعةٍ لا تساوي شيئاً أمام خلق الله للكون، وما فيه من إتقان، وأمام خلق الإنسان، وما زوّده به من نِعم، حتى إن الكون كله مسخَّرٌ له، ثم بعد ذلك نقول: لا يوجد للإنسان واجب نحو خالقه؟!

كيف أتصور أن الله الذي خلقني وأوجدني من عدم ليس لي أي التزامات نحوه؟

هل من المعقول أن تكون القضية في الحياة أن يولد الإنسان فيمر بمرحلة الطفولة، ثم الشباب ثم الكهولة ثم الموت، وتنتهي القضية؟!

الحقيقة هذا الإنسان بمختلف مراحل حياته من الطفولة للشباب، للشيخوخة عليه التزامات؛ سيسأله الله عنها يوم القيامة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ[المؤمنون 115].

 

ينبغي لكل عاقل أن يسأل نفسه هذه الأسئلة: هل وظيفتك أيها الإنسان أن تأكل، وتشرب حتى تنتهي حياتك فقط؟

كثيرون هم الأشخاص الذين يقضون حياتهم، وينظرون للخلف قائلين: لقد عملت كذا وعملت كذا، اهتممت بأولادي علمتهم، بوأتهم الجامعات، ربيتهم، وزوجتهم وأسكنت كل واحد بيتاً، وهيّأتُ لهم عملاً يناسبهم، وأنا الآن أدّيت رسالتي في الحياة، وانتهت وظيفتي فالآن أموت، وأنا مرتاح البال …هل هذا الكلام صحيح؟

لا شك أن الإنسان مسؤول عن تربية أولاده، وتحقيق الحياة الطيبة لهم، لكن هذا ليس كل شيء في الحياة هذه ليست الوظيفة الأولى، والأخيرة للإنسان، بل هذا جزء من وظيفته بل جزءٌ بسيط من مسؤولياته، ورسالته.

دعانا ربنا تبارك وتعالى أن نتعرف عليه فعرَفناه بأسمائه، وصفاته ثم بعد ذلك ألا يجدر بنا أن نسأل أنفسنا عن واجبنا أمام هذه المعرفة؟  

ينبغي لكل عاقل أن يسأل نفسه: ما هو واجبي نحو خالقي خالق الكون والإنسان؟

 ينبغي لكل عاقل أن يقف أمام هذه القضية، وهذه الحقيقة، أليس الله الذي إذا وقعتُ في مصيبة نجَّاني؟، وإذا سألته لبَّاني؟، وإذا كنت في شدة كشف عني البلاء؟.. أليس علي واجباتٍ نحوه؟

تَعلَّمْنا العقيدة، وآمنا بالله واليوم الآخر، وأن الجنة حق، والنار حق، ولكن بقي أن نسأل أنفسنا: ماهي الواجبات المترتبة نحو هذه العقيدة، نحو إيماننا بربنا، وما هي لوازم هذا الإيمان؟

الحقيقة إن الله قد بين لنا ذلك، وأجاب عن هذه التساؤلات عندما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات 56]

الله خلق الإنسان؛ ليكون له عبداً، لأنه الذي قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا[مريم 93]

العبودية وصف كتبه الله عزوجل على خلقه جميعاً عندما قال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير [الأنعام 18] فما من مخلوق لله عزوجل إلا وهو مصبوغٌ بصبغة العبادة، والعبودية لله تعالى، فالكون كله يسبح بحمد الله مصبوغ بالعبودية له سبحانه قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا[الإسراء 44].

 

  • العبودية نوعان: عبودية اضطرارية، وعبودية اختيارية.

عبودية اضطرارية: كتبها ربنا على كل واحد فينا على الصغير، والكبير المسلم وغير المسلم المؤمن والملحد التقي والفاسق، الصالح والفاسد.. الجميع عبد لله عزوجل، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير [الأنعام 18] ليس هناك مخلوق في الوجود يخرج عن العبودية لله سبحانه وتعالى، فلا أحد يستطيع أن ينفي أن الله خلقه إلا المكابر المعاند، لكن الأدلة شاهدة على خلاف ما يقول وينفي.

 من يستطيع أن يتنكر لفضل الله ويقول: إنه لا يأكل من رزق الله سبحانه، أو لا يخضع لسلطان الله أو يغيب عن علم الله؟

ليس للإنسان في العبودية الاضطرارية أي فضل بل الفضل أن يكون الإنسان عبداً لله باختياره، عبداً بإرادته، عبداً لله بسلوكه، عبداً لله بفكره، عبداً لله بعمله ظاهره، وباطنه.

نقول للملحد الذي ينكر وجود الله عزوجل: أنت فيك أمران عبودية قهرية اضطرارية خاضع لها شئت أم ابيت، ولْتَجْرُؤ أن تمتنع عن خالقية الله عزوجل لك، ورزقه لك، وحال مرضك، وعندما يدْهَمُكَ الموت ثم تبعث، وتساق مقهوراً لعبوديةٍ كتبها الله عليك حتى لو كنت ظاهراً تنفي وجود الله لكنك في الحقيقة مقهورٌ لعبوديةٍ كتبها الله عليك ولكنك أيها المسكين حُرِمت من عبوديةٍ اختيارية تَشْرُف بها في دنياك، وآخرتك.

 

العبودية الاختيارية: أن نعبد ربنا كما طلب منا، وأن تكون علاقتنا معه، ومع الخلق ومع الكون، كما يرضى ربنا تبارك وتعالى، هذا النوع من العبودية ينقسم إلى قسمين:

1-عبودية يمارسها الإنسان بينه، وبين ربه سبحانه وتعالى.

2-عبودية يمارسها الإنسان فيما بينه، وبين خلق الله عزوجل.

عندما أصوم وأصلي وأحج وأقرأ القرآن …أمارس عبودية وعبادة فيما بيني وبين الله عزوجل، ولكن عندا أبر والديَّ، وأصل الأرحام، وأحسن للجوار، وأصدق في المعاملات، وأعط كل ذي حق حقه أُكْرِمُ الزوجة، وأرعى الأولاد وأقوم بواجباتي نحو خلق الله عزوجل؛ فهذا مظهر من مظاهر العبادة لله عزوجل أمارسها في صورة علاقات اجتماعية، ومالية وما شابه ذلك.

 

من الخطأ حصر العبادة بالنوع الأول، وأن تنفصل العبادة عن النوع الثاني، والمعنى الثاني للعبادة.

من الخطأ أن يكون الإنسان عبداً لله فيما بينه وبين الله في صلاته وصيامه، ثم ينفك عن تلك العبودية في علاقته مع خلق الله عزوجل؛ فتراه يسيء للجوار، ويقصر في بر الوالدين، يغش في معاملاته المالية، إلى غير ذلك من صور التقصير. أليس هذا هو عين التناقض؟

 

الله الذي قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة 110].

هو الذي قال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا[النساء 19].

الله الذي أمر بالصيام عندما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة 183].

هو الذي قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة 278].

الله الذي أمر بالحج عندما قال: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران 97]،

هو الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا[النساء 58] يجب لزاماً أن نزيل أسباب التفريق بين نوعي العبادة، ينبغي أن نعبد الله بكلا العبادتين.

فالله الذي قال: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا[الإسراء 23] فالإحسان للوالدين عبادة لله يمارسها الإنسان في صورة العلاقة الاجتماعية؛  لأن الذي أمر ببر الوالدين قال أيضاً: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَ الْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا[النساء 36] فهناك ترابطٌ بين بر الوالدين وعبادة الله، وعدم الإشراك به.

 

نرى تناقضاً في حياة بعض الناس يتمثل في الفصل بين عبادة تتم في المسجد سلوك خارج المسجد، فهناك حياة دينية مسجدية صلوات، وأذكار، ولكنك تجد إنساناً آخر في العلاقات الاجتماعية خارج المسجد، شخصية في المسجد، وشخصية أخرى مختلفة خارج المسجد.

الحقيقة إن هذا التناقض والفصام لا يرضاه ربنا سبحانه وتعالى؛ لأنه إخلال بالعبودية لله عزوجل فالمفروض أن تظهر العبودية في كل مفاصل الحياة؛ ومن هنا تظهر أهمية الإسلام، فالإسلام لا يأبه بالطقوس الشكلية، ولا يعتمد عليها؛ فهو لا يقبل عبودية في مكان، ولا عبودية في مكان آخر.

ها هو القرآن يعلمنا هذا فنراه يقول لنا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة 188].

ونرى المؤمن في محراب عبوديته لربه يتلوا قول الله عزوجل في أطول آية في كتاب الله عزوجل هي أية المداينة عندما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ [البقرة 282].

 

إن الإنسان ليعجب، وهو يقرأ في محراب عبوديته لربه قول الله عزوجل: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[البقرة 299].

ثم يقف خاشعًا لله عزوجل وهو يقرأ قول الله عزوجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة 178].

يتعجب الإنسان وهو يقرأ قول الله عزوجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيْمٍ[القلم 8] يقرأ كل هذا في محراب عبوديته لربه.

هذا أمر يجب أن نقف عنده ملياً، وأن نعلم أن كمال إيماننا يقتضي إصلاح ما بيننا وبين الله عزوجل، وما بيننا وبين الناس من خلق الله تعالى.

 

إيماننا بالله عزوجل يحتم علينا إحسان صلاتنا وصيامنا، وإحسان ببيعنا وشرائنا، وعلاقتنا مع أرحامنا، وجيراننا، ووالدينا، نتذوق قول رسول الله «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه» [1] كلمة عملاً تدل على عموم أنواع العمل الديني، والدنيوي، وهذا يدل على كمال الإسلام لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ[المائدة ]؛ لذلك فإن شرف العبودية لله تعالى تظهر في تكامل هذه القضية.

 

دين الله عزوجل لم ينزل لنطبقه في المسجد فقط، بل إن الإسلام دين أنزله الله عزوجل لنتعلمه في المسجد، ونطبقه في جزئيات حياتنا.  نتعلم في المسجد قول رسول الله «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» [2]، ولكن لا نطبق هذا في المسجد بل تطبيقه يكون خارج المسجد.

نتعلم في المسجد قول رسول الله «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» [3]، ونطبق هذا الحديث مع الجار في السكن والعمل.

أتعلم في المسجد قول رسول الله «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» [4]، وأطبقه خارج المسجد في صورة علاقتي مع زوجتي وأهل بيتي.

أتعلم في المسجد قول رسول الله «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسئول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها ، وولده وهي مسئولة عنهم ، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» [5]، وأمارس ما تعلمته في علاقتي مع الناس، ومن هم تحت عهدتي.

النبي  من خلال مسجده المتواضع في الصورة والشكل استطاع أن يبني خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ[آل عمران 110].

وأخيراً من أولى الواجبات أن نزيل هذا الفصام بين عبودتنا لربنا في صورة العبادات الشعائرية، وبين عبوديتنا لربنا في صورة العبادات التعاملية، وعلينا أن نتذكر أن هذا كله يدخل في عظمة قول الله عزوجل:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[المائدة 3].

اللهم وفقنا لمحابك، وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

______________________________________

[1] الطبراني، المعجم الأوسط (1/275).

[2] البخاري، الصحيح: كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه بعفاف ح (2076).

[3] مسلم، الصحيح: كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه ح (48886).

[4] ابن ماجه، السنن: باب حسن معاشرة النساء ح (1982).

[5] البخاري، الصحيح، باب قول الله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: 59] ح (6756).

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الرابعة والعشرون | د. محمود مصري

 

 

                • الباب الخامس: العبادة في رمضان

 

        • 3- الاجتهاد في العبادة في رمضان

        • عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» متفق عليه. [1]

هذا الحديث الشريف يظهِر لنا خصوصيّة العبادة في رمضان، واجتهاد النبي في العبادة في العشر الأخير منه على وجه الخصوص. ففي رواية لمسلم: «كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره».

والمئزر والإزار: ما يأتزِر به الرجل من أسفله، وهو هنا كناية عن الجدِّ والتشمير في العبادة. قال سفيان الثوري: “معنى (شدَّ المئزر) هنا: لم يقرب النساء، وهو من ألطف الكنايات”.

«وَأَحْيَا لَيْلَهُ»: يعني باجتهاده في الصلاة والذكر وتلاوة القرآن.

– وفي إحياء الليل وجهان ذكرهما الطيبي رحمه الله، فقال: “أحدهما راجع إلى نفس العابد، فإن العابد إذا اشتغل بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة الموت، فكأنما أحيا نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42]، وثانيهما: أنه راجع إلى نفس الليل، فإن ليله لما صار بمنزلة نهاره في القيام فيه، كأنه أحياه، وزيّنه بالطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم: 50]. [2]

– قال النووي رحمه الله: “وفيه اسْتِحْبَاب إحْيَاء لياليه بالعبادات. وَأما قَول أَصْحَابنَا: يكرَه قيام اللَّيْل، فَمَعْنَاه الدَّوَام عَلَيْهِ، وَلم يَقُولُوا بِكَرَاهَة لَيْلَة وليلتين وَالْعشر.” [3]

– قال الملّا علي القاري رحمه الله: “يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى إِحْيَاءِ أَكْثَرِهِ”. [4]

 

«وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ»: من فقه الرجل أن يحضَّ أهله على عمل النوافل، ويأمرهم بغير الفرائض من أعمال البِّر ويحملهم عليها، وعن ابن عباس: «أنه ﷺ كان يرشُّ على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين» [5]. وفيه ما لا يخفى من الحثِّ على إشاعة الأحوال الإيمانيّة في البيوت.

وإنما فعل ذلك؛ لأنه أخبِر أن ليلة القدر في العشر الأواخر، فسَّن لأمَّته الأخذ بالأحوط في طلبها في العشر كلّه.. ولو أعلم الله عباده أن في ليالي السنة كلّها مثل هذِه الليلة، وأوجب عليهم أن يحيوا الليالي كلّها في طلبها؛ فذلك يسير في جنب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفَقَ تعالى بعباده وجعل هذِه الليلة الشريفة موجودة في عشر ليالٍ؛ ليدركها أهل الضعف، وأهل الفتور في العمل منَّا، منَّةً ورحمة. [6]

والأصل في ذلك هو سنيَّة صلاة التراويح التي هي قيام رمضان، كما في حديث السيدة عائشة: «مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا». [7]

وصلاة التراويح هي سنّة مؤكَّدة باتفاق المذاهب. وهذا الحديث يشير إلى أنّها ثمان ركعات، عدا الوتر، لكنّ الصحابة رضي الله عنهم صلّوا التراويح عشرين ركعة جماعةً، ولم يُنكر أحدٌ منهم ذلك، وكثرت الروايات عن الصحابة بذلك، فكان إجماعًا منهم، فعن يزيد بن خُصيْفَةَ عن السائب بن يزيد قال: (كانوا يقومون في عهد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرؤون بالمئين، وكانوا يتوكّؤون على عِصيِّهم في عهد عثمان بن عفّان رضي الله عنه من شدَّة القيام). [8]

ثمّ إنّ أهل المدينة زادوها في عهد عمر بن عبد العزيز، فصارت ستَّا وثلاثين ركعة، عدا الوتر.

فذهب الأئمة الأربعة وجماهير العلماء إلى أن السنّة في قيام رمضان (التراويح) عشرون ركعة، واختار مالك أن تُزاد إلى ستٍّ وثلاثين، لعمل أهل المدينة بذلك، وقال المالكية: إن كلا الأمرين واسع. [9]

وأكثر ما قيل فيها أن تُصلَّى إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، كما ذكر الترمذي، وقال: “وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ.. وقَالَ أَحْمَدُ: “رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَانٌ وَلَمْ يُقْضَ فِيهِ بِشَيْءٍ.” [10]


وهكذا فقد أخذ فقهاء المذاهب بفعل الصحابة، كما أمرهم النبي : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ» [11]. ولأن هذا يدخل تحت عموم قوله ﷺ: «الصلاة خير موضوع، فمن شاء استقلّ، ومن شاء استكثر» [12]. وشذّ جماعة فخالفوا الصحابة والأئمة، وقالوا: الزيادة على الثمانية بدعة غير جائزة. واعتمدوا على الطعن بحديث يزيد الذي صحَّحه العلماء المعتبرون النُّقاد، وعلى أن التراويح سنّة راتبة فلا يجوز الزيادة عليها، كسنّة الفجر القبلية، وأجيبوا عن هذا بأن فعله ﷺ إحدى عشرة ركعة لا ينفي غيره، لأن العدد لا مفهوم له، أي لا يثبت للعدد مفهوم مخالف، باتّفاق العلماء. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلّى أكثر من إحدى عشرة، كما في البخاري.

وأخرج ابن حبّان وابن المنذر والحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: «أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو أكثر من ذلك». [13]

وقالوا بأن حديث يزيد معارَض بما رواه مالك في الموطّأ “أمر عمر بن الخطّاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة..” وقد أجاب العلماء: أن لا تعارض، فهذا بحسب تطويل القراءة أو تخفيفها، فحيث تطول القراءة تقلُّ الركعات، وحيت تقصُر القراءة تكثُر الركعات. أو أن الإحدى عشرة كانت أول الأمر، ثم استقرّوا على العشرين.

– قال ابن عبد البرّ رحمه الله: “وقد أجمع العلماء أن لا حدّ، ولا شيء مقدَّرًا في صلاة الليل وأنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام وقلّت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود”.

أما ما هو الأفضل: كثرة الركوع أو إطالة القيام؟ 

فقولها في الحديث السابق: «فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ»، يدلّ على تفضيل طول القيام، وذلك أن قراءة القرآن في طول القيام مقدَّمةٌ على الذكر الحاصل في كثرة الرّكعات. وحديث «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود» يشهد لتفضيل كثرة الرّكعات. والله أعلم. [14]

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وأهلينا وأحبابنا ممن يجتهد في العبادة في المواسم الإلهية المباركات، ونسأله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته، وألا يجعلنا من الغافلين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في فضل ليلة القدر (بَابُ العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) 3/ 47، ومسلم في الاعتكاف (بَابُ الِاجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) 2/ 832.

[2] الكاشف عن حقائق السنن 5/ 1625.

[3] عمدة القاري للعيني 11/ 140.

[4] مرقاة المفاتيح 4/ 1441. 

[5] أخرجه الطبراني 11/ 128. وانظر التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقّن 13/ 609.

[6] المصدر السابق.

[7] البخاري في التهجُّد (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ) 2/53.

[8] البيهقي 2/ 496 وما بعد، والمجموع للنووي 3/ 527، وصحَّحه، وكذلك الزيلعي في نصب الراية 2/ 154.

[9] انظر المجموع 3/ 527، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن لرسالة أبي زيد 1/ 407.

[10] الترمذي 3/ 160.

[11] الترمذي في أَبْوَابُ الْعِلْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (بَابُ مَا جَاءَ الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ) 5/ 44. 

[12] صحيح ابن حبّان 2/ 76.

[13] التلخيص الحبير 2/ 39.

[14] انظر إعلام الأنام للعتر 2/ 80 وما بعد، بتصرّف واختصار.

كيفية إحياء سنة النبي ﷺ في هذا العصر | المقالة الأولى | الشيخ عمر حجازي




            • مكانة السنة النبوية وأهميتها في التشريع

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الخلق العظيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد :

فإن من عظيم منّة الله تعالى على عباده بعثة خاتم الرسل محمد ، الذي جاءت شريعته عامة شاملة، مستوعبة كل جوانب حياة الإنسان ، ملبية لجميع حاجاتها المادية والمعنوية والروحية والنفسية. باتباعها والسير على نهجها تسمو حياة الإنسان وترتقي ، بها تستقر حياة الفرد، ويحصل التجانس بين أفراد الأسرة، ويسير المجتمع بمراعاتها في سبيل قويم مستقيم يوصله إلى السعادة التي ينشدها كل بني الإنسان.

هذا هو المقال الأول من أربعة مقالات عن موضوع “كيفية إحياء سنة النبي في هذا العصر، والتحديات التي تواجه عملية الإحياء”.

أتناول هذا الموضوع إن شاء الله تعالى من أربعة محاور، أتكلم في كل مقال عن محور منها، مع تمهيد في بيان السنة ومعانيها.

  • المحور الأول: مكانة السنة النبوية وأهميتها في التشريع.
  • المحور الثاني: أسباب تراجع التمسك بالسنة النبوية.
  • المحور الثالث: العوامل المعينة على إحياء السنة النبوية والتمسك بها.
  • المحور الرابع: التحديات التي تواجه إحياء سنة النبي صلى الله عيه وسلم.

تمهيد:

  • مفهوم السنة: يطلق لفظ السنة على عدة معان، بعضها لغوي والآخر اصطلاحي.
  • الأول: ما يقابل الفرض، يقال: فرض الظهر، وسنة الظهر. وهذا المعنى اصطلاحي، يستعمله الفقهاء والأصوليون.
  • الثاني: المروي عن النبي من قوله أو فعله أو تقريره أو صفته.
    وهي بهذا المعنى تقابل “الكتاب”. وهي المصدر الثاني من مصادر التشريع. والسنة بهذا المعنى يستعملها المحدثون والأصوليون [1].
  • الثالث: الطريقة والسيرة والمنهج [2].
    وهو معنى لغوي للسنة، استخدم كثيرا في كلام الشارع. من ذلك قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ” [الأحزاب: 38]، وقول النبي : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» [3].

وهذا المعنى الأخير هو المقصود بالمقال، وهو الذي يهتم ويعتني به الدعاة والمصلحون.

  • المحور الأول: مكانة السنة النبوية، وأهميتها في التشريع

تمثل السنة التي هي المصدر الثاني للتشريع مرجعاً رئيساً لمن يريد التعرف على نهج النبي وسيرته ، لذا كان من المهم التعرض للكلام عن مكانتها وأهميتها، وأتناول ذلك من خلال نقطتين:

أ- السنة جانب تطبيقي للإسلام. 

ب- السنة بيان للقرآن وشرح له.

 

أ- السنة جانب تطبيقي للإسلام:

إن حاجة الإنسان للدين كحاجته لطعامه وشرابه، فإن للروح حاجاتها كما للجسد حاجاته. وربما توصل الإنسان بعقله وتأمله في الكون والإنسان إلى أن للكون خالقاً أبدعه، وللإنسان موجداً برأه وصوره، لكن يعجز بمحض عقله إلى إقامة العلاقة الصحيحة مع خالقه، فإن عقله لا يهديه إلى طبيعة العبادات التي يريدها الخالق من عبده، ولا إلى عددها وأوقاتها، لذلك كانت الحاجة ماسة إلى إرسال رسل يكونون وسطاء بين العبد وربه، يوضحون ويشرحون ما يريد الله من عباده.

– يقول ابن القيم في معرض حديثه عن الرسل: “فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير” [4].

من هنا كانت حاجة البشرية إلى بعثة رسول الله محمد حاجة كبيرة، لعموم شريعته وكونها ناسخة لشرائع من قبله، لذلك جاءت الآيات مذكرة بمنة الله تعالى على عباده، ونعمته ببعثه ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ… [آل عمران: 164]، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ [البقرة: 231]، إلى غير ذلك من الآيات.

وحياة النبي هي تطبيق عملي للإسلام بكل جهاته وجوانبه، الجسدية والنفسية والروحية والمادية، ولا بد لمن ينشد الجانب العملي للإسلام من أن يقف على سنة النبي ، فإنها المصدر الأساسي الذي يصف هذا الجانب ويوضحه من خلال سيرته ونهجه .

 

ب- السنة بيان للقرآن وشرح له:

جاء القرآن الكريم بأصول الأحكام والأخلاق وأسسها، وترك مهمة شرح وبيان تفاصيلها للسنة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فبالسنة عرفنا كيف نؤدي هذه العبادات، وعرفنا أوقاتها وأركانها، وغير ذلك من أحكامها.

بل إن السنة انفردت بتشريعات لم يتعرض القرآن لذكرها، مما يمثل جانبًا تعاملياً حياتيا، كالوقف والمفقود والشفعة واللقيط واللقطة، وغير ذلك.

هذا هو المحور الأول من محاور هذا الموضوع. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ينظر: فتح الباقي 1/ 95، وإفاضة الأنوار ص 176.

[2] المصباح المنير، مادة “س ن ن “.

[3] أخرجه أبو داود 4 /200 (4607)، والترمذي 4 /341 (2676)، وابن ماجه 1 /29 (43)، وصححه ابن حبان 1 /178 (5).

[4] زاد المعاد 1 /69. (طبعة مؤسسة الرسالة).