الفقه بين الماضي والحاضر: تاريخ علم الفقه للشيخ د. صلاح الشامي
هذه مقالة مقتبسة من ندوة سيكرس عن الفقه بين الماضي والحاضر وتطبيقه في المجتمع
في هذه المقالة، أستعرض الأسس التاريخية لعلم الفقه، حيث يكون حديثي عن الفقه كتاريخ لا كمسائل عملية، وهو تمييز مهم يجب أن يكون واضحًا ل طلبة العلم. فالكلام عن تأريخ العلم يختلف عن الكلام عن مسائل العلم، وينطبق هذا على جميع العلوم الإسلامية، من التفسير والحديث إلى الأصول والمنطق واللغة. إن الخلط بين هذا وذاك قد يوقع الطالب في عدم ترتيب منهجه العلمي بشكل صحيح.
وقد نصح العلماء قديماً بضرورة التوازن بين دراسة الرواية والتفقه، إذ الإكثار من الرواية وحدها قد يبعد الطالب عن صميم العلم. فالتركيز الأكبر ينبغي أن يكون على الدراية والتفهم والتفقه، فيما تشكل دراسة التاريخ العلمي نسبة محددة من الجهد. وهذا يساعد الطالب على تصور العلم بشكل صحيح قبل الخوض في مسائل دقيقة، إذ “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”، كما ذكر العلماء.
الفقه الإسلامي وعلاقته بالعلوم الأخرى
علم الفقه علم جليل مرتبط بالعلوم الأخرى، فهو علم خادم ومخدوم. فالطالب الذي يرغب في التخصص في الفقه يحتاج إلى فهم تلاقيه مع علوم أخرى مثل التفسير، والحديث، وأصول الفقه، وأصول الحديث، واللغة، والمنطق. كذلك، لا يمكن لمتخصص في الحديث أن يتجاهل الفقه، إذ الترابط بين العلوم ضرورة أساسية لفهم شامل.
هذه القضية كانت واضحة عند العلماء، كانت ظاهرة عند العلماء. أذكر لكم بعض الأشياء التي رأيتها في تجربتي ومرت بي في حياتي. أذكر عندما زرت أستاذنا الدكتور عادل سليمان جمال عليه رحمة الله تعالى، وهو من البقية الباقية من تلامذة الأستاذ أبي فهر محمود شاكر عليه رحمة الله. وهو أيضا كما لعلكم تعلمون، هو الذي جمع مقالات الأستاذ محمود شاكر.
الأستاذ عادل، عندما زرته، حكى لي قصة عجيبة جدًا في مسألة الترابط بين العلوم، يقول: كنت أعمل على تحقيق بعض الدواوين الشعرية، وأنا أقرأ في المخطوطة، ووقفت على بيت لم أستطع أن أقرأ هذا البيت من المخطوطة. تعرفون الأمور قديمًا كانت صعبة، وليس مثل أيامنا الآن، نحن نحصل الآن على نسخة المخطوطة مصورة ديجيتال ربما تكون أجود من المطبوعة. أما قديمًا فكانت، يعني، التصوير أبيض وأسود سيئ جدًا، لا تستطيع أن تقرأ فيه بسهولة، فكانوا يبذلون جهدًا كبيرًا. فوقف على كلمة لم يستطع أن يقرأها، ولا أن يفهمها أبداً. فذهب إلى أستاذه محمود شاكر للاستشارة وطلب الإيضاح في هذه الكلمة.
ماذا قال له الأستاذ محمود شاكر؟ لم يقرأها له ويخبره مباشرة هذه الكلمة قراءتها كذا وكذا، وإنما قال له: “لو أنك قرأت كتاب الأم للشافعي لعرفت ما هي هذه الكلمة.” هذا كتاب الأم يعني أقرأ سبع مجلدات، ثمان مجلدات، حتى تحل لي هذه الكلمة. فقال له: طيب، اقرأ كتاب الحج من كتاب الأم. فقال: ذهبت وقرأت كتاب الحج، فما انتهيت حتى أضيئت لي المسألة وعرفت هذه الكلمة التي اختفت وأشكلت علي في المخطوطة.
فالعلوم مترابطة. أنت الآن تحقق في ديوان من الشعر، تحتاج إلى الفقه، وتحتاج إلى التفسير، وتحتاج إلى الحديث. فلا تظنن أنك بالتخصص قد ارتحت من بقية العلوم. لا تظنن أنك بالتخصص ارتحت وألقيت عن كاهلك بقية العلوم، لا تحتاج إليها.
الفقه بين الماضي والحاضر
الفقه الإسلامي استنبطه النبي ﷺ، ثم انتقل إلى الصحابة، الذين بدأوا بتشكيل المدارس الفقهية. الصحابة الذين ذهبوا إلى الأمصار، مثل ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما، أسسوا للمذاهب الفقهية، التي استمرت إلى أئمة كبار مثل الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل.
وهذا التسلسل يوضح استمرارية وتطور الفقه، وليس كما يزعم البعض وجود “عصور ضعف أو تخلف”. الحقيقة أن كل عصر شهد ازدهارًا واستقرارًا علميًا، مع وجود نقاط قوة وضعف في كل مرحلة، وما يُسمى “ضعف الفقه” في بعض العصور، هو في الواقع استقرار العلم وليس تراجعًا.
الاستقرار في العلم لا يعني قلة الإنتاج، بل يعني أن المؤلفات السابقة وصلت إلى درجة كبيرة من الاكتمال، والطلاب يحتاجون إلى التفسير والدراسة لهذه المؤلفات. استقرار العلم يعكس نضج التجربة العلمية وانتقال المعرفة، وليس تقليلاً من شأن العلماء.
أعداد الصحابة والمحدثين والفقهاء
قُبض رسول الله ﷺ عن حوالي 114 ألف صحابي، لكن عدد الرواة منهم لا يتجاوز ألفًا، وعدد كبار المحدثين حوالي 150-200. وفي الفقه، المجتهدون الذين يبرزون بالفتوى والتأليف لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة. هذا يوضح أن التميز في العلم يتطلب جهداً وتركيزاً، وليس مجرد الانخراط في الدراسة.
إن دراسة الفقه بين الماضي والحاضر تتطلب فهم تاريخ الفقه وأصوله وعلاقته بالعلوم الأخرى، مع إدراك أن ازدهار العلم في جميع العصور كان قائمًا، وأن الاستقرار العلمي لا يعني التراجع، بل هو حفظ للعلم ونقله للأجيال القادمة. وعلى الطالب أن يوازن بين دراسة التاريخ والفهم العميق لمسائل الفقه، مع إدراك الترابط بين مختلف العلوم.
الشيخ الدكتور صلاح الشامي حاصل على درجة الدكتوراه في الحديث من الأزهر، وهو عضو في مركز إحياء التراث، ويشغل منصب مدير برنامج “سلم العلوم” في موقع SeekersGuidance.

