بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثاني: خصوصيات الصيام

 خصوصيَّةٌ انفرد بها رسول الله ﷺ

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي)، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: (لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ)، كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. متّفق عليه.[1]

يحمل هذا الحديث الشريف معانٍ عظيمةً جمعت بين التشريع والتحقيق. فالعبادة حتى تكون لائقة يجب أن تؤتى بهمَّة عالية ونشاط، لا يشوبها فتور وملل، وإنَّ تحمُّلَ المكلَّفِ ما لا يطيقه من العبادة سيوقعه بهذا المحظور. قال رسول الله ﷺ: (إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ).[2] ولأجل ذلك كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يترك الشيء وهو يحب أن يفعله، مخافة أن يقتدي به أصحابه، فيشقّ عليهم.

وفي هذا الحديث حكم شرعيٌّ هو النهي عن الوصال، وظاهر النهي أنه للتحريم، وقيل للكراهة. والوصال هو تتابع الصوم من غير إفطار بالليل، وحكمة النهي أنه يورث الضعف والسآمة، والتقصير عن كثيرٍ من الواجبات والطاعات. وقد جاءت في رواية في البخاري زيادة: (فَاكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ). وهذا يدلُّ على اختلاف استعدادات المكلَّفين، ومن هنا قيل: إنه مباحٌ لمن لم يشقّ عليه ذلك.

والمنع مهما كانت درجته يقتضي أنّ من يستنكف عن قبول الرخصة يعاقَب على فعله؛ وإن كان يريد الاقتداء برسوله ﷺ؛ لتجاوزه حدَّه، كما دلَّ عليه الحديث. قال ابن الملقّن رحمه الله: “لما نهاهم الشارع عن الوصال فلم ينتهوا؛ بيَّن لهم أنه مخصوص بالقوّة، وأن الله يطعمه ويسقيه. فأرادوا حمل المشقَّة بالاستنان به والاقتداء فواصل بهم، كالمنكِّل (المعاقِب) لهم على تركهم ما أُمِروا به من الرخصة.”[3] ثم إن الله تعالى لطف بهم بطلوع الهلال.

ومن الواضح أن الصحابة رضي الله عنهم فهموا أن المقصود من ذلك التخفيف عنهم، بدليل مواصلتهم بعد النهي، فلو كان المنع للتحريم، كما في يومي العيدين لما خالفوه، ولما واصل بهم، وقيل: واصل بهم تَأْكِيدًا لزجرهم وبيانًا للمفسدة المترتِّبة على الوصال، وهي الملل من العبادة والتعرّض للتقصير فِي سَائِر الوظائف”.[4] وبكلّ الأحوال فإنه مما لا شكّ فيه أنه كان من الأفضل لهم الوقوف عند نهيه ﷺ مهما كانت مرتبة ذلك النهي، بدليل قوله: (لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ)، كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ. قال ابن العربي: “وتمكينهم مِنْهُ تنكيل لَهُم، وَمَا كَانَ على طَرِيق الْعقُوبَة لَا يكون من الشَّرِيعَة.”[5] والمقصود بالتنكيل: إرادة العقوبة على نحو يعتبر به الآخرون. 

أما عن سؤالهم له ﷺ عَن الْوِصَال: (فَإنَّك تواصل؟) وهم أَكثر النَّاس آدابا! قال العيني رحمه الله: لم يكن ذَلِك على سَبِيل الاعتراض، ولكن على سَبِيل اسْتِخْرَاج الحكم أَو الحكمة أَو بَيَان التَّخْصِيص.[6]

وفي الحديث بيانٌ لمقام رسول الله ﷺ وخصوصيَّته، فلا أحد في أمّته يمكن أن يداني ذلك المقام، وقد صرّح بذلك ﷺ تحدُّثًا بنعمة الله، وتعليمًا لأمَّته، كي يزدادوا معرفة برسولهم. ويترتّب على ذلك ما بيَّنه الحديث من أن ما ثبتت فيه خصوصية لرسول الله ﷺ فلا مجال للتأسّي به في ذلك.

وقد عبّر النبي ﷺ عن هذا المقام بقوله: (أيكم مثلي؟)، أي من يدّعي أنه على صفتي أو أنه بمنزلة قربي من ربّي. وفي قوله هذا صورة فنية بديعة “جاءت عن طريق مجاز الحذف، في دلالة (الواو) عن المحذوف في قوله: (وأيكم مثلي)، فهذه العبارة عطفت على محذوف تقديره “هذا شأني، وأيكم مثلي.”[7]

والمقصود أن الله تعالى يفيض عليه ما يسد مسدَّ طعامه وشرابه، ويبعث فيه القوة على الطاعة، وقيل: يخلُق الله فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب. ويمكن أن يُحمل ذلك على الحقيقة بأن الله تعالى يرزقه الطعام والشراب ليالي رمضان. قال الطيبي: “والقول الأوّل أرجح؛ لأن الاستفهام في قوله: (أيكم مثلي؟) يفيد التوبيخ المؤذن بالبعد البعيد”.[8]

قال الخطّابي: “الوصال من خصائص ما أبيح للنبي ﷺ، وهو محظور على أمته.”[9] وقال ابن حجر رحمه الله فيما يؤخذ من الحديث بهذا الخصوص:

“اسْتِوَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ وَأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ثَبَتَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ بِدَلِيلٍ. 

وَفِيهِ جَوَازُ مُعَارَضَةِ الْمُفْتِي فِيمَا أَفْتَى بِهِ إِذَا كَانَ بِخِلَافِ حَالِهِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُسْتَفْتِي بِسِرِّ الْمُخَالَفَة.ِ

وَفِيهِ الِاسْتِكْشَافُ عَنْ حِكْمَةِ النَّهْيِ.

وَفِيهِ ثُبُوتُ خَصَائِصِهِ ﷺ، وَأَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب: 21 مَخْصُوصٌ.

وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى فِعْلِهِ الْمَعْلُومِ صِفَتُهُ وَيُبَادِرُونَ إِلَى الِائْتِسَاءِ بِهِ؛ إِلَّا فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ.

وَفِيهِ بَيَانُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِيجَادِ الْمُسَبَّبَاتِ الْعَادِيَاتِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ.”[10]

وفي الحديث دلالة على الكمال، فالكمال هو اتباع الشرع؛ لا الزيادة عليه، فتحقُّق العبودية يكون في الوقوف على الأمر والنهي، وانتظاره من الملك المعبود، ومقصود العبد ما يريده منه مولاه، لا يتجاوز ذلك المقصود أبدًا. وذلك أن الطاعات علامات على العبودية لا أكثر، ولن يبلغ بها العبد الوفاء بحقّ مولاه عليه مهما زاد في العبادات. 

ومن معين هذا الكمال الذي يشير إليه الحديث نقول: إن استغناء النبي ﷺ بالغذاء الروحي المعنوي عن الغذاء المادي الحسي هو الذي يجعله في غيبة عما سوى شهود محبوبه ومناجاته، ويحقِّق له مقام: (أبيت يطعمني ربي ويسقين). يقول العلامة ابن رجب الحنبلي رحمه الله أن في قوله ﷺ: (أبيت يطعمني ربي ويسقين) “إشارة إلى ما كان الله يفتحه عليه في صيامه وخلوته بربِّه لمناجاته وذكره من مواد أنسه ونفحات قدسه، فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذّيه ويغنيه عن الطعام والشراب كما قيل:

لها أحاديث من ذكراك تشغلها                عن الشراب وتلهيها عن الزاد

 لها بوجهك نور تستضيء به                 ومن حديثك في أعقابها حادي 

إذا اشتكت من كلال السير أوعدها          روح اللقاء فتحيا عند ميعادِ”[11]

المصادر والمراجع

  • التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف، لعلي صبح، المكتبة الأزهرية للتراث، ط1، 1423هـ/ 2002م.
  • التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي، ت دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر، دمشق، سوريا، ط1، 1429هـ/ 2008م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1/ 1422هـ.
  • عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لأبي محمد محمود بن أحمد بدر الدين العيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، 1379م.
  • الكاشف عن حقائق السنن (شرح الطيبي على مشكاة المصابيح)، لشرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة – الرياض، ط1، 1417هـ/ 1997م.
  • لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار ابن حزم، ط1، 1424هـ/ 2004م.
  • مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ت شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ/ 2001م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

_______________________ 

[1]البخاري في الصوم (باب التنكيل لمن أكثر الوصال) 3/ 37، ومسلم في الصيام (باب النهي عن الوصال في الصوم) 2/ 774.

[2]مسند أحمد 20/ 346.

[3]التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقّن 13/ 420.

[4]عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني 11/ 75.

[5]المصدر السابق 11/ 72.

[6]المصدر السابق.

[7]التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف لعلي صبح 100.

[8]الكاشف عن حقائق السنن 5/ 1585.

[9]معالم السنن 3/ 239.

[10]فتح الباري 4/ 205.

[11]لطائف المعارف 188.