بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الأول: مكانة الصيام في الإسلام

 الصوم عبادة جماعية

عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (‏الصّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، والفِطْرُ يومَ تُفْطِرُونَ، والأضْحَى يَوْم تُضَحُّونَ‏)‏‏.‏ الترمذي.[1]

قال أبو عيسى‏:‏ وفَسّرَ بَعْضُ أهلِ العلمِ هذا الحديثَ، فقال‏:‏ إنّما مَعْنَى هذا، أنّ الصّوْم والفِطْر مع الجَمَاعَةِ وعظَمِ النّاسِ‏.‏ وهذا يعني أن الصَّوم والفطر لا يكون إلا مع الجماعة وجمهور النَّاس، وأنه هو المقبول عند الله تعالى. ومن هنا يتبيَّن غلط من يصوم منفردًا في بلده، أو يفطر منفردًا، بذريعة إثبات هلال الصوم أو الفطر في بلاد أخرى.

ولذلك احتجّ الشافعي بالحديث على أنه إذا شهد الشهود بعد ما استكملنا صوم الثلاثين وأمسينا أن اليوم الثلاثين كان يوم الفطر: إما لرؤيتهم الهلال ليلة الثلاثين، أو لرؤيتهم هلال رمضان قبل رؤيتنا؛ لا تقبل شهادتهم ويصلى من الغد صلاة العيد؛ لظاهر قوله: (فطركم يوم تفطرون)، والغد هو الذي يفطر فيه الناس. ويروى في الحديث أيضًا: (وعرفة يوم تعرّفون) واحتجّ به على أن الحجيج إذا غلطوا في الوقوف لم يلزمهم القضاء.[2]

واحتجّ به الحنفية على أن المنفرد برؤية الهلال إذا ردَّه الحاكم لا يلزمه الصوم فإن أفطر بجماع فلا كفارة عليه.[3]

قال العلامة السندي رحمه الله: “وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَيْسَ لِلْآحَادِ فِيهَا دَخْلٌ وَلَيْسَ لَهُمُ التَّفَرُّدُ فِيهَا؛ بَلِ الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى الْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْآحَا اتِّبَاعُهُمْ لِلْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا رَأَى أَحَدٌ الْهِلَالَ وَرَدَّ الْإِمَامُ شَهَادَتَهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَ الْجَمَاعَةَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْخِطَابَ مَوْضُوعٌ عَلَى النَّاسِ فِيمَا سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادُ”.[4]

والحكمة في ذلك احترام حكم الشريعة، وعدم التشويش والتفرقة بين الناس في عبادة جماعية. قال العلامة محمد أنور شاه الكشميري: “إن الغرض أن اليوم الذي وقع الفطر فيه بحكم الشريعة هو يوم الفطر في الواقع، ولا يجوز تطريق الوساوس والأوهام الباطلة؛ بل يوافق فيه الجمهور.. وأما ما يذكر في كتب الفقه من أن القضاء لا يجري إلا في المعاملات ولا يدخل في العبادات؛ فأقول: لا أجده كليّة، فإنا نجد قضاء القاضي دخيلة في العبادات، فإن الجمعة والعيدين والكسوف موكولة إلى الإمام، وأما الصلاة الخمسة فكان نصب الإمام في السلف من جانب أمير المؤمنين والخليفة، وفي الزكاة أن الإمام جبر الناس على أن يرفعوا الزكاة إلى بيت المال، وأما في الحجّ فكان أمير الموسم مقتدى الناس، وكذلك الصيام موكول إلى رأي القاضي فإنه إن حكم القاضي بالصوم على رؤية رجل يوم الغيم يجب الصوم، وإن لم يحكم القاضي فلا يكون قوله حجة”.[5]

وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ: “وَقِيلَ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ لَا يُصَامُ احْتِيَاطًا وَإِنَّمَا يَصُومُ يَوْمَ يَصُومُ النَّاس.”[6]

وقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم قيمة اجتماع الكلمة في ممارسة العبادات، فكان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم من يرى أن مس المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يتم في السفر، ومنهم من يقصر، فلم يكن اختلافهم في هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرّق في الدين شرٌّ، ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر في منى، إلى حدّ ترك العمل برأيه إطلاقا في ذلك المجتمع فرارًا مما قد ينتج من الشرّ بسبب العمل برأيه، فروى أبو داود أن عثمان رضي الله عنه صلى بمنى أربعًا، فقال عبد الله بن مسعود منكرًا عليه: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين، ثم إن ابن مسعود صلى أربعا، فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعا! قال: الخلاف شرٌّ.[7]

ومما يؤسف له اليوم أن المسلمين يتفرّقون في صلاتهم، فلا يقتدون ببعض أئمة المساجد، كما في صلاة الوتر في رمضان، بذريعة كونهم على خلاف مذهبهم، وكما فيمن يصوم ويفطر وحده متقدِّما أو متأخِّرًا عن جماعة أهل بلده، معتدًّا برأيه، غير مبال بالخروج عنهم، وهذا كلُّه من الجهل بتعاليم الدين الحنيف.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يلتزم جماعة المسلمين، ويكون سببًا في وحدة الأمة وتماسكها، ويجنبنا الزلل وأسباب التفرقة.


المصادر والمراجع

  • تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لأبي العلا محمد عبد الرحمن المباركفوري، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • حاشية السندي على سنن ابن ماجه ( كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه)، لمحمد بن عبد الهادي التتوي، أبو الحسن نور الدين السندي، دار الجيل، بيروت.
  • سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني، ت محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.
  • سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة، ت لأحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1395هـ/ 1975م.
  • شرحُ مُسْنَد الشَّافِعيِّ، لعبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني، ت أبو بكر وائل محمَّد بكر زهران، وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية إدارة الشؤون الإِسلامية، قطر. ط1، 1428هـ/ 2007م.
  • العرف الشذي شرح سنن الترمذي، لمحمد أنور شاه الكشميري الهندي، تصحيح محمود شاكر، دار التراث العربي، بيروت، ط1، 1425هـ/ 2004م.
  • فيض القدير شرح الجامع الصغير، لزين الدين محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، 1356م.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]الترمذي في الصيام (بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْفِطْرَ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ) 3/ 71. وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

[2]شرح مسند الشافعي 2/ 12.

[3]فيض القدير للمناوي 4/ 212.

[4]حاشية السندي على سنن ابن ماجه 1/ 509.

[5]العرف الشذي شرح سنن الترمذي 2/ 151.

[6]تحفة الأحوذي 3/ 313.

[7]أبو داود في المناسك (بَابُ الصَّلَاةِ بِمِنًى) 2/ 199.