بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثالث: اغتنام رمضان

 الصيام فرصة لتعويد الأطفال على الطاعة

عن الرُّبَيِّعِ بنت معوِّذ قالت: “أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: (مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ)، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ.” متفق عليه.

هذا الحديث الشريف يرشدنا إلى عناية الصحابة رضي الله عنهم في عدم تفويت فرصة شهر رمضان، واغتنامها في تعويد أولادهم وتمرينهم على الطاعات والصبر عليها، وترغيبهم بذلك بوسائل تتناسب وأعمارهم. والمراد بالصبية، أي المطيقين للصوم.

وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: “وَقَالَ عُمَر رضي الله عنه لِنَشْوَانٍ فِي رَمَضَانَ: وَيْلَكَ، وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ! فَضَرَبَهُ.” والعِهن: هو الصوف الأحمر أو المصبوغ. والنشوان السكران سكرًا خفيفًا. معنى الأثر عن عمر، أي أن الصبيان عندنا صائمون وأنت رجل مكلَّف، وتشرب الخمر في رمضان فضربه عمر.

وهذا الحديث موقوف، أي هو من كلام الصحابي، إلا أن له حكم الرفع، كما قرَّر العلماء، وذلك أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا، وكان ذلك زمن رسول الله ﷺ، فإن ظاهره اطلاع النبي ﷺ، وعدم إنكاره، وذلك أن حال الصحابة هو بيان الشرع عن رسول الله ﷺ، ولو كان الأمر بخلاف ذلك لما كان من فائدة لقولهم: كنا نفعل كذا، أو نقول كذا، ومن الواضح أن الفائدة هي كون ذلك حُجَّة.

وقد لاحظ علماؤنا أن ما فعله الصحابة فيه تدريب عظيم للأطفال على العبادات كلِّها، وعلى فعل الخير من خلال تدريبهم على الصوم الذي يحتاج إلى الصبر على الطاعة أكثر من غيره. قال القاضي عياض رحمه الله: “وفيه تمرين الصغار على فعل الخير، ورجاء نزول الرحمة بصومهم، والأجر بذلك لأوليائهم.”

قال في التوضيح مبيِّنا جملة مهمَّة مما يُستنبَط من حديث الرُّبَيِّعِ بنت معوِّذ المرفوع، وما وقِف على سيدنا عمر: “وظاهر حديثها وقول عمر التدريب في حقِّهم، والإجماع قائم على أنه لا تلزم العبادات إلا بعد البلوغ، إلا أن كثيرًا من العلماء استحبُّوا تدريب الصبيان على الصيام والعبادات رجاء بركتها لهم، وليعتادوها وتسهُل عليهم عند اللزوم، وفيه أن من حمل صبيًّا على الطاعة ودرَّبه على التزام الشرائع فإنه مأجور به، وأن المشقَّة التي تلزم الصبيان في ذَلِكَ غير محاسب بها من حملهم عليها.”

وقد اتضح إدراك الصحابة لهذه الفرصة العظيمة في رمضان من أجل تدريب أولادهم الصغار على العبادات والطاعات في إحاطة أولادهم ببيئة الصيام التعبُّديَّة، وليس مجرَّد أمرهم بالصيام، حيث كان الصحابة رضي الله عنهم يصطحبون أبناءهم للمسجد، لئلا يتذكروا الطعام والشراب في البيت، وتشغلهم عنه بيئة المسجد، كما جاء في رواية مسلم: (ونصوّم صبياننا الصغار، ونذهب بهم إلى المسجد).

ثم إن العلماء اختلفوا في الوقت الذي يؤمَر فيه الصبيان بالصيام على أقوال:

القول الأول: إذا احتمل الغلام الصيام وأطاقه أمِر به، وهو قول الحسن وابن سيرين وعروة وعطاء والزهري وقتادة والشافعي. وقال ابن الماجشون: إذا أطاقوه ألزِموا، فإن أفطروا لغير عجز ولا علَّة فعليهم القضاء.

القول الثاني: إذا استطاع صيام ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن أمر بصوم رمضان، وهو قول الأوزاعي.

القول الثالث: إذا بلغ ثنتي عشرة سنة استُحِبَّ له أن يتكلَّف الصيام ليتعوَّده، وهو قول إسحق.

القوال الرابع: يستحبُّ لهم إذا أطاقوه، وهذا أولى من القول الأول بأنه يجب إذا أطاقوه، وذلك لرفع التكليف عن الصغير، فالصبيان لا يخاطبون بالطاعات حتى يبلغوا، أو يُقال: إنهم مخاطبون بالطاعات على الندب.

ومن الفوائد في الحديث: جواز اتخاذ اللعبة من العهن، وجمهور أهل العلم على جواز اتخاذ لعب الأطفال من ذوات الأرواح، لأنها ممتهنة، وإذا كانت كذلك فلا تحصل المفسدة التي تُخشى من المصوَّرات.

 هذا الحديث كان عند أول الهجرة في السنة الأولى، عند أول شرعية صيام يوم عاشوراء والأمر به. ونأخذ من الحديث أمر النبي ﷺ بصوم عاشوراء قبل فرض صيام شهر رمضان؛ بل في الحديث مزيد العناية بصوم عاشوراء، فحتى الذي أصبح مفطرًا عليه أن يتمّ صوم يومه.

وقد بيَّنت الآثار أن الصوم كان على مراحل، وأن أولها هو صوم يوم عاشوراء. فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: وَأَمَّا أَحْوَالُ الصِّيَامِ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَ يَزِيدُ: فَصَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ إِلَى رَمَضَانَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّام. وَصَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ثُمَّ إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِ الصِّيَامَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قَالَ: فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَطْعَمَ مِسْكِينًا، فَأَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ الْآيَةَ الْأُخْرَى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] قَالَ: فَأَثْبَتَ اللهُ صِيَامَهُ عَلَى الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ، وَرَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَثَبَّتَ الْإِطْعَامَ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ، فَهَذَانِ حَوْلَانِ.”

وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفرَض رمضان، فلما فرِض رمضان قال رسول الله ﷺ: (إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه). لكن أهل العلم اختلفوا هل كان صومه قبل فرض رمضان على جهة الوجوب أو على جهة الندب، كما هو مفصّلٌ في الشروح. ومما يدلُّ على أنَّه كان واجبًا، كما في رمضان، إذا ثبت في أثناء النهار أنّه من رمضان يجب إمساك بقية اليوم لمن كان مفطرًا.

وقد ثبتت خصوصية صوم يوم عاشوراء الذي وصفه النبي ﷺ في هذا الحديث بأنه “يوم من أيام الله” في حديث آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: “قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ).”

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستقبل “أيام الله” بالطاعات والقربات، وأن يجعلنا فيها من المقبولين عنده.

المصادر والمراجع

  • إكمال المعلم بفوائد مسلم، لعياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، ت يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط1، 1419هـ/ 1998م.
  • التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي، ت دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ت شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ/ 2001م.
  •   المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار
  • إحياء التراث العربي، بيروت.

________________________________

[1]  البخاري في الصوم (بَابُ صوم الصبيان) 3/ 37، ومسلم في الصيام (بَابُ مَنْ أَكَلَ فِي عَاشُورَاءَ فَلْيَكُفَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) 2/ 798.

[2]  إكمال المعلم 4/ 91.

[3]  التوضيح لشرح الجامع الصحيح 13/ 413.

[4]  المصدر السابق 13/ 413، وما بعد.

[5]  مسند أحمد 36/ 438.

[6]  مسلم في الصيام (بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) 2/ 792.

[7]  مسلم في الصيام (بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) 2/ 795.