بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الخامس: العبادة في رمضان

 التماس ليلة القدر

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ). متفق عليه.

هذا الحديث الشريف يرشدنا إلى الحرص على التماس ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، ويدلُّنا على أنها تكون غالبًا في الليالي المفرَدة من العشر الأخير من شهر رمضان. وهذه الليلة المباركة هي أفضل ليالي السنة، وهي من خواصِّ هذِه الأمة، ويُستجاب فيها الدعاء؛ ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم.

وقد ثبتت هذه الليلة بنصِّ القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ]القدر: 1[، وفي الأحاديث المتواترة. وتسميتها بليلة القدر هي من التعظيم، أي الليلة ذات القدر العظيم الذي لا يقدَّر قدره، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ]القدر: 2[، الذي يفوق ألف شهر ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ]القدر: 3[، وذلك لنزول القرآن فيها، وتنزُّلِ الملائكة ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ ]القدر: 4[، وعمومِ السلام والأمن العالم ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ]القدر: 5[. فتسميتها بذلك تكون لشرفها، وتكون لِمَا يَكْتُبُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَقْدَارِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ الَّتِي تَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ ]القدر: 4[،  وَمَعْنَاهُ: يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ مَا سَيَكُونُ فِيهَا، وَيَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ وَظِيفَتِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَتَقْدِيرُهُ لَهُ.

ومعنى (تحرَّوا): أي اطلبوا باجتهاد. وفي رواية لمسلم: (التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعُف أحدكم أو عجَز فلا يُغلبنَّ على السبع البواقي)، وفي أخرى: (أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين). وفي بعض طرق البخاري: (التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى)، وفيه: “كانوا لا يزالون يقصُّون على النبي ﷺ الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر.”

والمشهور عن أبي حنيفة: أنها تدور في السنة كلِّها، وقد تكون في رمضان، وقد تكون في غيره، وصحَّ ذلك عن ابن مسعود. وعند جمع من الصوفية: أنه إذا وافق الوتر ليلة جمعة من العشر الأخير كانت هي ليلة القدر.

والسرُّ في ذلك الإبهام لهذه الليلة المباركة أن يجتهد الناس في طلبها، ويكثُر ثوابهم في إحياء الليالي الكثيرة في العبادة والطاعات. وعن زرِّ بن حُبيش قال: “سألت أبيّ بن كعب فقلت: إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقُم الحول يصِب ليلة القدر، فقال: رحمه الله أراد أن لا يتَّكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ، لا شعاع لها، ثم حلف -لا يستثني- أنها ليلة سبع وعشرين.”

وقد ذكر ابن حجر رجمه الله في الفتح الخلاف فيها على أربعين وجهًا. لكن رجَّح العلماء أنها في العشر الأخير من رمضان، وفي الليالي المفردة خصوصًا، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبعة وعشرين. فمن قصَّر عن العشر فليطلبها في ليالي 21، 23 و 25 و 27، ومن قصّر عن ذلك فليطلبها في 27.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي ﷺ قال: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبهِ). فإن قيل: قوله في الحديث المتقدِّم: (من قام رمضان..) الحديث، يغني عن قوله: (ومن قام ليلة القدر)، الحديث، قلنا: المراد من قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر، فلم يغن أحدهما عن الآخر. وأيضا لا تعارض بينهما، فإن كلَّ واحد منهما صالح للتكفير، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل له ذلك.

وعلى القائم في هذه الليلة أن يتحرَّى أفضل الدعاء، وأجمعه، وهو الدعاء بالمأثور، ومنه ما ورد في آية: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ]البقرة: 202[، ويُكثر من طلب العفو والعافية. وفي البخاري أن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قلت: “يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: (قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي).

ومن علامات هذه الليلة ما ورد في حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا: “إِنِّي كُنْتُ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ نُسِّيتُهَا، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ لَيْلَتِهَا، وَهِيَ لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا، لَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا.”

ومن علاماتها الخاصَّة ذكروا أمورًا كثيرة، منها أن يرى كلَّ شيءٍ ساجدًا، أو يرى الأنوار ساطعة في كلِّ مكان، أو يسمع كلامًا أو خطابًا من الملائكة، لكن لا يلزم أن يطَّلع كلُّ أحدٍ على شيء من ذلك، فإنَّها قد تحصل، ولا يُرى شيءٌ، ولا يُسمع، لذلك لزم تحرِّيها، وقد ثبت في الحديث: (مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). فالفضل حاصل لمن قامها إيمانًا واحتسابًا، سواء علمها أو لم يعلمها.

وعلى المسلم الحذر من الجدال والاختلاف في هذه الليلة وفي المواسم المباركة خصوصًا، خشية الحرمان من بركتها. فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ المسلِمِينَ فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ.” قال ابن الملقّن رحمه الله: “ومعنى (فرفِعت): أي رفع تعيُّنها، بدليل قوله: (فالتمسوها).. وهو دالٌّ على أن الملاحاة والخلاف تصرف فضائل كثير من الدين، وتحرم أجرًا عظيمًا؛ لأن الله لم يرد التفرُّق بين عباده إنما أراد الاعتصام بحبله، وجعل الرحمة مقرونة بالاعتصام بالجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ [هود: 118 – 119]، وقد يذنب القوم فتتعدَّى العقوبة إلى غيرهم، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى.”

ومعنى قوله: (وعسى أن يكون خيرًا لكم): يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثيرٍ من العمل هو خير من هذِه الجهة، قاله ابن بطال، وقال ابن التين: “لعلّه يريد أنه لو أخبِرتم بعينها لأقللتم في العمل في غيرها، وأكثرتموه فيها، وإذا غيِّبت عنكم أكثرتم العمل في سائر الليالي رجاء موافقتها.”

نسأل الله تعالى أن يسلك بنا سبيل الرشاد لنتلمَّس مواطن مرضاته ومحبَّته، ونكون حاضرين عند مواسم تنزُّل رحمته، وأن يرزقنا الاعتصام بأهله وخاصَّته.

المصادر والمراجع

  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام من أحاديث الأحكام، لنور الدين عتر، دار اليمامة، ط2، 2010.
  • التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقّن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي، ت دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة، ت لأحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1395هـ/ 1975م.
  • شرح سنن أبي داود، لأبي محمد محمود بن أحمد بدر الدين العيني، ت خالد بن إبراهيم المصري، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1420هـ، 1999م.
  • صحيحُ ابن خُزَيمة، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، ت محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط3، 1424هـ/ 2003م.
  • مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن (سلطان) محمد، الملا الهروي القاري، دار الفكر، بيروت، ط1، 1422هـ/ 2002م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

_______________________________________________

[1]  البخاري في الصوم (بَابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ) 3/ 46، ومسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، وَبَيَانِ مَحَلِّهَا وَأَرْجَى أَوْقَاتِ طَلَبِهَا) 2/ 828.

[2]  مرقاة المفاتيح لملا علي القاري 4/ 1436.

[3]  التوضيح 13/ 594.

[4]  مسلم في 2/ 828.

[5]  البخاري في الصوم (بَابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً) 3/ 26.

[6]  شرح أبي داود للعيني 5/ 376.

[7]  الترمذي في الدعوات 5/ 534.

[8]  ابن خزيمة 3/ 330.

[9]  البخاري في الإيمان (بَابٌ: قِيَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ) 1/16.

[10]  انظر إعلام الأنام لعتر 2/ 457.

[11]  البخاري في الإيمان (بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ) 1/ 19.

[12]  التوضيح 13/ 606.

[13]  المصدر السابق.