بسم الله الرحمن الرحيم

الباب السابع: متعلَّقات رمضان

 زكاة الفطر

عن ابن عُمر رضي الله عنهما: “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ”. متفق عليه.

هذا الحديث العظيم ظاهر الدلالة على وجوب زكاة الفطر على المسلمين مع انتهاء رمضان وبداية اليوم الأول من عيد الفطر، وذلك إكرامًا لأصحاب الحاجات من أهل الإسلام، وصيانةً لهم عن الطلب في هذه الأيام المباركة، التي يجب أن تكون بركتها عامَّة بين المسلمين. وقد ورد في الحديث: (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم).

أخرج ابن أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ قَولَهُ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فصلَّى﴾ ]الأعلى: 14، 15[ نَزَلَتْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ. وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

قال البيهقي: وقد أجمِع على وجوب صدقة الفطر، فهي فرض عند الجمهور. وهذا الذي قاله؛ لترادف الفرض والواجب عندهم، أما الحنفية فقد جعلوها واجبًا لثبوتها بدليل ظني.

وقد ذهب الحنفية إلى أن وقت وجوب صدقة الفطر طلوع الفجر من يوم العيد، فهو الذي يتجدَّد فيه الفطر، لأن الليل ليس محلا للصوم، بينما ذهب الجمهور إلى أنه من غروب الشمس آخرَ يوم من رمضان.

وقوله: (والأنثى) ظاهره أن عليها إخراج الصدقة من مالها، كما أن الأصل في الواجب أن يؤدِّيه المكلَّف بنفسه، وهو مذهب الحنفية، بينما أوجب ذلك الجمهور على زوجها، لوجوب نفقتها عليه، ولو كانت موسرة.

وقوله ﷺ: (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) يفيد التخيير، وقد وردت أصناف أخرى من الطعام في أحاديث أخرى، والصاع: 3640 غرامًا عند الحنفية، و1728 غرامًا عند الشافعية. وقد حصر الظاهرية بهذه الأصناف. أما الجمهور فقد توسَّعوا في الأصناف مشيًا مع العلَّة التي اجتهدوا في تعيينها بالمذكورات في الأحاديث، وذكر الحنفية أن الأصل في دفع الزكاة الأصناف التي وردت في النصوص، وما سواها يعتبر بالقيمة. وقد قالوا: يجوز دفع القيمة لأن فيها معنى المذكورات في الحديث.

وذهب الأئمة الأربعة إلى أن الصغير تجب صدقة الفطر في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى مَن تلزم نفقته.

والرواية المشهورة للحديث مطلقة، ليس فيها لفظة: (من المسلمين)، وهذه اللفظة صحَّت من طريق مالك. وبذلك وقع الخلاف بين العلماء فيمن يملك عبدًا كافرًا، فهل يجب عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر؟

ذهب الحنفية بأنه تجب زكاة الفطر عن العبد الكافر، عملًا بالروايات العامة، ولم يوجب ذلك الجمهور أخذًا برواية التقييد. وكذلك لم يوجب الجميع إخراجها عن الجنين.

قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ النِّصَابَ ليس بشرط. قال القاري: أَيْ لِلْإِطْلَاقِ، وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا،

فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ إِذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ لِيَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ قَدْرُ صدقة الفطر، إِلَّا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوا هَذَا الْإِطْلَاقَ بِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ تُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِالْغِنَى، وَصَرَفُوهُ إِلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالْعُرْفِيِّ وَهُوَ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا؛ مِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى).

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يعمل بهدي رسول الله، وأن يحقِّقنا بإرشاداته وتوجيهاته السنيَّة، إنه نعم المجيب.

المصادر والمراجع

  • إعلام الأنام شرح بلوغ المرام، لنور الدين عتر، دار الفرفور، 2007م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1/ 1422هـ.
  • سنن الدارقطني، لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الدارقطني، ت شعيب الارنؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1424هـ/ 2004م.
  • عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته، لمحمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر، الصديقي العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1415هـ.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، 1379م.
  • المجموع شرح المهذب، للنووي، مطبعة العاصمة، مصر، د ت.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • المغني، لابن قدامة المقدسي، دار المنار، ط3، 1367هـ.
  • نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية، للزيلعي، دار المأمون، 1357هـ.
  • الهداية شرح بداية المبتدي، للمرغيناني، طبعة مصطفى البابي الحلبي، 1355هـ.

___________________________________________

[1]  البخاري في أبواب صدقة الفطر (بَابٌ صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ) 2/ 130، ومسلم في الزكاة (بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ) 2/ 677.

[2]  الدارقطني 2/ 152. وانظر نصب الراية 2/ 431. وهو ضعيف.

[3]  انظر: فتح الباري 7/ 262.

[4]  انظر: المجموع 6/ 95، والهداية 2/ 29، وشرح الرسالة 1/ 450، والمغني 3/ 55. وانظر: إعلام الأنام لعتر 2/ 354، وما بعد.

[5]  عون المعبود 5/ 7.