بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الخامس: العبادة في رمضان

 قيام رمضان

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). متفق عليه.

هذا الحديث الشريف يدلُّنا على أن رمضان هو شهر العبادة، فعلى المسلم أن يقرن القيام بصيامه في هذا الشهر الفضيل، ثم هو يبيِّن لنا أن ثمرة تلك العبادة ستكون المغفرةَ التي هي غاية طلب كلِّ مسلم، والمغفرة هي الستر، فسترُ العيب والخلل والنقص الذي في الإنسان -بمقتضى طبيعته الإنسانية- هو الذي يتوقَّف عليه تهيئته للمقامات الأعلى عند الله تعالى.

والمراد بقوله: (إيمَانًا) أي أنَّ فرضَه من عند الله، و(احتِسابًا) أي أنَّ أجرَه على الله، يَدَّخِرُهُ إلى الآخرة، لا يرجو أنّ يتعجَّلَ شيئًا منه في الدُّنيا؛ لأنّ ما يفتح اللهُ على العبد في الدُّنيا من المال ويناله من لَذَّةِ، فمَحْسُوبٌ من أَجرِهِ، ويحاسَبُ يوم القيامة به، فعلى العبدِ أن ينفي ذلك من قَلبِه، وأن ينوي بعمله الدَّار الآخرة خاصّةً، فإن يَسَّرَ اللهُ له في هذه الدَّار مالًا، فذلك فضلٌ منه يُؤتِيهِ من يشاء.. ومذهب أهل العلم بالله: أنَّ الإخلاص في العبادات إنَّما يكونُ بأن يُطِيعَ الرَّجلُ رَبَّهُ مَحَبَّةً فِيهِ، لا يستجلبُ بذلك جَنَّةَ، ولا يدفعُ بذلك نَارًا.

لكن ما المقصود بقيام رمضان؟ وهل ينحصر هذا بالتراويح؟ قال ابن الملقّن رحمه الله: “الـمُراد بالقيام في الحديث صلاة التراويح، كذا قاله أصحابنا وغيرهم من العلماء، والتحقيق -كما نبَّه عليه النووي- أن يُقال: التراويح محصِّلةٌ لفضيلة قيام رمضان، ولكن لا تنحصر الفضيلة فيها ولا المراد بها؛ بل في أي وقت من الليل صلى تطوُّعًا حصل هذا الغرض.”

قال في طرح التثريب: “لَيْسَ الْمُرَادُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ قِيَامُ جَمِيعِ لَيْلِهِ؛ بَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِقِيَامٍ يَسِيرٍ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا فِي مُطْلَقِ التَّهَجُّدِ؛ وَبِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَرَاءَ الْإِمَامِ كَالْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ؛ وَبِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ.”

ثم إن قيام رمضان لا ينحصر بالصلاة، وإنما المقصود هو أن يقوم العبد بالطاعة في لياليه من تلاوة أو صلاة أو علم شرعي أو ذكر الله. ولذلك فإننا ذكرنا هذا الحديث في هذه الأربعين المجموعة، إضافة إلى حديث التراويح الآتي، للتأكيد على هذا المعنى، ولم نقتصر على أحدهما.

وثمَّة سؤال آخر: هل المقصود بالمغفرة الصغائر والكبائر كما يدلُّ ظاهر الحديث؟ قال ابن الملقّن رحمه الله: “ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، وفضل الله واسع، لكن المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه.. أن المراد غفران الصغائر فقط.. وفي التخصيص نظر، كما قاله النووي. لكن قام الإجماع على أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو بالحدِّ.”

غير أن ما ثبت في هذا الحديث لرمضان من المغفرة ثبت لعبادات أخرى في أحاديث أخرى، مثل صيام رمضان وقيام ليلة القدر وصوم عرفة أنه كفارة سنتين، وعاشوراء أنه كفارة سنة، وحديث والوضوء وحديث الصلاة وحديث موافقة تأمينه تأمين الملائكة، فكيف يكون الجمع بينها؟

قال ابن الملقّن رحمه الله: “المراد أن كلَّ واحد من هذِه الخصال صالحة لتكفيرِ الصغائر، فإن صادفتها غفرتها، وإن لم تصادفها فإن كان فاعلها سليمًا من الصغائر لكونه صغيرًا غير مكلف، أو موفَّقًا لم يعمل صغيرة، أو فعلها وتاب، أو فعلها وعقَّبها بحسنة أذهبتها، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] فهذا يكتَب له بها حسنات، ويرفَع له بها درجات.”

والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في قيام رمضان أيضًا: هل الأفضل إخفاؤه في بيته أم صلاته في المسجد؟ استحَبَّ مالك أن يقوم في بيته، واستحَبَّ غيره قيامه في المسجد. يُحتَجُّ لمالك بقوله ﷺ: (أفضلُ الصلاةِ صلاةُ المرءِ في بيتهِ إلا المكتوبةَ)، ويُحتَجُّ للمخالف بفعله ﷺ، وبأن عمر رضي الله عنه استحسن ذلك من الناس لما رأى قيامهم في المسجد. ومن جهة المعنى أن مالكًا احتاط للنيَّة وآثر المنفعة النفسيَّة، والمخالف رأى الإِظهار أدعى إلى القلوب الآبية، وأبقى للمعالم الشرعية.

نسأل الله تعالى أن يقسم لنا في هذا الشهر الكريم حظًّا وافرًا من الطاعات، والتقرُّب إليه بالخيرات والمبرَّات، إنه سميع قريب مجيب الدعوات.

المصادر والمراجع

  • التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي، ت دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • طرح التثريب في شرح التقريب، لأبي الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، أكمله ابنه أحمد، مصر.
  • المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك، لمحمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي، قرأه وعلّق عليه: محمد بن الحسين السُّليماني وعائشة بنت الحسين السُّليماني، دَار الغَرب الإسلامي، ط1، 1428هـ/ 2007م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • المـُعلم بفوائد مسلم، لأبي عبد الله محمد بن علي المازري، ت محمد الشاذلي النيفر، الدار التونسية للنشر، المؤسّسة الوطنية للكتاب بالجزائر، ط2، 1988م.

_________________________________

[1]  البخاري في الإيمان (باب تطوع قيام رمضان من الإيمان) 1/ 16، ومسلم في صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَهُوَ التَّرَاوِيحُ) 1/ 523.

[2]  المسالك في شرح موطّأ مالك 2/ 475، 476.

[3]  التوضيح لشرح الجامع الصحيح 3/ 76.

[4]  طرح التثريب في شرح التقريب 4/ 161.

[5]  التوضيح لشرح الجامع الصحيح 3/ 77.

[6]  التوضيح لشرح الجامع الصحيح 3/ 78.

[7]  البخاري في كتاب الجماعة والإمامة (باب صلاة الليل) 1/ 256.

[8]  انظر المعلم بفوائد مسلم 1/ 544.