بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثالث: اغتنام رمضان

العون الإلهي في رمضان 

عن أبي هريرة عبد الرَّحمن بن صخرٍ رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلَّم: (إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ). متفق عليه.

تقدَّم معنا ذكر حديث أبي هريرة في الباب السابق، من رواية النَّسائي بإسناد ولفظ مختلفين، في سياق الأحاديث التي تبيِّن خصوصيَّة شهر رمضان، وها نحن نذكره في هذا الباب من رواية الشيخين؛ لنشير إلى معانٍ أخرى في الحديث أردنا التأكيد عليها، وهي ما يتَّصل بتوجُّب اغتنام فضل هذا الشهر العظيم.

وقد رأيت أن أفعل ذلك اقتداءً بصنعة الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، ولو لمرَّة واحدة في هذا الكتاب، وذلك في تكراره ذكر الحديث الواحد في أكثر من باب، للإشارة إلى معنىً مختلف متجدِّد يناسب ترجمة الباب، مع إيراده له بإسناد مختلف وألفاظ مختلفة.

هذا الحديث الشريف يكشف لنا عن مزيَّة عظيمة في شهر رمضان المبارك، تحثُّ الصائمين المتيقِّظين على اغتنامه لأجلها، وهي إقبال الحقِّ تعالى على عباده بالعون الإلهي المتجلِّي بفتح أبواب الجنة وغلق أبواب جهنَّم، والحدِّ من تسليط الشياطين على العباد، ليتسنَّى لهم الإقبال عليه بالتوبة والطاعات والقربات، فيكون إقباله تعالى عليهم سببًا في إقبالهم عليه، فيستشعر العبد فضل مولاه بأنه هو البادئ إليه بالإحسان.

يقول الإمام الطيبي رحمه الله مبيِّنًا تجلِّيات العون الإلهي في فتح أبواب السماء، وغلق أبواب جهنَّم، وموضِّحًا وجه ذلك: “فتح أبواب السماء كناية عن تنزيل الرحمة، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنَّم عبارة عن تنزُّه أنفُس الصوَّام عن رجس الفواحش والتخلُّص من البواعث على المعاصي بقمع الشهوات.”

ثمّ إنه يفسِّر حمل المعنى المراد على ذلك التأويل قائلًا: “فإن قيل: ما منعكم أن تحملوا على ظاهر المعنى؛ قلنا: لأنه ذكِر على سبيل المنِّ على الصوَّام، وإتمام النعمة عليهم فيما أمِروا به وندبوا إليه، حتى صار الجِنَانُ في هذا الشهر كأن أبوابها فتحت، ونعمها أبيحت، والنيران كأن أبوابها أُغلقت، وأنكالها عطِّلت، وإذا ذهبنا فيه إلى الظاهر لم تقع المنَّة موقعها، ويخلو من الفائدة؛ لأن الإنسان ما دام في هذه الدار، فإنه غير ميسَّر لدخول إحدى الدارين.

وقد فعل ذلك قبله ابن عبد البرّ رحمه الله فحمل تفتُّح (أبواب الجنّة) على المجاز، ولم ير وجهًا لحمله على الحقيقة، فقال: “وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَمَعْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ فِيهِ لِلصَّائِمِينَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ وَيُضَاعِفُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ، فَبِذَلِكَ تُغَلَّقُ عَنْهُمْ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَأَبْوَابُ جَهَنَّمَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ جُنَّةٌ يَسْتَجْنِ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، وَتُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَزْكُو فِيهِ لَهُمْ وَتُتَقَبَّلُ مِنْهُمْ.”

وقريب من هذا قول القاضي عياض رحمه الله في (أبواب الرحمة): “ويحتمل أن يكون فتح أبواب الرحمة عبارة عما يفتحه اللَّه لعباده من الطاعات، وذلك أسباب لدخول الجنّة، وغلقُ أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار.”

قلت: ويؤيِّد ما ذكروه رواية مسلم: (فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرحمة). وقد جاء في رواية لابن أبي شيبة عن أنس مرفوعًا: (هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنان)، وفي رواية أحمد (أبواب الجنَّة). ففتح أبواب السماء يشير إلى الرحمة، وفتح أبواب الجنان يشير إلى القبول. قال الأمير الصنعاني رحمه الله معلِّقًا على فتح أبواب الجنَّة: “وذلك لكثرة الأعمال الصالحة فيه كأنها تُزيَّن وتوهَب لأهل الطاعة.” ومقابل ذلك فإن أبواب جهنَّم تغلق، “لكثرة عفو الله عن العصاة”.

ومن هنا فإن العاقل من اغتنم هذه الفرصة العظيمة، فإن لم يغتنمها فمتى يرجع إلى الله بالتوبة والإنابة والإقبال عليه بما يرضيه عنه؟ جاء في رواية “المصنَّف”: (هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجِنَانِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَان،َ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِيهِ. إِذَا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِيهِ فَمَتَى). فقوله ﷺ: (إِذَا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِيهِ فَمَتَى) يؤكِّد المعنى الذي سقنا من أجله حديث الباب، ألا وهو الحرص على اغتنام هذه الفرصة التي ييسرّها لنا الله تعالى مرَّة في العام، وعدم تضييعها بالغفلة عن شهود العون الإلهي للعبد المتجلِّي بتهيئة أسباب تقريبه ووصله.

ثم يأتي تمام العون الإلهي بالحدِّ من تأثير وساوس الشياطين في هذا الشهر العظيم، فمعنى (وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) أي جُعلت في سلسلة، وهي دائرة من حديد تحيط بالعنق. قال صاحب التنوير: “وذلك ليقلَّ شرُّهم وإغوائهم للعباد، ولا يلزم منه أنه لا يوجد عاص؛ بل المراد أنه يقلَّ شرهم ويتوفَّر الناس على الطاعات، وهذا أمر معلومٌ، فإن كثيرًا من العصاة يقبل على الطاعة في شهر رمضان”. وهذا هو الأصل في تفسير سلسلة الشياطين، فلا صارف له عن الحقيقة.

ثم قال مبيِّنًا احتمال حمل ذلك على المجاز: “أو المراد أنه تعالى يتجاوز عن العصاة فلا يضرُّهم إغواء الشياطين لهم؛ إذ بعفوه لهم ما كأنهم أغووهم.”

ومن وجوه أن تكون السلسة مجازًا أن المراد منعهم عن الإغواء حتى كأنهم مسلسلين. ومن ذلك أن تكون مجازًا عن انقطاع القوى الشهوية والغضبية وغيرهما، التي هي جنود إبليس.

قال الإمام الحليميّ رحمه الله: “يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ. ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر.”

وإذا كان هذا العون الإلهي يأتي من الله تعالى على هذه الصورة المتمثّلة بتسلسل الشياطين؛ فإن على العبد ألا يغفل عن مراقبة نفسه والحذر من رعوناتها. قال صاحب فيض الباري: “على أن وقوعَ المعاصي لا يَنْحَصِرُ على الشَّيَاطِينِ، فإن نفسَ المرء أكبرُ أعدائه.”

ونختم بمعانٍ إشارية رائقة جاءت في كتاب الشريعة نقلها الإمام الزبيدي رحمه الله، قال: “لما كان مجيء رمضان سببًا في الشروع في الصوم فتح الله أبواب الجنَّة، والجنَّة الستر، فدخل الصوم في عمل مستور لا يعلم منه إلا الله تعالى؛ لأنه تركٌ وليس بعمل وجودي فيظهر للبصر أو يعمل بالجوارح، وغلق الله أبواب النار، فإذا غلقت أبواب النار عاد نفسها عليها فتضاعف حرُّها وأكل بعضها بعضًا، كذلك الصائم في حكم طبيعته إذا صام غلق أبواب نار طبيعته، فوجد للصوم حرارة زائدة؛ لعدم استعمال المرطبات، ووجد ألم ذلك في باطنه وتضاعف شهوته للطعام، الذي يتوهَّم الراحة بتحصيله، فتتقوى نار شهوته بغلق باب تناول الأطعمة والأشربة، وصفِّدت الشياطين، وهي صفة البعد، فكان الصائم قريبًا من الله بالصفة الصمدانية فإنه في عبادة لا مثل لها، فقرُب بها من صفة (ليس كمثله شيء)، ومن كانت هذه صفته فقد صفِّدت الشياطين في حقِّه.

نسأل الله تعالى أن يمدَّنا بمدده وعونه في هذا الشهر الفضيل، وأن يصلنا ولا يقطعنا، وأن يشهدنا فضله علينا، وإحسانه إلينا دون استحقاق منَّا، وأن يبصِّرنا بشهود ما منه إلينا، وأن يغيِّبنا عن شهود ما منَّا، ولا يجعلنا من الغافلين، عن اغتنام هذا الشهر الكريم.

المصادر والمراجع

  • اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، لمحمد بن محمد المرتضى الزبيدي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، 1414هـ/ 1994م.
  • التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي، ت مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387هـ.
  • التنوير شرح الجامِع الصَّغير، لمحمد بن إسماعيل ابن الأمير الصنعاني، ت محمَّد إسحاق محمَّد إبراهيم، مكتبة دار السلام، الرياض، ط1، 1432هـ/ 2011م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (شرح سنن النسائي)، لمحمد بن علي الوَلَّوِي، دار المعراج الدولية ودار آل بروم، ط1.
  • فيض الباري على صحيح البخاري، لمحمد أنور شاه الكشميري، ت محمد بدر عالم الميرتهي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1426هـ/ 2005م.
  • الكاشف عن حقائق السنن (شرح الطيبي على مشكاة المصابيح)، لشرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، ت عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة – الرياض، ط1، 1417هـ/ 1997م.
  • الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، لأبي بكر بن أبي شيبة، ، ت كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1409هـ.
  • مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ت شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ/ 2001م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء
  • التراث العربي، بيروت.______________________________[1]  البخاري في الصوم (بَابٌ هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا) 3/ 25، ومسلم في الصيام (باب فضل شهر رمضان) 2/ 758.

    [1]  الكاشف عن حقائق السنن للطيبي 5/ 1572.

    [1]  المصدر السابق.

    [1]  التمهيد لابن عبد البرّ 16/ 152.

    [1]  ذخيرة العقبى في شرح المجتبي للولَّوي 20/ 354.

    [1]  مصنّف ابن أبي شيبة 2/ 270.

    [1]  14/ 314.

    [1]  التنوير شرح الجامع الصغير 2/ 41.

    [1]  مصنّف ابن أبي شيبة 2/ 270.

    [1]  التنوير شرح الجامع الصغير للأمير الصنعاني 2/ 41.

    [1]  ذخيرة العقبى في شرح المجتبي للولَّوي 20/ 353.

    [1]  فيض الباري على صحيح البخاري لمحمد أنور شاه الكشميري 3/ 327.

    [1]  اتحاف المتقين للزبيدي 4/ 194.