بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثاني: خصوصيات الصيام

خصوصية الصائم يوم القيامة

عن سهل بن سعد السَّاعدي رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلَّم، قال: (إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ). متفق عليه.

في هذا الحديث الشريف تظهر خصوصيَّة جديدة للصائمين، وتشريفٌ لهم، وكرامةٌ خاصّة عند الله لهم يوم القيامة، لا تكون لغيرهم. يقول المهلَّب: “إنما أفرد الصائمين بهذا الباب ليسارعوا إلى الريِّ من عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا، وليكون دخولهم في الجنة هيِّنًا غير متزاحَم عليهم عند أبوابها، كما خصَّ النبيُّ أبا بكر الصديق بباب في المسجد يقرِّب منه خروجه إلى الصلاة، ولا يزاحمه أحد، وأغلق سائرها إكرامًا له وتفضيلًا.”

قال البدر العيني رحمه الله: “قوله: (إِن فِي الْجنَّة بَابا)، قيل: إِنَّمَا قَالَ: في الجنَّة، ولم يقل: للجنَّة ليشعر بأَن فِي الباب المذكور من النَّعيم والراحة مَا فِي الجنَّة، فيكون أبلغ فِي التشويق إليه.”

وباب الرَّيَّان هو أحد أبواب الجنَّة الثمانية التي يدخل منها المؤمنون، كلٌّ يدخل من باب يناسب ما كان يعمله من الأعمال الصالحات في الحياة الدنيا. ففي رواية للبخاري: (في الجنَّة ثمانيةُ أبواب، فيها بابٌ يسمَّى الريَّان لا يدخلُ منهُ إلا الصائِمون).

وهناك مناسبة واضحة بين عبادة الصيام والدخول من باب الريَّان بيَّنها الأمير الصنعاني بقوله: “وفي هذه التسمية مناسبة للجزاء على الصوم؛ لأن الصائم يصيبه الظمأ فيجازى بضدِّه.” وقال ابن علّان رحمه الله: “واكتفى بذكر الريِّ عن الشبع؛ لأنه يدلُّ عليه من حيث إنه يستلزمه.”

وعن هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ) ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: (نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) . وقوله: (من ضَرُورَة) أَي: من ضَرَر.

قال ابن بطَّال رحمه الله: “فإن قال قائل: إن النفقة إنما تسوغ في باب الجهاد وباب الصدقة، فكيف تكون في باب الصلاة والصيام؟” وأجاب عن الصيام قائلًا: “قال عبد الواحد: معنى زوجين أراد نفسه وماله، والله أعلم، قال المؤلف: والعرب تسمِّي ما يبذله الإنسان من نفسه واجتهاده نفقة، فيقول أحدهم فيما تعلم من العلم أو صنعة من سائر الأعمال: أنفقت في هذا عمري، وبذلت فيه نفسي، قال حبيب بن أوس:

كم بين قومٍ إنما نفقاتهم مالٌ وقومٍ ينفقون نفوسا.

قال المهلَّب: .. والنفقة في الصيام إذا فطّر صائمًا فكأنّما صام يومًا، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، فجعل الإطعام للمسكين عوضًا من صيام يوم.”

لكن هل ورد أن في الجنّة أبواب أخر غير الثمانية، وما علاقتها بالأبواب الثمانية؟ قال البدر العيني رحمه الله: “وَفِي الْجنَّة أَيْضا أَبْوَاب أُخَر غير الثَّمَانِية، مِنْهَا: بَاب الصَّلَاة وَبَاب الْجِهَاد وَبَاب الصَّدَقَة.. وَفِي “نَوَادِر الْأُصُول” للحكيم التِّرْمِذِيّ: من أَبْوَاب الْجنَّة بَاب مُحَمَّد ﷺ، وَهُوَ بَاب الرَّحْمَة، وَهُوَ بَاب التَّوْبَة، وَهُوَ مُنْذُ خلقه الله مَفْتُوح لَا يُغلق، فَإِذا طلعت الشَّمْس من مغْرِبهَا أغلق فَلم يفتح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَسَائِر الْأَبْوَاب مقسومة على أَعمال البر: بَاب الزَّكَاة، بَاب الْحَج، بَاب الْعمرَة. وَعند عِيَاض: بَاب الكاظمين الغيط، بَاب الراضين، الْبَاب الْأَيْمن الَّذِي يدْخل مِنْهُ من لَا حِسَاب عَلَيْهِ، وَفِي “كتاب الْآجُرِيّ”: عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِن فِي الْجنَّة بَابا يُقَال لَهُ: بَاب الضُّحَى، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُنَادي منادٍ: أَيْن الَّذين كَانُوا يديمون على صَلَاة الضُّحَى؟ هَذَا بَابَكُمْ فادخلوا). وَفِي “الفردوس” عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (للجنَّة بَاب يُقَال لَهُ: الْفَرح، لَا يدْخل مِنْهُ إلاَّ مفرِّح الصّبيان). وَعند التِّرْمِذِيّ بَاب للذِّكر، وَعند ابْن بطال بَاب الصابرين، وَذكر البرقي فِي “كتاب الرَّوْضَة”: عَن الْحسن، قَالَ: (إِن لله بَابًا فِي الْجنَّة لَا يدْخلهُ إلاَّ من عَفا عَن مظْلمَة).. فهذه الأبواب كلُّهَا داخلة فِي دَاخل الأبواب الثَّمَانِية الكِبَار.”

ومن دخل الجنَّة من باب الريَّان كان في مأمن من الظَّمأ أبدًا، ففي رواية للنسائي: (فإذا دخلوا أُغْلق، فيشربون منه، فمن شرب منه لم يظمأ أبدًا).

والحقُّ أن هذا الباب هو بابٌ على الحقيقة لا المجاز، فلا شيء يصرفه عن الحقيقة. يقول القاضي عياض رحمه الله: “وفيه أن أبواب الجنة حقٌّ غير مجاز، ويؤكِّده قوله: (فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد): نوعٌ من الكرامة لهم، والاختصاص كما اختصُّوا به حتى لا يزاحَموا فيه، وإن كانت لا مزاحمة في الحقيقة في أبواب الجنَّة لسعتها، وأنه ليس بموضع ضرر، ولا عنت ولا نصب.”

ثم إن أهل الإيمان الأصل فيهم أنهم كلّهم من الصائمين، فهل كلُّهم يدخلون من هذا الباب؟ يقول الأمير الصنعاني رحمه الله: “وقوله ﷺ: (يدخل منه الصائمون يوم القيامة) مطلقٌ في صائم الفرض والنفل، والأصل الفرض عند الإطلاق؛ لأنَّه الفرد الكامل. فإن قلت: يلزم أن يدخل منه كلُّ المؤمنين؟ قلت: ذلك ملتزم، ولا ضير فيه، أو يراد به الكاملون في أداء هذا الفرض على أكمل وجوهه.” وقيل إن ظاهر قوله: (الصائمون يَوْم الْقِيَامَة) المقصود به الذين يكثرون الصوم فِي

الدنيا.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يؤدُّون هذا الفرض على أكمل وجوهه، وممن يكرمهم بدخول الجنَّة من باب الريَّان، ومن جميع الأبواب، وما ذلك على الله بعزيز.

المصادر والمراجع
المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم)، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم لِلقَاضِى عِيَاض بن موسى اليحصبي السبتي، ت يحْيَى إِسْمَاعِيل، دار الوفاء، مصر، ط1، 1419هـ/ 1998م.
التَّنويرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، ت محمَّد إسحاق محمَّد إبراهيم، مكتبة دار السلام، الرياض، ط1، 1432هـ/ 2011م.
شرح صحيح البخاري، لابن بطال أبي الحسن علي بن خلف، ت أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، ط2، 1423هـ / 2003م.
عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لأبي محمد محمود بن أحمد بدر الدين العيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، لمحمد علي بن علان البكري الصديقي الشافعي، اعتنى بها: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، ط4، 1425هـ/ 2004م.

___________________________________________

[1] البخاري في الصوم (باب الريان للصائمين) 3/ 25، ومسلم في الصيام (باب فضل الصيام) 2/ 808.

2]  شرح صحيح البخاري لابن بطال 4/ 16.

[3]  عمدة القاري شرح صحيح البخاري 10/ 262.

[4] التَّنويرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ 4/ 17.

[5] دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين 7/ 29.

[6] البخاري في الصوم (باب الريَّان للصائمين) 3/ 25، ومسلم في الزكاة (بَابُ مَنْ جَمَعَ الصَّدَقَةَ، وَأَعْمَالَ الْبِرِّ) 2/ 711.

[7] شرح صحيح البخاري لابن بطال 4/ 15، 16.

[8]  عمدة القاري شرح صحيح البخاري 10/ 262.

[9]  رواه بهذا اللفظ النسائي في “المجتبى” في الصيام (فضل الصيام)، 4/ 168.

[10]  إِكمَالُ المـُعلم بفوائد مسلم للقاضي عِياض 4/ 114.

[11]  التَّنويرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ 4/ 17، 18.