المقال الرابع من سلسلة النبوة والأنبياء للشيخ د. محمد أبو بكر باذيب

هذا هو المقال الرابع من سلسلة مقالات (النبوة والأنبياء) نسير فيه على نهج شيخنا العلامة محمد علي الصابوني، نفع الله به، في كتابه «النبوة والأنبياء». وحلقة هذا الأسبوع عن مزايا الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدلله حمداً كما يحب ربنا ويرضى. والصلاة والسلام على الرسول الأكرم، والنبي الأعظم، سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، صفوته من رسله وأنبياه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة أهل السماوات والأرضين عليه، صلاة دائمة بدوامك، باقية ببقائك. ونسألك اللهم التوفيق لشكرك.

أما بعد؛ فإنه سبق الحديث عن الصفات الست الواجبة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفصلنا الكلام في شرح خمس منها، وأفردنا الحديث عن العصمة في مقال مستقل، ونتحدث اليوم عن مزايا دعوة الأنبياء، عليهم السلام.

 

مزایا دعوة الأنبياء 

المزية الأولى: أن دعوتَهم ربانية.

المزية الثانية: أنهم لا يطلبون أجراً على تبليغ الرسالة.

المزية الثالثة: إخلاصهم الدين لله تعالى.

المزية الرابعة: عدم التعقيد والتكلف في الدعوة.

المزية الخامسة: وضُوح الهدف والغاية.

المزية السادسة: إيثارهم الآخرةَ والزهدُ في الدنيا.

المزية السابعة: احتياطهم في عقيدة التوحيد وأمر الإيمان الغيب.

 

هذه أهم المزايا، وسنوضحُ كلّ مزية بشيء من التوضيح والبيان، والله المستعان.

 

المزية الأولى: أن دعوتَهم ربانيةٌ

والمقصود بوصفها ربانيةً: أي أنها بوحي وتكليف من الله عز وجل، فليست دعوتهم من تلقاء أنفسهم، أو نابعةً من رغبة كامنة في نفوسهم وحسب، كما أنها ليست نتيجة كما يزعم بعض الناس أنها أتت تلبية للعوامل الاجتماعية التي حدثت في زمانهم، من ظلمٍ، و بغيٍ، وجور، واستبداد. كما أنها ليست نتيجة تفكِيرهم العميق، أو تألمهم من الحالة المؤسفة التي يكون عليها الناس؛ كل ذلك ليس مقصوداً. إنما هي ربانيةٌ، أي بوحي من الله وتكليف. فكل ما جاء به الأنبياءُ إنما مصدَرُه الوحيُ. فكل نبيّ من الأنبياء يقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} [الأحقاف: ٩]. فليس لهم إذا إلا تبليغُ أوامرِ الله سبحانه وتعالى.

يقول فضيلة العلامة السيد أبو الحسن الندوي، رحمه الله: «فلا يقاسُون أبداً على الحكماء، أو الزعماءِ، أو المصلحينَ، وجميع أصناف القادة الذين جربتهم البشرية، وتاريخُ الإصلاح والكفاح الطويل. والذين هم نتيجة بيئتِهم، وغرْس حكمتهم، وصدى محيطهم، ورد فعلٍ لما كان يجيش به مجتمعُهم من فسادٍ وفوضى. و القول الفصل في ذلك القول القرآن الكريم، على لسان سید الرُّسُل، صلى الله عليه وسلم: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون} [النبوة والأنبياء للندوي: ص 31].

 

المزية الثانية: أنهم لا يطلبون أجراً على تبليغ الرسالة

أما المزية الثانيةُ لدعوة الأنبياء الكرام، صلوات الله عليهم، فهي أنهم لا يطلبونَ أجرةً من أحد، ولا يقبلونَ على تبليغ الرسالة ثمناً من إنسانٍ، إنما يطلبُون الأجر والثوابَ من الله تبارك وتعالى. فكلّ نبيٍّ من الأنبياءِ كان يعلنُ على رؤوس الأشهاد، علانيةً، جهاراً، أنه لا يريدُ أجراً على الدعوة. ويقرّرُ بكل وضوحٍ وجلاءٍ: أن دعوته لم تكُنْ من أجل طلب الدنيا، أو طلب المال. يقول نبي الله هود عليه السلام، وهو يخاطب قومه: {يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [هود: ٥۱]. وهذا هو خاتم الأنبياء سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم يقول: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلً}[الفرقان: ٥٧]. ويقول في موطن آخر: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}[ص: ٨٦].

 

المزية الثالثة: إخلاصهم الدين لله تعالى

أما المزية الثالثة لدعوة الأنبياء الكرام، فهي: إخلاصُ الدين لله سبحانه، وإفراده تعالى بالعبادة. وهذا هو الهدف الأسمى الذي دعا إليه جميعُ الأنبياء في كل عصر وزمان، وفي كلّ بيئة ومكَان. فلم يكن لهم هدفٌ ولا غاية إلا أن يوجهوا المخلوق الضعيف إلى خالقه العظيم القدير، وأن يصرفوا وُجهَة البشر من عبادة العبادِ إلى عبادة رب الأرباب، جلّ وعلا، مصداقا لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصينَ له الدين حنفاء ويقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، وذلك دينُ القيِّمة}. ولقد أرسل الله جميعَ الرسُل بهذه الدعوة الكريمة المباركة (دعوة التوحيد)، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: ۲٥].

 

المزية الرابعة: عدم التعقيد والتكلف في دعوتهم

أما المزية الرابعة في دعوة الأنبياء صلوات الله عليهم، فهي: البساطة في الدعوة، وعدم التكلف والتعقيد. وهذه المزية واضحةٌ في دعوة جميع الأنبياء، فإنهم يسيرون مع الفطرة، ويخاطبون الناس على قدر عقولهم، ولا يتكلفون في دعوتهم، كما يفعل بعض الزعماء، فلا يعقدون الأمُور، أو يخاطبون الناس بما لا يفهمون أو يدركون. بل يسلكون طريق الحكمة في الدعوة والتبليغ. فهذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول على لسانه القرآن: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}. ويأمره ربه بالدعوة إليه فيقول عزَّ من قائل: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: ۱۲٥].

إن الابتعاد عن التكلف والتصنع في الدعوة، أمر مهم لنجاح الداعية في دعوته، وهو مسلك سلكه الأنبياء، عليهم السلام، في دعوة الناس ومخاطبتهم، وإقامة الحجة عليهم، فحاججوا الناس بالمنطق والبرهان العقلي، الذي يفهمه الكبير والصغير، والعالم والجاهل.

ننظر إلى خليل الرحمن، إبراهيم عليه السلام، وهو يقيم الحجة على خصمه العنيد، فيقطع عليه الطريق ببرهان دامغ، قال تعالى: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: ۲٥٩]. هذا هو الأسلوب الذي يخاطب الفطرة مباشرة، لا تكلف فيه ولا تصنع، قال حجة الإسلام رحمه الله في كتابه «إلجام العوام»: «أدلة القرآن مثل الغذاء ينتفعُ به كل إنسان. وأدلة المتكلمينَ مثلُ الدواء، ينتفع به آحادُ الناس، ويستضر به الأكثرون. بل أدلة القرآن كالماءِ الذي ينتفع به الصبي والرضيع، والرجل القوي. وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرةً، ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفعُ بها الصبيان أصلاً».

 

المزية الخامسة: وضُوح الهدف والغاية

والمزية الخامسة في دعوة الأنبياء، هي: وضوح الهدف والغاية في الدعوة. فهم يدعون الناسَ إلى هدف واضح، وإلى فكرة بينة، لا لبسَ فيها ولا غموض. استمع إلى قوله تعالى على لسان سيد الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وسلم: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}. فطريقة الأنبياء واضحة، ودعوتهم ظاهرة ساطعة، مثل الشمس في رابعة النهار. ولهذا قال النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».

فنجدُ أن الأنبياءَ الكرام لا يسلكون الطرقَ الملتوية التي تخفي وراءها الغرضَ والهدفَ من تلك الدعوة، كما هو الحال عند بعض القادة والزعماء، الذين لا يعرفون قصدَهُم ولا غرضهم على وجه الحقيقة والوضوح.

 

المزية السادسة: إيثارهم الآخرةَ والزهدُ في الدنيا

المزية السادسة في دعوة الأنبياء هي: الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة على الحياة الدنيا … وهذه المزية ملازمة لدعوة الأنبياء الكرام. فليس هدفَهم الاستمتاعُ بزهرة الدنيا وزينتها، لذلك فقد عاش كل الرسل الكرام في شظف من العيش، وفي شدة الضيق، مع أنهم كانوا يستطيعون أن يتنعموا في الدنيا، وأن يعيشوا فيها عيشَة العظماء. ولكنهم آثروا الباقية على الفانية، لأنهم أيقنوا أن ما عند الله خير وأبقى، وأن {ما عند الله خير للأبرار}.

وقد خاطب الحق تعالى سید الأنبياء، صلى الله عليه وسلم، بقوله: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ، ورزق ربك خير وأبقى} .

وحين طلب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أن يوسع عليهن في النفقة، وأن يزيد لهن في الرزق، ويعاملهن كبقية النساء اللواتي يعيشن في رغد من الدنيا، وفي بحبوحة من النعيم. حين طلبنَ ذلك، نزل التخيير لهن من السماء، وهو قوله تعالى: {یا أیها النبي قل لأزواجك، إن كنتنّ تردن الحياة الدنيا وزينتها ، فتعالين أمتعكُنّ وأسرحكنّ سراحاً جميلا * وإن كنتن تردْنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما}.

 

المزية السابعة: احتياطهم في عقيدة التوحيد وأمر الإيمان الغيب

والمزية السابعة من مزايا دعوة الأنبياء، هي الاهتمام بعقيدة التوحيد، والتشديد في أمر الإيمان بالغيب، وإثبات وحدانية الله، ووجود الصانع المدبِّر الحكيم. كما أنهم قد ركزوا على موضُوع الإيمان بالغيب. فلا تكادُ تجِد نبيًّا من الأنبياء إلا وقد حذَّر قومه من خطر الوثنية والإشراك، ودعاهُم إلى توحيد الله واخلاص العبادة له. استمع إلى القرآن الكريم يحدثك عن الأنبياء الكرام نبيا نبياً، وكيف كان التوحيدُ أساسَ دعوتهم، وغاية جهادهم، فتجده يقول عن نبي الله نوح عليه السلام: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: ٥٩]. ويقول عن نبي الله هود عليه السلام: {إِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: ٦٥]. ويقول عن نبي الله صالح عليه السلام: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ}[هود: ٦١]. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة المتوافرة في هذا الباب.

 

* * *

 

وبهذا، نختتم مجموعة مقالات «النبوة والأنبياء»، بعد أن أتينا على أهم المواضيع المتعلقة بجناب النبوة، ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.