المقال الثالث من سلسلة النبوة والأنبياء للشيخ د. محمد أبو بكر باذيب

يواصل فضيلة الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب كلامه عن عصمة الأنبياء، وفي هذا المقال يتحدث باستفاضة وأهمية عن العصمة وتعريفها لغة وشرعا والأدلة العقلية عليها، وهل كانت تلك العصمة موجودة في أي نبي قبل نبوته أو وجدت بعدها؟ وتفصيل الأمر في هذه المسألة، والإجابة عما وقع من أمور من بعض الأنبياء مما يفهم منها أنها معاصي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدلله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد.

والصلاة والسلام على سيد السادات، وخير البريات، الرسول الأكرم، والنبي الأعظم، سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، محبوب مولاه، وصفوته من رسله وأنبياه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين، ونسألك التوفيق لشكرك.

أما بعد؛

فإنه سبق الحديث عن الصفات الست الواجبة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفصلنا الكلام في شرح خمس منها، وبقيت صفة واجبة هي صفة العصمة، تم إفرادها في هذا المقال، نظراً لتشعب الكلام فيها. فنقول وبالله التوفيق:

العصمة: هي في اللغة المنع. يقال: عصمته عن الطعام، أي: منعته عن تناوله. ومنه قوله تعالى: {قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود: ٤۳]، أي:  يمنعني من الماء. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف: ۳۲]، أي: امتنع امتناعاً شديداً. وفي الحديث الشريف: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام»، أي: منعوا مني دماءهم وأموالهم.

والعصمة شرعاً: حفظ الله لأنبيائه ورسله عن الوقوع في الذنوب والمعاصي، وارتكاب المنكرات والمحرمات. فهي صفة من الصفات الواجبة لهم، وهي هبة من الله، وخصوصية للأنبياء ميزهم بها عن سائر البشر. وفي ذلك حكمة بالغة، في جعلهم قدوات لجميع الناس، وأسوة صالحة للخلق. فلو جازت عليهم الذنوب والمعاصي، لكان في ذلك تشريعاً للمعصية، وهذا خلاف الرسالة التي أساسها الهداية. فالرسل هم القادة، وكيف يصح لقائد أن يأمر بفضيلة وينهى عن رذيلة، وهو متلبس بها!؟.

وهناك دليل عقلي آخر للعصمة، وهو أنه قد ثبت أن الرسول هو المثل الأعلى في أمته، وأنه يجب الاقتداء به في عباداته وأقواله وأفعاله. وذلك يستلزم أن تخلو أفعاله وأقواله مما يعد معصيةً لله، لأنه قدوة. ولو صح أو جاز أن تدخل المعصية في حياة النبي، لوجب الاقتداء به فيها. وعليه، فيكون الأمر الإلهي ظاهره التناقض في تحريم أمر وفرضه في آن واحد، فثبت العكس، وهو عدم صحة تجويز المعصية على النبي.

فثبت بالشرع والعقل أن الأنبياء يجب أن تكون حياتهم فاضلة كريمةً، مشرقة بنور الهداية، معروفة بالعفة والطهارة، زاخرة بالنبل والفضل والصلاح. وهذه هي العصمة.

هل العصمة قبل النبوة أم بعدها؟

اختلف العلماء في هذه المسألة، وهل تختص العصمة بالكبائر فقط، أم تشمل معها الصغائر؟.

أما الكبائر، فالاتفاق حاصلٌ على عصمتهم عنها، عند أهل السنة والمعتزلة، وحكى القاضي أبوبكر بن العربي الإجماع عليه [تفسير القرطبي: 1/ 308].

وأما الصغائر، فهُم في تفصيل ذلك فريقان:

الفريق الأول: ذهبوا إلى أن العصمة ثابتة قبل النبوة وبعدها، لارتباط السلوك الشخصي بحياة الإنسان منذ نشوئه. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في حق موسى عليه السلام: {ولتصنع على عيني}، وقوله تعالى: {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار}، والاصطفاء غير محدد بوقت، فلزم أن يكون عاماً في الحياة كلها.

الفريق الآخر: ذهبوا إلى أن عصمة الأنبياء إنما تكون بعد النبوة، وأن الصغائر تجوز عليهم قبل النبوة، لأن البشر ليسوا بمأمورين باتباعهم قبل النبوة، وإنما يجب الاتباع بعد نزول الوحي، وبعد تشريفهم بحمل الرسالة. ولكنَّ هذا التجْويزَ عقليٌ، فإن سير أنبياء الله عليهم السلام سير فاضلة، لحفظ الله لهم ورعايته قبل النبوة، فلم يثبت عن أحد منهم وقوعه في ذنب أو فاحشة أو شيء مخل بالاستقامة. هذا الرأي نسبه القرطبي في «تفسيره» [1/ 308] إلى الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين. ثم نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني قوله: «اختلفوا في الصغائر. والذي عليه الأكثر: أن ذلك غير جائز عليهم. وصار بعضُهم إلى تجويزها. ولا أصلَ لهذه المقالة».

فإن قيل: فكيف نفسر ما ورد في الكتاب العزيز من وقوع أمور من بعض الأنبياء، كما في قوله تعالى: {وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} [طه: ۱۲۱]. وقوله تعالى في حق نوح عليه السلام: {إنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: ٤٦]، وقوله تعالى لنبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: ۲].

أجاب الإمام القرطبي عن هذا [1/ 309] بقوله رحمه الله: «الذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم، وتنصلوا منها، وأشفقوا منها، وتابوا. وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة، لا يقبل التأويل جملتُها، وإن قبل ذلك آحادُها. وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان. أو تأويل دعا إلى ذلك.

فهي بالنسبة إلى غيرهم حسناتٌ، وفي حقهم سيئات [بالنسبة] إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم. إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائسُ. فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحقُّ. ولقد أحسن الجنيدُ حيثُ قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فهم – صلوات الله وسلامُه عليهم – وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم وسلامه»، انتهى كلام القرطبي.

ويجاب أيضاً عن ذلك باختصار:

أولا: أن تلك الأمور لم تكن معاصي صريحة، إنما هي فعل خلاف الأولى، أو نسياناً.

ثانياً: أنها إنما جرت باجتهاد خاطئ، والمجتهد المخطئ مثاب.

ثالثاً: على فرض أنها مخالفات ومعاصي، فهي قد جرت قبل النبوة لا بعدها.

هذا ما تيسر جمعه في هذه العجالة، والموضوع طويل ومتشعب، وهناك تفاصيل كثيرة وكلام لأهل العلم مفصل ودقيق في الإجابة عن إشكالات وتساؤلات كثيرة حول قضايا وأخبار وردت في كتب السيرة النبوية، أو في بعض دواوين الحديث الشريف، مما يتصل بعصمة الأنبياء، لعلنا نتناولها في وقت آخر إن شاء الله. ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن عصمة الأنبياء، عليهم السلام.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.