يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

قال ابن سعد في طبقاته يروي عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: لَمَّا صَدَرَ السَّبْعُونَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم طَابَتْ نَفْسُهُ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مَنَعَةً وَقَوْمًا أَهْلَ حَرْبٍ وَعُدَّةٍ وَنَجْدَةٍ ، وَجَعَلَ الْبَلاَءُ يَشْتَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْخُرُوجِ فَضَيَّقُوا عَلَى أَصْحَابِهِ وَتَعَبَّثُوا بِهِمْ ، وَنَالُوا مِنْهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يَنَالُونَ مِنَ الشَّتْمِ وَالأَذَى ، فَشَكَا ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْهِجْرَةِ…فَقَالَ: قَدْ أُخْبِرْتُ بِدَارِ هِجْرَتِكُمْ وَهِيَ يَثْرِبُ، فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَجَهَّزُونَ وَيَتَوَافَقُونَ وَيَتَوَاسُونَ وَيَخْرُجُونَ وَيُخْفُونَ ذَلِكَ…ثُمَّ قَدِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم أَرْسَالا، فَنَزَلُوا عَلَى الأَنْصَارِ فِي دُورِهِمْ فَآوَوْهُمْ وَنَصَرُوهُمْ وَآسُوهُمْ …

ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلا متخفيا غير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهماً، واختصر عَنَزَتَه (حربته) ومضى قِبَلَ الكعبة، والملأُ من قريش بِفِنَائها، فطاف في البيت سبعاً متمكناً مطمئناً، ثم أتى المقام فصلى، ثم وقف فقال: (شاهت الوجوه، لا يُرْغِمُ الله إلا هذه المعاطسَ، مَنْ أَرَادَ أَنْ تَثْكَلَهُ أُمُّهُ، أَوْ )يُؤْتَمَ وَلَدُهُ، أَوْ تُرَمَّلَ زَوْجَتُهُ، فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الوَادِي.

قال علي: فما اتّبعه إلا قوم من المستضعفين. [1]

وهكذا تتابع المسلمون في الهجرة إلى المدينة حتى لم يبق بمكة منهم إلا رسولُ الله – صلّى الله عليه وسلم – وأبو بكر، وعلي، أو معذب محبوس، أو مريض، أو ضعيف عن الخروج.

فَلَمَّا خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ فِي هِجْرَتِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ كَلِبَتْ قُرَيْشٌ عَلَيْهِمْ (غضبت) وَحَرَبُوا وَاغْتَاظُوا عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْ فِتْيَانِهِمْ.

نستخلص مما مر:

أولاً: – مر الرعيل الأول من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأنواع من الامتحان الرهيب، فنجحوا فيها جميعاً نجاحا منقطع النظير، امتحنوا بالتوحيد فوحدوا، وامتحنوا بالعبادة فأتوا بها على أكمل وجه، وأمروا بالصبر على الأذى، وكف اليد، والاستسلام لأمر الله، ففعلوا، وطُولِبُوا بترك الأوطان والهجرةِ، فهاجروا، ثم امتحنوا بمقاتلة أهليهم، وأبناء قبائلهم إلى جانب إخوانهم من الأنصار، فقاتلوهم، ولو أمرهم الله بقتل أنفسهم لقتلوها، لا كالمنافقين الذين قال الله فيهم: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) [النساء: 66] .

فكانوا بالتجرد من أهواء النفوس وعصيانها جيلاً ما عرف التاريخ له مثيلاً.

ثانياً: إنما كانت الهجرة إلى المدينة لِحِكَمٍ كثيرةٍ، منها:

– أنها تمتاز بحصون طبيعية مثالية؛ فَمِن الشرق حَرَّةُ واقم، ومن الغرب حَرَّةُ الوَبَرَة، ومن الجنوب مزارع النخيل الكثيفة، فحاميات صغيرة تستطيع أن تمنع من دخولها أكبر جيش وأعتاه، ولم يبق مفتوحاً إلا الجهة الشمالية وجزء من الشمال الغربي ما بين الحرة الشرقية والغربية اللتين حفر النبي – صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب الخندق بينهما.

– أن أهل المدينة من الأوس والخزرج كانوا أصحاب نخوة وإباء ونجدة وفروسية وكانوا أعزَّ الناس نفوساً وأشرفَهم هِمَماً، لم يعطوا إتاوة لأحد.

– أن بني النجار من أهل المدينة أخوالُه، وكانت الأرحام يُحْسَبُ لها حسابٌ كبيرٌ في حياة العرب الاجتماعية.

–   أن الأوس والخزرج قحطانيون، والمهاجرين من أهل مكة عدنانيون، فإذا اجتمع الفريقان تحت لواء الإسلام، لم يبق للشيطان سبيل لإثارة النعرات القبلية بينهم.

ثالثاً: كان أهل المدينة المثلَ الأعلى للأخوة الإسلامية، والمحبة في الله عز وجل؛ إذ آووا إخوانهم من المهاجرين، وقاسموهم أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، فمدحهم الله في قرآنه فقال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩]

وأكد الله هذه الأخوة بين المهاجرين والأنصار، فجعل التوارث في صدر الإسلام بناء عليها، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا، أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا، ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا) [الأنفال: 72].

ولم يستقر حكم الميراث على أساس علاقة القرابة إلا بعد أن تكامل الإسلام في المدينة، وصارت للمسلمين دار إسلام قويةٌ منيعةٌ.

رابعاً: من كان في دار الحرب، أو دار الكفر حراً آمناً، يستطيع أن يعبد الله، ويدعو إليه، ولا يخشى على نفسه وأهله وذريته الفتنة، ولم يَطْلُبْ منه خليفة المسلمين الشرعي الهجرة إلى دار الإسلام، فَمُقَامُه حيث هو أجودُ وأطيبُ وأكثرُ أجراً، بل اعتبر الشافعية أنه يندب له البقاء؛ لأنه ببقائه يصبح جُزءٌ من دار الكفر دارَ إسلام. وإن اشتُهِرَ من مذهب الحنفية وجوبُ الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة إلى دار السنة في كل حال.

قال الماوردي: إذا قَدِرَ على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر، فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها؛ لما يُتَرَجَّى من دخول غيره في الإسلام.

وإنما كانت الهجرة واجبةً إلى رسول الله؛ لأنه بصدد إقامة الدولة الإسلامية، وهي بحاجة إلى كل طاقات الأمة يومئذ، فبفتح مكة انقطع وجوب الهجرة إلى رسول الله بقوله: (لا هجرة بعد الفتح)؛ لأن الدولة الإسلامية قامت بقوة، لم يعد يخشى عليها من الأعداء، وليس المعنى انقطاع الهجرة مطلقاً من بلاد الكفر، فهذا النوع من الهجرة باقٍ عند الخوف على النفس، أو الخوف من الفتنة، أو المنع من إقامة الشعائر الدينية الظاهرة كالأذان والجماعة وصلاة الجمعة.

قال الخطابي: كانت الهجرة أي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – في أول الإسلام مطلوبةً، ثم افتُرِضَتْ لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته؛ للقتال معه، وتَعَلُّمِ شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات، حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل، سقطت الهجرة الواجبة، وبقي الاستحباب.

خامساً: وجوب نصرة المسلمين بعضِهِم بعضاً، مهما تباعدت ديارهم وبلدانهم، ومهما اختلفت ألوانهم وأعراقهم، ما دام ذلك ممكناً. ففك الأسرى، ونصرة المظلومين، واستنقاذ المستضعفين من إخوانهم المسلمين، في أي جهة من جهات الأرض، مما اتَّفَقَ عليه فقهاءُ وأئمةُ الإسلام؛ لاستفاضة الأدلة في ذلك.

روى أحمد وأبو داود عن جابر بن عَبْدِ اللَّهِ وأبي طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ رضي الله عنهم جميعاً، قالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: – صلى الله عليه وسلم – (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ [2]

وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) [1] .

يقول أبو بكر بن العربي: (إذا كان في المسلمين أُسَرَاء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن، بأن لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم من ذلك) «50.

ولئن كانت موالاة المسلمين بعضِهِم بعضاً واجبة، يجب أن نعلم أنه لا يجوز أن يشيع شيء من الولاية أو التناصر أو التآخي بين المسلمين وغيرهم، وهذا ما يصرح به كلام الله عز وجل، إذ يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: 51].

فإهمالُ المسلمين نصرةَ بعضِهِم بعضاً، وانصرافُهم إلى موالاة غير المسلمين هو أساس ما نراه اليوم من ضعفهم، وتألب الأعداء عليهم، وسفك دمائهم، ونهب خيرات بلادهم، وانتهاك أعراضهم، وتدمير مقدساتهم، واحتلال أرضهم.

سادساً: قد يقول قائل: لماذا يهاجر رسول الله متخفياً عن أعين الرقباء من قريش؟ بينما عمر بن الخطاب يهاجر عَلَناً متحدياً كبرياءَ قريش شاتما إياهم آخذاً معه عشرين من المستضعفين وقريش تقبل الإهانة وتبتلع المذلة أيكون عمرُ أشجعَ من النبي؟ الجواب لم يكن عمرُ – رضي الله عنه – أشجعَ من النبي – صلى الله عليه وسلم – بل كان النبي أشجع الخلق على الإطلاق، والدليل ما رواه مسلم عن علي بن أبي طالب: كنّا إذا حمي الوطيس، واشتدّ البأس، واحمرّت الحدق؛ اتقينا برسول الله – صلى الله عليه وسلم – فما يكون أحد أقربَ إلى العدو منه، وكان أشجعَنا مَن كان أقربَ إليه. [3]

وروى البغوي عن علي أنه قال: وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ، وَنَحْنُ نَلُوذُ بِالنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ أَقْرَبُنَا إلى العدو، كان مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا. البغوي، في شرح السنة، 3699.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا رَأَيْتُ أَشْجَعَ وَلَا أَنْجَدَ وَلَا أَجْوَدَ وَلَا أرْضَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج1 ص116

وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتِيبَةً إِلَّا كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَضْرِبُ. الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج1ص116

لكنْ كان رسولُ الله قدوةً، وقولُه وفعلُه ووصفُه وتقريرُه شرعاً، وسوف يتبعه في طريقته عمومُ المسلمين على مر الزمان إلى يوم القيامة، وعموم المسلمين لا يطيقون ما فعله عمر، إنما المطلوب هو الحذرُ والاحتياطُ، والأخذ بالأسباب الكاملة لضمان سلامة المهاجرين، أما عمر بن الخطاب، فيعدّ تصرفه تصرفاً شخصياً ليس فيه حجةٌ تشريعية، فله أن يتخير من الطرق والوسائل والأساليب ما يحلو له، وما يتفق مع قوة جرأته. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

_________________________________

[1]أُسْد الغابة: 3/ 650

[1].أبو داود،4884 – المعجم الكبير للطبراني، 4735

رواه البخاري 2310، 6551 – ومسلم، 2580، 6670