يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

أرسل النبي مصعب بن عمير مع الاثني عشر الذين بايعوا بيعة العقبة الأولى، فنشطوا بالدعوة إلى الله؛ فلم يبق بيت في المدينة إلا دخله الإسلام، وبعد عام جاء ببضع وسبعين للقاء النبي في موسم الحج، فتواعدوا عند العقبة، فلما التقوا قال النبي: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِر… قَالَ رَسُولُ اللهِ: – صلى الله عليه وسلم – ارْفَعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ. [1]

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ لَيَهْلِكُنَّ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج: 39] فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: “لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ.” [2]

الآية صريحة بجهادِ العدو، وحمايةِ الرسولِ والدعوةِ بالقوة؛ لإعلاء كلمة ِالله في الأرض، وتمكينِ منهج الله من إدارة الحياة، وإقامةِ المجتمع الإسلامي، وبناءِ الدولةِ الإسلامية القوية؛ يعني أن تكون الحاكميةُ لله وحدَه في هذا الوجود، لتتمتع البشرية بهذا المنهج الرباني القويم، وعدلِهِ المطلقِ، مع تركهم أحراراً في اختيار العقيدة التي يقتنعون بها، وعلى هذا استقر حكم الجهاد في الإسلام؛ وبناء عليه؛ فلا يوجد في الإسلام شيء اسمه جهاد دفع، بل هذا يسميه الفقهاء قتال الصائل؛ وهو دفاع المسلم عن نفسه أو ماله أو عرضه، أما الجهاد الحقيقي: فيعني القتال من أجل إقامة المجتمع الإسلامي، وأن تكون الحاكميةُ لله وحده في هذا الوجود، وتمكينُ منهج الله من إدارة الحياة.  

وهذا الذي يُرْعِبُ أعداء الإسلام، فهم يدركون تماماً أن ركن الجهاد في سبيل الله إذا استيقظ في نفوس المسلمين، ومورس بالطريقة التي كان عليها سلف هذه الأمة في أي عصر من العصور، فلن تقف أية قوة على وجه الأرض بالغةً ما بلغت في وجه المد الإسلامي؛ لأن المسلم يقاتل في سبيل الله؛ لتحقيق منهج الله، مستنداً على قوة الله وحمايته، فإما أن يموت شهيداً وله الجنة، وإما أن ينتصر، وكلاهما خير؛ فمن هذا التصور كان ذلك المد الإسلامي العجيب، في أقصر فترة عرفت في التاريخ؛ حتى سمي بالفتح المعجزة.

بينما غيرُ المسلم يقاتل في سبيل الطاغوت؛ لتحقيق مناهجَ شتى متشاكسةٍ، وشرائعَ شتى متنازعةٍ، فالمقاتل تحت هذه الرايات فهو غير مستعد ليموت من أجل من يخالفه في كل شيء حتى في الدين؛ لذلك فهو يتمنى لأخيه أن يموت قبله، بل قبل عدوه، مشفوعاً باللعنات. فأنى لهؤلاء أن يتحقق النصر على أيديهم؟! فالمستشرقون يدركون تماماً هذه الفجوة الهائلة بين الفريقين؛ لذلك جعلوا أَوْلَى أَوْلَوِيَّاتهم أن يميتوا حس الجهاد في نفوس المسلمين، فقالوا بخبث ودهاء إن الإسلام دين سلام ومحبّة، لا يُشرع الجهاد فيه إلا لضرورة رد العدوان المداهم، ولا يُحَارِبُ أهلُه إلا دفاعاً عن النفس، ومن يزعم أن الإسلام إرهاب وقتل ودماء فكلامه باطلٌ عارٍ عن الصحة. 

يريدون بهذا الكلام المعسول نَسْخَ ركن الجهاد من أذهان المسلمين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مسند الإمام أحمد: 16040

[2] سنن الترمذي: 3171