بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

انتهينا في المحاضرة الماضية من التربية الدينية للأولاد، واليوم سننتقل للمسؤولية الثانية التي تجب للأبناء على الآباء ألا وهي التربية العلمية والفكرية.

الأب والأم مسؤولان عن الأبناء، ومسؤوليتهم لاتتوقف على تربية الأجساد بالطعام، والشراب بل تتعدى ذلك لتربية عقولهم، وأفكارهم، وزيادة الوعي، والتحصيل العلمي لديهم.

لقد أولى الإسلام اهتماما بالغا بالتربية العلمية فحبَّبَ بالعلم، وأعلى، ورفع مكانة العلماء على غيرهم؛ بل حضّ على الاستزادة من العلم، و جعل طلب العلم طريقاً وسبيلاً موصلاً للجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يطلب فيه علماً سلك الله به طريقا من طرق الجنة”[1]

وقال تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) [الزمر9]

إن الكلام السابق موجه للكبار، كما أنه موجه للصغار أيضاً؛ فالكبيرالمتعلم لا يستوي مع الكبير، والصغير الجاهِلَين، والصغير العالم لا يستوي مع الكبير، والصغير الجاهِلَين؛ فالعالِمُ أرقى، وأعلى شأواً من الجاهل مهما كانت سِنُّه صغيراً أم كبيراً؛ فالمرؤ بأصغريه قلبه، ولسانه.

ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻭلى ﺍﻟﺨﻼﻓﺔ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪﺍﻟﻌﺰﻳﺰ، ﻭﻓﺪﺕ ﺍﻟﻮﻓﻮﺩ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺑﻠﺪ ﻟﺒﻴﺎﻥ ﺣﺎﺟﺎﺗﻬﺎ ﻭﻟﻠﺘﻬﻨﺌﺔ، ﻓﻮﻓﺪ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺤﺠﺎﺯﻳﻮﻥ، ﻓﺘﻘﺪﻡ ﻏﻼﻡٌ ﻫﺎشمي ﻟﻠﻜﻼﻡ، ﻭﻛﺎﻥ ﺣﺪﻳﺚ ﺍﻟﺴﻦ.

ﻓﻘﺎﻝ ﻋﻤﺮ : ﻟﻴﻨﻄﻖ ﻣﻦ ﻫﻮ ﺃﺳﻦُّ ﻣﻨﻚ.

ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﻐﻼﻡ : ﺃﺻﻠﺢ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ، ﺇﻧﻤﺎ ﺍﻟﻤﺮﺀُ ﺑﺄﺻﻐﺮﻳﻪ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﻟﺴﺎﻧﻪ ، ﻓﺈﺫﺍ ﻣﻨﺢ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺒﺪﺍً ﻟﺴﺎﻧﺎً ﻻﻓﻈﺎً ، ﻭﻗﻠﺒﺎً ﺣﺎﻓﻈﺎً ، ﻓﻘﺪ اﺳﺘﺤﻖّ ﺍﻟﻜﻼﻡ، ﻭﻋَرَﻑَ ﻓﻀﻠﻪ ﻣﻦ ﺳَﻤِﻊَ ﺧﻄﺎﺑﻪ ، ﻭﻟﻮ ﺃﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺑﺎﻟﺴِّﻦ؛ ﻟﻜﺎﻥ في ﺍﻷﻣﺔ ﻣﻦ ﻫﻮ ﺃﺣﻖ ﺑﻤﺠﻠﺴﻚ ﻫﺬﺍ ﻣﻨﻚ.

 ﻓﻘﺎﻝ ﻋﻤﺮ : ﺻﺪﻗﺖ ، ﻗﻞ ﻣﺎ ﺑﺪﺍ ﻟﻚ.

لقد رفع الله قدر أهل العلم فقال: (يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتو العلم درجات والله بما تعملون خبير) [المجادلة 11].

 ينبغي للأب أن يضع ميزان القرآن نُصْبَ عينيه، وهو يقوم بتربية أبنائه، والميزان الذي ما ينبغي أن ينساه الوالدان هو: ميزان التربية على أساس أن أهل العلم أعلى قدراً من الجهال؛ فالله تعالى يقول: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون).. فالتسوية بينهم خطأٌ؛ لأنه تسوية بين مختلِفَيْن. فبالعلم أرفع ولدي لسدة الدرجات العلى.

لقد أمرنا ربنا أن نستزيد من العلم، ونسأله أن يَمُنَّ علينا بالزيادة منه فقال: (وقل ربي زدني علماً) [طه 114]

كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً” [2]

لقد أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم لأن الله شرَّف آدم على غيره بالعلم فقال تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) [البقرة 31].  ينبغي للأبوين أن يذكرا هذه المعاني لأولادهم؛ فكل خلق نبيل، وكل فضل، وكل خير يكون بالعلم.

علم ولدك أيها الأب أن الخشية تكون عند أهل العلم فقال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر28]

انظر إلى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بينت فضل أهل العلم ومكانتهم:

قال رسول الله: “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم” ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير”[3]

وقال أيضا:” فضل العالم على الجاهل كفضل القمر على سائر الكواكب”[4]

لقد جعل رسول الله لأسرى بدر الذي لايجدون فكاك رقابهم بالمال، أن يُعلِّم كل واحد منهم عشرةً من أبناء المسلمين.

مهمات:

1-بعض الآباء يسيؤون لنعم الله تعالى عليهم، وهم لا يدرون، ويظلمون العلم، وهم لايعلمون. فأب يقول لولده: قيمتُكَ يا بني قيمةُ ما تملكه من المال ( تملك قرش قيمتك قرش).

لقد اختل ميزان معرفة الرجال عند هذا الأب، ولقد أساء الأب لولده لأنه لم يرشده لأسباب الرفعة، والعلو؛ بل دلَّه على ما لا يكون سبباً لتفاضل الناس، وعلو منزلتهم

فالمال ليس من أسباب الرفعة، وعلو المكانة؛ بل إن تعظيم الناس لمجرد المال شيءٌ مذموم عند العقلاء، وإن كان كثيرٌ من الناس يُفضِّلون أصحاب المال، والمَنْصِب على العلم؛ فهو تفضيل صادرٌ ممن لايَقْدِرُ العلم قدرَه.

2-بعض الأبناء يتوقف عن الدراسة، والتحصيل العلمي؛ والسبب: أن والداه أرسلا له كثيراً من الرسائل السلبية من حيث يدرون، أو لا يدرون؛ كأن يتحدث الوالد بحضور ولده أن ابنه الذي لم يدرس أحسن حالاً من ابنه الذي أمضى جل عمره في العلم، والدراسة؛ فيلتقط الصغير هذه المعلومة، وتدخل قاعدة البيانات في عقله؛ فيظهر أثرها بعد أن يصبح الولد في سنٍّ يَقْدِرُ فيها على التعبير عما بدا.

 3-من أخطاء التربية تعظيم نوعٍ من التخصص العلمي؛ لأنه يجلب المال أكثر؛ فيتمنى الولد أن يصير طبيباً لجلب المال، لا لنفع الناس، لا لطلب العلم، ورفعة العلماء ..لهذا نرى كثيراً من طلاب الثانوية يرى نفسه فاشلاً لو لم يتمكن من الحصول على الفرع الذي يُحَصِّلُ معه كمية أكثر من المال.

4-بعض الآباء والأمهات يَعْلَم كل هذه الأحاديث التي ترفع من مكانة أهل العلم ولا يكلف نفسه البحث عمن يُعلِّمه؛ مع أن رسول الله يقول: “طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم”[5].

 يظن بعض الناس أن العلم إنما هو للمتفرغين فقط، أما من عنده عمل فينبغي أن يبقى مشغولاً بعمله…

 ما أجمل أن يأخذ الأب أو الأم كتبهم، ويذهبون للمسجد لحضور دروس العلم؛ فيراهم الأولاد، وهم على هذه الحال فيتعلقوا بالعلم والعلماء.

ليتذكر الآباء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: “يا أبا ذر لأن تغدو فَتَعَلَّم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فَتَعَلَّم باباً من العلم عُمِلَ به أم لم يُعْمل خير لك من أن تصلي ألف ركعة”[6]

لقد ذكر لنا التاريخ كثيراً من القصص التي تخبرنا أن أصحابها ماتوا، وإما معلِّمين أو في طريق طلب العلم.

5-بعض الناس لو دخلت بيته لوجدته مرتباً غايةَ الترتيب؛ فكل ماهو ثمينٌ يضعه في خزانةٍ خاصةٍ يزيِّن به الغرف. فخزانة للخزفيات، وخزانة للصور…أما الكتب فإنها توضع في علبة كرتون بعيدةً عن الأعين. وهذا بدوره يرسل صوراً سلبيةً لمكانة العلم؛ فلو عظَّم أهل البيت العلم لعظَّموا أسبابه؛ لهذا لا نستغرب عزوف أولادنا عن المطالعة التي فيها حياة القلوب، والعقول.

6-كثير هم الصغار الذين حفظوا القرآن في سن الخامسة، وما بعدها، وكثير هم الصغار الذين حفظوا كتب السنة النبوية كصحيح البخاري ومسلم..وغيرها من كتب السنة، بالإضافة للمتون العلمية الكثيرة التي تتعلق بعلوم العربية، والحديث، وغيرها ..وما ذلك إلا بسبب: الاهتمام الحاصل من الوالدين.

أحد الأمهات تأخذ ولدها الصغير الذي مات أبوه إلى المسجد لحضور درس العلم، ثم ترجع، وتأخذه مرة ثانية.. هكذا على مدار الأسبوع دون كلل، أو ملل.

7-تجنيب أولادنا إضاعة الوقت بما لا طائل منه ، وتوجيههم للاستفادة من أوقاتهم بالاستزادة من العلم، والمعرفة واجب على الوالدين.

 أحد الأطفال يحفظ كل أغاني المغنين، وكل أسماء المغنين، والممثلين، وكل أسماء لاعبي كرة القدم بمختلف الأندية من عام 1950 إلى وقتنا هذا! ماذا استفاد الولد من حشو ذهنه بأمثال هذه الأشياء؟! لو وجَّهه والداه لتعلُّم شيءٍ مفيد أليس أولى؟ لو استفاد والدا هذا الطفل من هذه الذاكرة القوية في تعليمه مايرجع بالخير على الإنسان، والحياة أليس أولى؟ أليس من الأجدى توجيه ذكاء هذا الطفل لتعلم الطب، والهندسة، والفيزياء، والكيمياء بدل شُغْل ذهنه بهذه التوافه؟

8-تفوق أبناء الأمة في دينها؛ سبب لتفوقها في جميع فنون الحياة، ولنا في التاريخ أكبر مصدِّق لهذا الكلام؛ فكثير من علماء الأمة بشريعة الله برَّزُوا في العلوم، والفنون كالطب، والحساب، والفلك، و الفلسفة وو..

9- بعض الآباء يرسل ولده الفاشل لتعلُّم علوم الشريعة، أما الولد الذكي فيرسله لتعلم الطب، والهندسة، وكأن دين الله لايحتاج للفهم، والذكاء! وهذا أيضاً خلل في الموازين الموجودة عند الوالدين.    

10-بعض الآباء يعاقب ولده لأن نتيجة امتحانه لم ترضيه، ولم يسأل هذا الوالد نفسه هل قام بما يجب عليه تجاه ولده من متابعةٍ، واهتمام،ٍ ومساعدة ؟

11-يجب أن يربي الآباء أبنائهم على حب العلم، والعلماء، والتعلق بالعلم.

ما أجمل موقف ذلك الوالد الذي كلَّما رأى عالماً؛ دعا الله عزوجل على مسْمَعٍ من ابنه؛ أن يجعل الله ابنه كهذا العالم.  

وأخيراً: ليتذكر الآباء أنه كلما كانت الأمة أرقى ثقافةً؛ كلما كانت أعلى مكانةً بين الأمم، وأن صاحب العلم يقدَّم على غيره؛ لما يحمله من العلم لا لشيءٍ آخر.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب، والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

__________

[1]: أبو داوود من حديث أبي الدرداء 3641

[2]: ابن ماجه من حديث أم سلمة هند بنت أبي أمية 2/411

[3]: الترمذي 2686

[4]: الترمذي 5/48

[5]: المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي من حديث أنس بن مالك 324

[6]: سنن ابن ماجه باب فضل من تعلم القرآن وعلمه 219