بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علما ينفعنا.

وبعد:

مانزال بصدد الحديث عن التربية الدينية للأولاد، وقد أنهينا مبحث تربية الأولاد على العقيدة. واليوم ننتقل لجزءٍ آخر من تربية الأولاد الدينية، ألا وهو تربية الأولاد على الصلاة.

كثير من أولاد المسلمين مقصرون بالصلاة، أو منشغلون عنها بغيرها بما لافائدة منه.

كثير من الآباء لايدرك خطورة ترك ولده للصلاة مع أن الولد قد يكون في سن البلوغ، أو تجاوزه.

لو كان عند أولادنا مشكلةٌ اجتماعيةٌ ما، أو مشكلةٌ صحيةٌ لحار الوالدان كيف يجدان الحل، والعلاج لهذه المشكلة. ولكن عندما يكون ولدهما مقصراً، أو تاركاً لفريضة الصلاة فإنهما لا يأبهان بهذا، ولا يهتمان به مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وإقام الصلاة..” [1] وقال أيضاً:” الصلاة عمود الدين” [2] وقال أيضاً:” إن أول ما يُسْأَل عنه العبد يوم القيامة صلاته فإن تقبلت منه صلاته تقبل سائر عمله وإن رُدَّت عليه صلاته رُدَّ سائر عمله” [3]

بعض الأمهات لا تأمر ولدها بالصلاة بحجة شفقتها عليه، وأنه صغيرٌ.. والحقيقة أن هذه الأم تفعل هذا لأنها لاتدرك أهمية الصلاة، ولا تدرك أن ترك ولدها للصلاة سببٌ لسخط الله، وغضبه. والغريب أن الأم لا تتعامل مع ولدها بالشفقة ذاتها عندما يتعلق الأمر بمدرسة ولدها؛ فهي توقظه مبكراً ولا تأبه لصغره أو غير ذلك!!

أهمية الصلاة، وأهمية تربية الأولادعليها:

1-لقد أمر الله بالصلاة فقال: (وأقيموا الصلاة) [البقرة43] ،وقال أيضاً: (وأمر أهلك بالصلاة) [طه 132] فالوالد الذي يأمر ولده بالصلاة إنما هوفي الحقيقة يستجيب لأمر الله له، ولا علاقة للشفقة، والحنان بها، وإنَّ أكثر الوالدين شفقةً على الولد هو من يأمره بالصلاة.

2-النبي هو الذي طلب منا أن نأمر أولادنا بالصلاة فقال: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم بالمضاجع” [4]

3-تعويد الأولاد الصلاة، وتربيتهم عليها تبرأ بها ذمة الأولاد بأدائهم لها أولاً، كما تبرأ أيضاً ذمة الوالدين لاستجابتهم لأمر الله، ورسوله ثانياً.

مهمة: بعض الآباء يقول: لن آمر ولدي بالصلاة؛ لأني أريده أن يصلي دون طلب مني ..نقول لهذا الأب: كيف يصلي ولدك إن لم تعلمه، ولم تعوده الصلاة أولاً؟! الحقيقة إن كثيراً من الآباء الذين يقولون مثل هذا الكلام؛ هم في الحقيقة يريدون تغطية تقصيرهم في حق أولادهم بما يتعلق بالصلاة ..لهذا نقول: الإسلام نبهنا لأهمية الصلاة، وأرشدنا للطرق التي نعلِّم فيها أبنائنا حب الصلاة.

4-تعليم الأولاد الصلاة هو تعليمٌ، وتعويدٌ لهم على الصبر لقول الله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه 132]

5-الصلاة مفتاح السعادة الحقيقية في الدنيا، والآخرة، وهي مفتاح كل خيرٍ في الدنيا والآخرة أيضاً.

كيف نعلِّم، وندرِّب أولادنا الصلاة، ونعودهم عليها؟

أولاً: كلما كان تعليم، وتعويد الولد الصلاةَ في سنٍّ مبكرةٍ كلما كان أنفع.

وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه

ومادان الفتى بِحِجَىً ولكن   يعوده التدين أقربوه [5]

ثانياً:الاهتمام بالولد الأول، ومتابعته في أمر الصلاة؛ لأنه سيعلِّم إخوته من بعده الصلاة؛ فالإخوة يقلد بعضهم بعضاً؛ فيكون الولد الأول مفتاح تعليم بقية إخوته الصلاة.

ثالثاً: التربية بالقدوة الصالحة من الأب، والأم فما دام الوالدان يصليان ينشأ الولد على حب الصلاة.

مهمة: تَتُركُ الأمهات الصلاة في فترة الحيض؛ فيظن الأولاد أن أمهم لا تصلي وهذا يؤثر في متابعة الأولاد للصلاة؛ فعلى الأم أن تلبس لباس الصلاة وقت الصلاة وتجلس على سجادة الصلاة، وتأمر أولادها بالصلاة وإن كانت لا تصلي؛ لأن الطفل لايدرك سبب ترك أمه للصلاة.

رابعاً: الدعاء للأولاد بأن يكونوا من أهل إقامة الصلاة لقول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء) [إبراهيم 40]

خامساً: الصبر، والمتابعة في أمر الصلاة من قبل الوالدين، والصبر عليها (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) والاصطبار هو كثرة الصبر، وشدة المتابعة المستمرة قبل البلوغ، وبعد البلوغ.

سادساً: تنمية روح المراقبة لله عز وجل عند الطفل؛ ليشعر أن الله يراقبه في السر، والعلن (ألم يعلم بأن الله يرى) [العلق 14] (يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور) [غافر 19]

سابعاً: بيان عظمة الله، وعظيم نعمه، وتحريك معنى إرضاء الله عزوجل في نفس الطفل، من خلال ذكر هذه النعم؛ ليسعى الولد بكل جهده لتحقيق رضا الله عزوجل.

ثامناً: بيان أهمية الصلاة في الدين، وفوائد الصلاة الروحية، والنفسية، والفكرية،، والتربوية والصحية، وتوضيح السبب الذي وزَّع ربنا فيه الصلاة على خمسة أوقات في اليوم، ونذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه في كل يوم خمس مرات ما تقول ذلك يُبْقِي من درنه قالوا: لايبقى من درنه شيء قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا” [6]

مهمة: كثير من الآباء، والأمهات لا يعرفون أهمية الصلاة، وفوائدها فيجب عليهم اقتناء الكتب التي تتحدث عن هذه الأمور؛ لتعلمها، ومن ثَمَّ تعليمها الأولاد.

تاسعاً: إقدام الكبار على الصلاة بهمةٍ، ونشاطٍ، وعدم التكاسل بأدائها أمام الصغار.

كم هو الفرق بين أن أقول: – لولدي الذي لم يصل – بقي دقائق على نهاية وقت الصلاة، وبين أن أقول لولدي بقي دقائق على دخول وقت الصلاة استعداداً للصلاة.

طفل يركب مع والده السيارة فيسأله والده: هل صليت؟ فيقول الطفل: لا. فيوقف الوالد السيارة، ويُنْزِلُ الطفل، ويساعده على الوضوء، ويمد له شيئا على الأرض ويطلب منه أداء الصلاة.

عاشراً: تشجيع الولد على الصلاة بالمكافئة بأساليب مختلفة: كالكلمة الطيبة، والحديث أمام الناس، وتقديم الهدية.

مهمة: إذا أراد الوالدان تقديم هديةٍ ما للطفل مهما كانت، فما ينبغي أن يقدماها دون الأستفادة منها في تشجيع ولدهم على فعل معروفٍ، وخيرٍ، وهل هناك أفضل من الصلاة لتشجيعه عليها؟ فاربط إعطاء ولدك مايُحبُّ؛ لتشجيعه على أداء الصلاة.

الحادي عشر: الدعوة للصلاة بالأسلوب الحسن، وخصوصاً في أوقات الراحة كصلاة الفجر التي يكون فيها الولد نائماً، ونذكِّر الطفل أن الصلاة خيرٌ من النوم.

الثاني عشر: تفقد الصغار دائماً، والسؤال عن صلاتهم، هل صلوا أم لا؟ بشكل دائم وبأساليب مختلفة بحيث لايصل الولد للسآمة من كثرة سؤال الوالدين ولدَهم هل صليت أم لا؟

مهمة: من المفيد جداً أن يتصل الوالد ببيته، وهو في السفر ليسأل أولاده، ويطمئن عليهم هل صلوا أم لا؟ وكذلك أن يتصل وهو في عمله لو دخل وقت الصلاة فهذا السؤال يزرع في نفس الولد أهمية الصلاة فالولد يفكر، ويتذكر أن والده في السفر ومع ذلك يسأل عن صلاته.

الثالث عشر: التدريب على الصلاة جماعةً في البيت، والمسجد لِمَا في ذلك من تنشيط الولد على الصلاة جماعةً.

الرابع عشر: تعريف الطفل بمعاني أفعال الصلاة كالركوع، والسجود، والقيام  ومعنى الله أكبر.

الخامس عشر: ابتكار الوسائل التي تُعِين الولدَ على ضبط القيام بالصلاة: كصنع الجداول التي تجعل الولد يضع إشارة في الجدول لو أدى الصلاة؛ فيتعرف في نهاية الأسبوع هل هو ملتزم بالصلاة أم لا؟ فيتعلم الطفل محاسبة نفسه، ومعرفة تقصيره في الصلاة .

السادس عشر: تخصيص الطفل بلباسٍ خاصٍّ به لأدائه الصلاة كالجلابية للذَّكر، ولباس خاص للفتاة، وسجادة خاصة لصلاتهم، وتخصيص حجرة خاصة داخل البيت يطلق عليها مصلى البيت يتعود الأولاد الصلاة فيها.

السابع عشر: إسماع الطفل بعض الدروس، والمواعظ المتعلقة بالصلاة بشكل غير مباشر مثل: أخذه للمسجد؛ ليسمع خطبةً تتحدث عن أهمية الصلاة، أو من خلال شراء كتابٍ يوضح أهمية الصلاة أضعه بالبيت، وأترك أولادي يقرؤونه بأنفسهم.

الثامن عشر: عدم التوبيخ لترك الولد الصلاة، أو عندما يضحك، ويلعب، وهو يصلي، وعدم التدقيق على الطفل هل توضأ أم لا، وهل اتجه للقبلة أم لا؛ لأن الغاية أن يتجه قلب الطفل للصلاة، وليس الغرض أداء الصلاة بشكل صحيحٍ؛ لأن الطفل دون سن التكليف.

التاسع عشر: الضرب وسيلة أذن بها الشارع عندما قال : “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر” [7]

 بعض الملحوظات المتعلقة بالضرب:

أ-لا يجوز الضرب قبل سن العاشرة، والوالد الذي يضرب ولده للصلاة قبل هذا السن آثم لأنه يخالف أمر الشارع.

ب-ليس الغرض من الضرب الإيذاء الجسدي، بل تحريك الاهتمام بالصلاة في نفس الطفل؛ فالضرب رسالة إيجابية لاسلبية.

ج-اجتناب العنف، والشدة في الضرب ليكون غير مبرحٍ.

د-الضرب آخر وسيلة لتعليم الطفل الصلاة، ويسبقه خطوات كثيرة فالضرب وخصوصاً الشديد منه، وأمام الأصدقاء ينفِّرُ الولدَ عن الصلاة.

و-ترك وعظ الطفل، وترك تشجيعه، وترغيبه بالصلاة، والاقتصار على الضرب لأداء الصلاة؛ مخالف لهدي الشرع عندما قال:” مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر”

مهمة: الطفل يمر بمراحل ليتعلم الصلاة فيجب على الوالدين معرفة هذه المراحل وهي:

من سن 3 إلى سن 5سنوات صلاة الطفل عبارةٌ عن تقليدٍ لصلاة الكبير.

من سن 5 إلى سن 7سنوات يفهم الطفل بعض معاني الصلاة وهي مرحلة التهيئة.

من سن 7 إلى 10 أمر بالصلاة، والضرب عليها أحياناً.

اللهم وفقنا لمحابك والهمنا مراشد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

____________

[1]: صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب 24

[2]: سنن الترمذي 2616

[3]: المستدرك على الصحيحين 898 وسنن البيهقي 4721

[4]: سنن أبي داوود 495

[5]: من شعر أبي العلاء المعري

[6]: صحيح البخاري 499

[7]: سبق تخريجه