الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علمًا ينفعنا.

وبعد:

تحدثنا في المحاضرة السابقة عن خصائص هذه المرحلة، والآن سنتحدث عن:

كيف سنتعامل مع الولد، وماهي الوسائل التربوية التي تعين على تربيتة في هذه المرحلة:

  1. يجب علينا إعطاء الولد مساحته في إثبات شخصيته باختيارنا، والاعتراف به، وبرأيه بدل أن يُثبت شخصيته بالقوة.
  2. إعطاء الولد مساحته في تحقيق حاجاته النفسية، والاجتماعية، والجسمية مع المراقبة في ذلك، والحوار في المعالجة. لنا في رسول الله الأسوة عندما كان  يشجع الصبيان فقد خرج رسول الله على قوم من أسلم يتناضلون في السوق (يترامون للمسابقة) فقال: “ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا”[1].

فلو تعامل الوالدان مع ولدهم بالتشجيع كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الصلة، والعلاقة بين الآباء، والأبناء ستتوثق، وسيحب الأبناء التواصل مع والديهم؛ وهذا له ثمراته الواضحة في التربية.

لقد كان أبو محذورة يستهزئ بالأذان مع عشرة آخرين عندما سمعوا المؤذن يؤذن للصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت” فأرسل إليهم فأذنوا أمام رسول الله واحدا واحدا، وكان آخرهم أبو محذورة فقال له حين أذن:” تعال” فأجلسه بين يديه، ومسح على ناصيته، وبارك عليه ثلاثا، وعلمه الأذان ثم قال له:” اذهب فأذن عند البيت الحرام”[2] لقد وظف رسول الله طاقة أبي محذورة وحول طفولته لرجولة وشيء مفيد فبدل أن يزعج المسلمين حوله لطاقة إيجابية تصب في مصلحة المسلمين ..وهكذا ينبغي أن نكون مع أبنائنا.

  1. إشعار الطفل بالاستقلال المادي قليلا، وتدريبه على الإنفاق المتوازن بما يأخذه من والديه (يجب أن يتعود الطفل أنه ليس كل شيء يأخذه ينفقه)
  2. تشجيع الطفل، والثناء عليه عند تحقيق النجاح (بالدراسة والأخلاق والقضائل والمواقف الإيجابية…)، ومساعدته على النجاح، وتذويقه لذته؛ لأن فشل الطفل أكثر من مرة يرسخ عنده أنه فاشل؛ فتضعف قدراته، ويترسخ عنده شعور النقص، والفشل والضعف؛ فلا يجوز القسوة مع الطفل ومعاقبته لأنه رسب في صفه مثلاً؛ بل ساعده على النجاح قبل الوصول للفشل. فما ينبغي أن يشعر الوالدان بمسؤوليتها تجاه فشل ولدهم، ولايشعران بها تجاه تحقيق نجاحه؛ بل واجب الوالدين تجاه نجاح ولدهم مقدم على واجبهم تجاه تقصيره وفشله، والحقيقة القاسية أنه يجب معاقبة المقصر في متابعة الولد لا معاقبة الولد؛ لأن الولد هو ضحية تقصير والديه غالبًا.
  3. تهيئة الطفل لمرحلة البلوغ، والأحكام الشرعية بالتدرج قدر الحاجة مع ملاحظة الفرق بين الجنسين، والحاجات المختلفة كتعليمه أحكام الغسل الواجب، وإخباره أنه سيأتي، وتعليمه الأغسال المسنونة كغسل الجمعة والعيدين، وماشابه، ونعلمه غض البصر عن النساء ونقول له: احفظ بصرك عن النساء، وقلبك عند الاختلاط بهم – مع أن الطفل لا شهوة له ولكني أهيئه لوقت بروز الشهوة قبل الوصول إليها- كما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنه عندما قال له:” احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله..”[3]

إن هذا التدرج في تعليم الأحكام الشرعية ينسحب على البنت أيضا؛ فينبغي أن تكلم الأم ابنتها، وتحدثها عن الحيض، وأحكامه وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي تخص النساء.

قصة: طفل وصل لسن البلوغ فجاء لوالده يبكي، وقال له الآن وصلت لسن التكليف، وسوف أحاسب عن كل معصية أفعلها ..فأجابه الوالد الحكيم: بل الآن ياولدي بدأت تثاب على صلواتك، وعباداتك، وطاعاتك ثوابَ الفريضة وقد كنت تثاب عليها ثواب النافلة [4](إن الموقف الذي ظهر من هذا الولد لهو ثمرة التربية السابقة من الوالد الحكيم)   

من المؤسف أن يصل كثير من أبناء المسلمين اليوم ذكورا، وإناثا لسن البلوغ وهم لايعرفون أحكام الطهارة من الحدث الأكبر فيصلون بدونها.

مهمة: ماينبغي أن نسمح لأصدقاء السوء تعليم أبنائنا هذه الأحكام.

ومن المؤسف ألا يأمر الوالدان بناتهن بالحجاب الشرعي إلا بعد تجاوزهن لسن التكليف بسنين، ولايعودانهن ذلك قبل البلوغ.

هذا لقمان الحكيم يعلم ولده قائلاً: }وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لاتشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم{ [لقمان 13]

} يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير{[لقمان 16]

} يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر{[لقمان 17]

  1. الحذرمن مفاجئة البلوغ الطفلَ، والتحضير له نفسيًا، وفكريًا، وعلميًا واجتماعيًا.
  2. لابد من جرأة الوالدين على إخبار ولدهم – ذكراً أو أنثى- بأحكام البلوغ، ولابد من مساعدة الولد على تطبيق أحكام الغسل؛ لأنه يستحي أن يغتسل أمام والديه، ولابد من تمهيد الطريق أمامه بأنه أمر طبيعي فطر الله الناس عليه، وإزالة كل ما من شأنه أن يحول دون تطبيق هذا الحكم الشرعي.

مثلًا: بعض الآباء يخبر أولاده بأنه قد قام بتسخين الماء قبل الصلاة  فمن يحتاج للاستحمام فهو جاهز …

  1. تحصين الولد بالعلم ليكون حاجزًا ضد الشبهات الفكرية التي قد تفد عليه.
  2. تشجيع الطفل على المشاركة بالفعاليات التي تقام في المدرسة، أو المسجد أو في العائلة، ومساعدة الطفل على النجاح فيها؛ لأن هذا يحفز طاقاته، ويُشعر الولد بقرب والديه منه؛ فشعور الولد باحترام والديه لاهتماماته يقربه منهم وهذا له بالغ الأثر في التربية.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

___________  

[1] البخاري عن سلمة بن الأكوع كتاب الجهاد والسيرباب التحريض على الرمي برقم 2743

[2] مسلم 379، البخاري في كتاب الأذان باب بدء الأذان 603

[3] سنن الترمذي صفة القيامة وارقائق والورع 2516، مسند أحمد من مسند بني هاشم 1/293

[4] القصة تروى عن الدكتور سعيد رمضان البوطي مع والده.