يقدم لنا فضيلة الشيخ سلسلة في فقه تربية الأولاد على المنهج الإسلامي الصحيح، مع تناول دلالاته في القرآن والسنة والتراث، ومع بيان شروط ومقتضيات وثمار هذا المنهج التربوي، وإبراز واجبات المربي ومسئولياته.

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا، وزدنا علما يا كريم.

وبعد:

في زمن الفتن وضياع البوصلة تبرز وتظهر في الواجهة مشكلة كبيرة وخطيرة هي مشكلة تربية الأولاد.

إن كثيرًا من الآباء والأمهات ليقف مكتوف اليدين أمام ما يحصل لأبنائهم ولا يملكون إلا قول: حسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. معظم الآباء والأمهات يتعلقون بقطرة غيث تنقذ أولادهم مما هم فيه من ضياع ويدعون الله قائلين: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} [الفرقان: ٧٤].

إن كثيرًا من الآباء والأمهات – بل أغلبهم- ربوا أبنائهم بالتجربة فبعضهم أصاب وبعضهم أخطأ لم يفكروا يوما أن لتربية الأبناء منهجا وطريقا، وأن الاستفادة من تجارب الآخرين تجنب الآباء والأمهات خطر فشل التجربة في تربية أبنائهم.

نحن بحاجة لمنهج واضح يضيء للآباء والأمهات طريقة تربية أبنائهم.

إن الاستفادة من تجارب الآخرين، وخصوصًا الدعاة الذين يتلقون شكاوى الناس ومشكلاتهم وما يعانون مع أبنائهم ويقومون بحلها يسهل على الوالدين طريقة علاج مشاكلهم مع أبنائهم في زمن الفتن التي تدع الحليم حيرانًا.

ربينا أولادنا على التعلق بوسائل الإعلام، ومواقع التواصل وغيرها من التقنيات المعاصرة ثم بعد ذلك وجهنا اللوم لهم.

ما ينبغي غض الطرف عن الخطر المحدق بأبنائنا، ونحن لا نقول: مستقبل أبنائنا في خطر بل واقعهم في خطر … أولادنا يسقطون في الهاوية.

لقد كنا ننزعج من بكاء أولادنا، وكثرة حركتهم، وفوضويتهم وهم صغار والواقع أن هذا لا شيء أمام ما نعانيه عندما كبروا وشبّوا عن الطوق.

هذا ليس تشاؤمًا بل عرض للواقع الذي ما ينبغي تجاهله…نحن لا ننكر الصور المشرقة للجيل الجديد من حفظة القرآن وحفظة السنة وغير ذلك مما يثلج الصدر ولكن في ذات الوقت ما ينبغي أن ننسى أن المستشرقين قد وضعوا نصب أعينهم مدارس البنات لدى المسلمين منذ مئة عام، وأن تسميم المدارس هو فتك بأبنائنا.

ما ينبغي أن نتجاهل أمر البنت البالغة التي ترفض وضع الحجاب وقد نشأت في بيت مسلم وأم محجبة أيضًا.

ما ينبغي أن نغض الطرف عن تقليد الشباب للغرب بالمظاهر المخالفة لديننا وشرعنا.

ما ينبغي أن نتغافل عن تقصير أبنائنا بأداء الصلاة بل تركها بالكلية في بعض البيوت وهي عماد الدين.

ما ينبغي أن نغمض أعيننا عن أننا نهتم بدنيا أبنائنا أكثر بكثير من اهتمامنا بأخلاقهم ودينهم.

هل ما سبق مظهر صحي أم مرضي؟

كيف ننسى أمر الوالدين عندما يبكيان بسبب عقوق أبنائهم؟

كيف ننسى أمر الأب الذي يقول: لو نُعي إليّ ولدي لاحتفلت؟

كيف ننسى الأب الذي يسلم ابنه الوحيد لعناصر الشرطة؟

كيف نتجاهل أن الناس صاروا ينظرون للدين، والتدين أنه للكهول وليس للشباب؟! وأن حفلات الشباب غير حفلات الكبار؟

لقد ارتبط مفهوم الفرح والسرور بالمعصية لدى الشباب.

لا يجوز أن نغض الطرف عن انتشار العلاقات المشبوهة بين الذكور، والإناث، وأن نسبة الجريمة تزداد في الشباب.

ما ينبغي غض الطرف عن المفاهيم المغلوطة المنتشرة في البيوت المسلمة. فمثلًا: لو أيقظنا الولد البالغ لصلاة الفجر لقالوا: دعوه الجو بارد. أما لو تعلق الأمر بالمدرسة فكل هذا لا يؤبه له (استقر في نفوسنا أن المدرسة أهم من الصلاة)، ولو طلبنا من الفتاة البالغة أن تحتجب لقالوا: صغيرة (الدين والالتزام للكهول فقط).

كيف ننسى أن صلاح الفتاة صلاح المجتمع، وفساده بفسادها؟

ما ينبغي ان نتجاهل أن خيط الحوار قد انقطع بيننا، وبين أبنائنا، وأننا دائمًا ما نبحث عما يخفف عنا المسؤولية.

 لماذا يعرف صديق ابني كل أسراره ولا أعرف شيئا عنها؟

عندما يقول الأب بأنه مشغول أمام واجباته في تربية أبنائه سيأتي اليوم الذي يكون فيه فارغا ولكن متى؟ ربما بعد فوات الأوان أو يوم يقال للأب: ابنك في السجن.

ألا يخشى الوالدان أن يقول ولدهم يوم القيامة: يا رب أدخل معي للنار أمي وأبي؟

ألا يتمنى الوالدان أن يكون أولادهم شفعاء لهم يوم القيامة؟

ألا يتمنى الوالدان أن يدعو لهم أولادهم: {رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} [الإسراء: ۲٤].

ألا يحب الوالدان أن يكون أولادهم امتدادًا لهم بعد وفاتهم؟

ألا يرغب الآباء بأن يعوضا بأبنائهم ما عجزوا هم عن تحقيقه؟

ألا يتمنى الوالدان أن يتحقق فيهم قول الله عز وجل :{المال والبنون زينة الحياة الدنيا}، وقول الله: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين}.

ألا يتمنى الوالدان أن يُلْبسا تاج النور بأخذ ولدهم للقرآن؟

إن تربية أبنائنا مسؤولية في أعناقنا، ويجب أن نبحث عمن يرسخ فينا هذه المسؤولية لنصل لحلول مشاكلنا.

إن هذه السلسلة في موضوع التربية ليست فقط لبناء العقيدة، وتعليم الأبناء كيف ولماذا يصلون، وكيف يحفظون القرآن. بل

كيف نستطيع أن ننشئ ولدًا صالحًا نَسعد به ويَسعد بنا، وكيف يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة.

إن هذه السلسلة هي لإيجاد الطرق الكفيلة بتطبيق تعاليم ديننا لفلاحنا دنيًا وآخرة.

إن هذه السلسلة هي للوصول للقناعة بأن الطفل الذي يلهو، ويلعب هو تاريخ وليس مجرد طفل.

إن هذه السلسة هي خطة رشيدة نعالج فيها الخطر المحدق بأبنائنا؛ فتربية الأبناء قضية خطيرة يحتاجها كل أب وكل أم.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية … آمين.

صل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم