كيف يكون الإنسان متواضعا؟

 يجيب عن السؤال الشيخ عبد السميع الياقتي  

السؤال

كيف يكون الإنسان متواضعا؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين و على آله و صحبه أجمعين، و بعد:

 

التواضع خلقٌ عظيم من أخلاق العظماء كالأنبياء و الأتقياء و من اقتدى بهم ، و لذلك امتدح الله تعالى هذا الخلق و من تخلَّق به ، و ينشأ هذا الخلق من حقيقة معرفة الإنسان بقدره، و أصله، و من استشعار ضعفه و فقره ،  و أنه بحاجة في كل لحظة إلى الله تعالى و عونه و فضله ، و أنه عبدٌ من عباده ، فإذا استقر هذا المعنى في قلبه ؛ ظهر أثره على جوارحه؛ فتعامل به مع جميع خلقه.

 

البيان و التفصيل :

التَّواضُع هو: (رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقُّه فضله ومنزلته. وهو وسطٌ بين الكِبْر والضِّعَة، فالضِّعَة: وضع الإنسان نفسه مكانًا يزري به بتضييع حقِّه. والكِبْر: رفع نفسه فوق قدره)

و قد رغبنا الإسلام بهذا الخلق العظيم في كثير من الآيات و الأحاديث

 

 فقال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان63] 

أي : بالحلم والسكينة والوقار غير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين فيها بالفساد و المعاصي.

 وقال سبحانه : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص83]

قال الإمام البغوي في تفسير قوله تعالى ” لا يريدون علواٍ في الأرض ” : (قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: اسْتِكْبَارًا عَنِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: استطالة عَلَى النَّاسِ وَتَهَاوُنًا بِهِمْ. وَقَالَ الحسن: لم يطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطانهم. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ التَّوَاضُعِ من الولاة وأهل المقدرة) (1)

 

– وعن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ رضي اللَّه عنه قال : قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم :

«إِن اللَّه أَوحَى إِليَّ أَنْ تَواضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحدٍ ، ولا يَبغِيَ أَحَدٌ على أَحَدٍ» رواه مسلم .(2)

 

وعَنْ أبي هريرة رضي اللَّه عنه أَن رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال :

«ما نَقَصَتْ صَدقَةٌ من مالٍ ، وما زاد اللَّه عَبداً بِعَفوٍ إِلاَّ عِزّاً ، ومَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ» رواه مسلم.(3) 

 

من أهم الأسباب التي تعين على التَّواضُع :

 

1- تقوى الله : وهذا مِن أوَّل الأمور والأسباب التي تعين المرء على التَّواضُع، وتردعه عن أخلاق أهل السَّفه والكِبْر؛ كما مرّ معنا في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص83]

 

2- تواضع الإنسان في نفسه و ألَّا يَعْظُم في عينه عملُه : فيظنَّ أنَّه أعلم مِن غيره، أو أتقى مِن غيره، أو أكثر ورعًا مِن غيره، أو أكثر خشية لله مِن غيره، أو يظنُّ أنَّ هناك مَن هو شرٌّ منه، و غير ذلك مما فيه احتقار للمسلمين ، فعن أَبي هريرة – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمُ، لَا يَخُونُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِم حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالهُ وَدَمُهُ، التَّقْوى هاهُنَا، بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِم».(4) 

 

3- تقبل النصيحة و النقد ، و تقبل الحق ، و الإنصاف من نفسك : ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّة مِنْ كِبْرٍ!» فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». رواه مسلم.(5) ، و معنى «بَطَرُ الحَقِّ»: دَفْعُهُ وَرَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ، وَ «غَمْطُ النَّاسِ»: احْتِقَارُهُمْ. وبخسهم أشياءهم.

و(سُئِل الفضيل بن عياض عن التَّواضُع، فقال: يخضع للحقِّ، وينقاد له، ويقبله ممَّن قاله)(6)

 

4- مخالطة النَّاس : كبيرهم و صغيرهم ، غنيهم و فقيرهم ، طائعهم و مذنبهم … ،

قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [ الكهف 28]

 

5- عامل النَّاس بما تحبُّ أن يعاملوك به:

 ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المرء يحبُّ أن يتواضع له النَّاس، ويخفضوا جناحهم له، ويعاملوه برفق ولين، ويبغض -مِن ناحيةٍ أخرى- مَن يُغْلِظ له، ومَن يتكبَّر عليه بأي صورة مِن الصُّور.

فعن أبي ذر جُنْدُب بنِ جُنادَةَ و معاذِ بنِ جبلٍ رضي الله عنهما، عن رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ وَأتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».(7) 

 

6- التَّفكُّر في أصل الإنسان و ما يصير إليه :

 بأن ينظر الإنسان في أصله، و كيف وجد بعد العدم مِن تراب، ثمَّ مِن نطفة خرجت مِن مخرج البول، ثمَّ مِن علقة، ثمَّ مِن مضغة، كما أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذا بقوله : ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس 17 و ما بعدها ]

فصار بعدها شيئًا مذكورًا، ذا سمع و بصر و حياة ، كما قال تعالى : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان1-2] 

و يقول العلامة الحبيب علي بن حسن العطاس رحمه الله في كتابه ” العطية الهنية والوصية المرضية” : (و أما الكبرُ فيمنعُكَ منه أن تتفكر من أين أصلك ، و على أي حال أنت ، و إلى أي شيء تصير ؟ أليس أولك نطفةً مَذِرةً ، و بين جنبيك العَذِرَة ، و مصيرك جيفة قذرة !؟)(8) 

 

7- معرفة الإنسان قَدْرَه: بأنه محدود القدرات و الإمكانات مهما عظمت في الظاهر، قال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء: 37]

 

8- تذكُّر حالة الضعف والأمراض والأوجاع والمصائب التي تصيبه: فتقعده بعد قيام ، و تُضعفه بعد قوة ، و تفقره بعد غنىً ، و تُذله بعد عزٍّ … كما هو الحال مع سائر النعم الدنيوية .

 

9- تطهير القلب و سلامته : وهو الدواء الجامع النافع ؛ فالقلب إذا صَلحَ صَلحَ العمل كلُّه بإذن الله تعالى، و العكس صحيح، كما في حديث النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما، أنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «إنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبَهَاتٌ …، ألَا وَإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وَهِيَ القَلْبُ».(9) متفقٌ عَلَيْهِ،

10- الدعاء و الالتجاء إلى الله و طلب ذلك منه : فالقلوب بين أصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، و لذك كان النبي صلى الله عليه و سلم كثيراً ما يدعو بذلك .

فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: «كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يُكْثِرُ أن يقولَ: يا مُقَلِّبَ القلوب ثبِّتْ قلبي على دِينِكَ، فقلتُ: يا رسول الله، قد آمنَّا بكَ، وبما جئتَ به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوبَ بين إصبعين من أصابع الرحمن، يُقلِّبها كيف يشاءُ» (10) . 

 

بناء على ما سبق :

فإذا أردت أخي المسلم اكتساب خُلُق التَّواضُع أو الزيادة فيه ؛ فاعمد أولاً إلى تطهير القلب -أولاً فأول- مِن الأمراض التي عصفت به مِن حقدٍ وحسدٍ وعجبٍ وغرورٍ ، ثم عمِّره بالتقوى و الإيمان و حسن الظنِّ و الإخلاص و صدق النية؛ ففي صلاحه و سلامته ؛ صلاحك في دينك و دنياك، و سلامتك من الأمراض و مساوئ الأخلاق ، و سعادتك في دنياك و آخرتك .. نسأل الله تعالى أن يكرمنا جميعا ً بذلك ، و أن يوفقنا إلى ما هنالك، و أن ينجينا من المهالك ،و الحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

المصادر و المراجع :

1- تفسير البغوي : [3\547]

2- صحيح مسلم : [8\160] ، رقم (2865) ، وأبو داود : رقم (4895)

3-  صحيح مسلم : [8\21]،  رقم (2588) 

4- أخرجه أبو داود برقم (4882)، وابن ماجه (3933)، والترمذي (1927) وقال: «حديث حسن».

5- صحيح مسلم : [1\65] رقم (91).

6- شعب الإيمان للبيهقي: رقم (8244) [6\301]

7- سنن الترمذي : رقم (1987)، وَقالَ: «حديث حسن».

8- كتاب العطية الهنية و الوصية المرضية للحبيب علي بن حسن العطاس ، صفحة (11)

9- صحيح البخاري : [1\20] رقم (52)، و صحيح مسلم : [5\50] رقم (1599)

10-  أخرجه الترمذي : رقم (2141)