هل يجوز قراءة القرآن في الجماعة؟
يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى
السؤال
هل يجوز قراءة القرآن في الجماعة؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قراءة القرآن في جماعة:
هي أن يجتمع الناس في مكانٍ واحدٍ ويقرؤون القرآن مع بعضهم بصوت واحد مسموع للجميع، فلا يستمع أحد لقراءة أحد، ولا يستطيع السامع أن يتعرف صوتَ أحد القراء أو يميزه؛ بسبب اختلاط الأصوات. وقد كره الحنفية والمالكية هذه الطريقة من القراءة؛ لترك فريضة الاستماع والإنصات للقراءة، وأنها ربما جرَّت إلى محظور، وهو تقطيع حروف القرآن والآيات؛ لانقطاع نَفَسِ أحدهم أثناء القراءة، فيجد أن أصحابَه قد سبقوه، فيترك بقية الآية أو الكلمة، ويَلحقُهم فيما هم فيه؛ فيُقرأ القرآن على غير وجهه وترتيبه، وهو محظور بلا خلاف.
وقراءة القرآن بشكل جَماعي، فيها قولان لأهل العلم: الحنفية والمالكية من جهة، والشافعية والحنابلة من جهة أخرى.
أما الحنفية والمالكية: فقالوا: بكراهة قراءة الجماعة معًا بصوت واحد؛ لتضمن هذا الطريقة من القراءة ترك الاستماع والإنصات، المأمور به في الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204] وللزوم تخليط بعضهم على بعض. فالأصل في هذا المنع: هو أن الاستماع للقرآن فرض كفاية. (1)
وذكر ابن عابدين ما يعتري قراءة القرآن الجماعية في التعازي، فقال: “لأن عادتهم القراءة بصوت واحد يشتمل على التمطيط، وعلى قطع بعض الكلمات، والابتداء من أثناء الكلم…”. (2)
وفي الفتاوى الهندية: “ولا بأس باجتماعهم على قراءة الإخلاص جهرًا عند ختم القرآن، ولو قرأ واحدٌ واستمع الباقون فهو أولى، كذا في القُنية..”. ثم قال: “يكره للقوم أن يقرؤوا القرآن جملة؛ لتضمنها ترك الاستماع والإنصات المأمور بهما، كذا في القنية”. (3)
وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: قُلْت لِمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَأَيْت الْقَوْمَ يَجْتَمِعُونَ فَيَقْرَؤونَ جَمِيعًا سُورَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَخْتِمُوهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَعَابَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ إنَّمَا كَانَ يَقْرَأُ الرَّجُلُ عَلَى الْآخَرِ يَعْرِضُهُ”. (4)
أما الشافعية والحنابلة: فقد صرحوا بأن الاجتماع لقراءة القرآن مستحبٌّ؛ لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ”. (5) فهذا ظاهر كالنّصّ في التّرغيب في الاجتماع للقرآن، وأن يكون ذلك على سبيل الجهر، إذ لا يتمّ الاشتراك في التّلاوة مع الإخفات. وإطلاق الحديث؛ دلّ على تسويغ كلّ صورة تتمّ عليها القراءة، سواء كانت من جميعهم بصوت واحد، أو يقرأ شخص ويستمع الحاضرون، أو يتابعونه في التّلاوة بصوت واحدٍ أو متفرّقين.
قال الإمام النووي: “اعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبَّةٌ بالدلائل الظاهرة وأفعال السلف والخلف المتظاهرة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: من رواية أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنه قال: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفَّتْ» بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. (6)
وذكر النووي أن ابن أبي داود روى: أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يدرس القرآن مع نفر يقرؤون جميعاً”. (7)
ملحوظات:
– المدراسة المذكورة بحديث “مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ..”، تُشعرنا بأنهم لم يجتمعوا على التلاوة صوتًا واحدًا متراسلين؛ لأن المدارسة إما أن تكون تلقينًا، أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم.
– استدل بعض أهل العلم على عدم جواز القراءة الجماعية، بحديث “لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ”. (8) لأن فيه أذىً للجار الذي يقرأ بجانبه، وهذا في الصلاة وخارج الصلاة. (9)
واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرونَ بالقراءة، فكَشَفَ السترَ فقال: “ألا إنَ كُلَّكم مُناجِ ربَّه، فلا يُؤذِيَنَّ بعضُكم بعضاً، ولا يَرْفَعْ بعضُكم على بعضٍ في القراءة” أو قال: “في الصلاة”. (10)
– ذكر العلماء وجهاً للقراءة الجماعية، وهو الإدارة بالقرآن (القراءة بالدور)، وطريقته: أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عُشرًا أو جُزءًا أو غير ذلك، ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الأول، ثم يقرأ الآخر، وهذا جائز حسن. وقد سئل مالك رحمه الله تعالى عنه فقال لا بأس به. (11)
وأخيراً:
أقول للسائل: على أي صفة كانت قراءة القرآن، ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب من القراءة، فبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم آية واحدة ليلة كاملة، أو معظم ليلةٍ يتدبرها عند القراءة. وصُعق جماعةٌ منهم عند القراءة، ومات جماعاتٌ منهم، كما ويستحبّ البكاء والتباكي لمن لا يقدر على البكاء، فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين، وشعارُ عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، قال الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء: 109]”. (12) والله تعالى أعلم
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1): ينظر: إبراهيم بن محمد الحلبي الحنفي: مختصر غنية المتملي في شرح منية المصلي ص666.
(2): ابن عابدين: رد المحتار على الدر المختار (4/322).
(3): ينظر: الفتاوى العالمكيرية (5/317)؛ أحمد بن محمد الطحطاوي: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص318.
(4): ابن الحاج الفاسي المالكي: المدخل (1/91) (2/207).
(5): صحيح مسلم (2699).
(6): سنن الترمذي (3378).
(7): ينظر: النووي: التبيان في آداب حملة القرآن ص101.
(8): موطأ مالك (29)؛ مسند أحمد (5349).
(9): ينظر: ابن عبد البر: الاستذكار (1/438).
(10): أبو داود في السنن (1332).
(11): النووي: التبيان في آداب حملة القرآن ص103.
(12): النووي: الأذكار ص205.
[الشيخ] أنس الموسى
الشيخ أنس الموسى هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م
تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.
قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.
حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة، على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.
درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.
إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.
مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.
حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.
أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.
