هل صحيح أن المزاح الذي يحتوي على كذب يعد معصية ويجب تجنبه؟

يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور باسم عيتاني

السؤال

أنا أحب المزاح، ونصحني أحد الأشخاص أن أتجنب النكات التي تحتوي على كذب، لأنها تعد معصية، فهل هذا صحيح؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛

نصيحة حول المزاح

نصيحة هذا الشخص لك في محلها، لأن المزاح الذي فيه كذب، يعتبر محرماً، وهو معصية، فيجب عليك تجنب النكات التي تحتوي على الكذب. والدليل على حرمة ذلك قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ”لا يُؤمنُ العبدُ الإيمانَ كلَّهُ حتَّى يتركَ الكَذبَ في المِزاحةِ ، والمِراءَ وإنْ كان صِدْقًا.“ [مسند أحمد]

شروط جواز المزاح

قال العلامة النحلاوي الحنفي: أما المزاح، فشرط جوازه: أن لا يكون فيه كذب، ولا روعُ مسلم، أو مسلمة، ومثله الذمي، والمستأمَن، لأنه أذية، وقد نهينا عنها، وإكثاره مذموم منهي عنه ، ووجهه: أن كثرته تسقط المهابة، والوقار، وتورث الضغينة في بعض الأحوال والأشخاص، وتورث أيضا ً كثرة الضحك المميت للقلب. [الدرر المباحة في الحظر والإباحة، خليل عبد القادر الشيباني الشهير بالنحلاوي، مطبعة الاعتدال، (1366هـ – 1947م)، دمشق – سورية. ص86]

مزاح النبي صلى الله عليه وسلم

ودليل جواز المزاح قول رسول الله ﷺ : ”إنِّي لأمزَحُ ولا أقولُ إلَّا حَقًّا“ [أخرجه الطبراني] فالرسول كان يداعب الصحابة ويمازحهم، ولا يقول إلا الصدق، فهو معصوم عن المعصية، فكان مزاحه معهم من قبيل التواضع، وبسط الوجه، وطلب التودد ولكن دون أن يسقط الهيبة والوقار.

المحاذير في المزاح

ودليل المزاح المذموم قوله ﷺ :”لاَ تُكثروا الضَّحِكَ ، فإنَّ كثرةَ الضَّحِكِ تميتُ القلبَ“ [سنن ابن ماجه] والمقصود من ذلك الضحك المبالغ فيه الذي يخرج عن الأدب ويؤدي إلى غفلة القلب.

ومن تطبيقات مزاحه – صلى الله عليه وسلم – أنه  أَتَتْ ‌عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي ‌الْجَنَّةَ، فَقَالَ: “يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ ‌الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ” قَالَ: فَوَلَّتْ تَبْكِي فَقَالَ: “أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ ‌عَجُوزٌ” إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (إِنَّا ‌أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا) [الواقعة: 36; الشمائل المحمدية، محمد بن عيسى الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان. ص 143 ر:230]

وجملة الأمر المزاح مباح، وقد يستحب إذا كان فيه تطييب نفس المخاطب ومؤانسته كما كان يفعل رسول الله مع أصحابه، وقد يكون منهياً عنه بين الكراهة والتحريم إذا أفرط صاحبه فيه أو داوم عليه أو كان فيه تحقير أو استهزاء أو كذب، أو ترويع لمسلم، أو ماشابه مما فيه ضرر أو أذية، وأخطر المزاح هو مايدخل فيه كلمات كفرية فإنه مُخرِج عن ملة الإسلام، فالحذار من ذلك.

خلاصة

التوازن في التعامل مع الناس بين الجد والمزاح هو عين الحكمة، فلا يجعل الحكيم المزاح محل الجد ولا الجد محل المزاح، ولا تتطرف في المزاح فإنه يذهب وقار الإنسان وهيبته، وإذا كانت شخصيتك تميل إلى المزاح وتتحدث بنكات لطيفة فاجتنب الكذب فيها والتزم بالضوابط الشرعية، وانوِ في ذلك تطييب نفوس أصدقائك وأحبابك وإخوانك تكن مأجورأ محبوباً.

والله ولي التوفيق.

الشيخ الدكتور باسم عيتاني

هو الشيخ الدكتور باسم حسين عيتاني من مواليد بيروت – لبنان عام 1965

حاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 2005

من مشايخه: الشيخ محمد طه سكر والشيخ أديب الكلاس والشيخ ملا عبد العليم الزنكي والشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ عبد الرزاق الحلبي والشيخ د. مصطفى ديب البغا والشيخ د. وهبي الزحيلي ود. محمد الزحيلي وغيرهم رحمهم الله جميعا.

 لديه العديد من الخبرات والتخصصات العلمية و الإدارية، وقد شغل مناصب علمية وإدارية في العديد من الجهات والمؤسسات العلمية والثقافية والإسلامية الحكومية وغير الحكومية في لبنان وخارجه من ذلك

 Seekers Guidance – عضو في اللجنة العلمية في مؤسسة

 التعليم المفتوح عبر الإنترنت حتى الآن

– عميد كلية الدعوة الجامعية للدراسات الإسلامية – الدراسات العليا عام 2021-2020

مدير دار إقرأ للعلوم الإسلامية 1998- 2018

مدرس للعديد من المواد و المناهج العلمية في الفقه و الأصول و العقيدة و التفسير .. ومناقش و مشرف على العديد من الرسائل

والاطاريح العلمية في الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات و الكليات في لبنان له مؤلفات وأبحاث  في مجال العلوم الإسلامية

أقوال الإمام زفر المعتمدة في المذهب الحنفي – الاجتهاد الجماعي سمو فكري في القرن 21 – العرف وأثره في الفقه الإسلامي

المشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل لبنان وخارجه

اللغات : العربية: ممتاز  الفرنسية: جيد الإنكليزية: وسط