ماذا يجب على المسلم عند الحصول على فتوى غير معتبرة؟
يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى
السؤال
ما الواجب على المسلم فعله إذا حصل على فتوى من عالم، ثم علم أن تلك الفتوى مبنية على قول غير معتبر عند كثير من العلماء؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أخي السائل إذا كان من أجابك على مسألتك هو من أهل العلم المشهود لهم به، فلا تأبه بمن خالفه من العلماء، واعمل بما أجابك به، فالخلاف في أحكام الفقه الإسلامي موجود كائن، ولا يمكن إلغاؤه، وإلزام الناس بقول واحد ليس من الفقه في شيء، فالعلماء جميعاً استنبطوا من الكتاب والسنة، ومع ذلك وقع الخلاف بينهم، وأسباب هذا كثيرة لا يمكن ذكرها الآن، ولكن أبرز هذه الأسباب اختلاف العقول والفهوم، فمثلاً المصطفى صلى الله عليه وسلم حج حجة واحدة فقط، ومع ذلك اختلف العلماء هل الأفضل أن يحج المسلم قارناً، أم مفرداً أم متمتعاً؟
– ولقد اشتهرت بين العلماء مقولة مفادها: أنّ (من قلَّد عالماً لَقِيَ اللهَ سالماً) وهذه العبارة وإن كانت ليست على إطلاقها، إلاّ معناها صحيح؛ فإذا كان العالِم مشهوراً بالعلم والتقوى، فالتقوى تمنعه من أن يقول باطلاً، وبالعلم يَعرف ما يقول، فإن لم يكن عالماً، فلا يجوز استفتاؤه ولا تقليده ومقلِّدهُ مغرور. [ينظر: البهجة في شرح التحفة للتسولي (2/ 703)]
– فنحن مخيرون في الأخذ بقول من شئنا من العلماء من غير تعيين، وما ذلك إلاّ لكونهم كلهم على هدى من ربهم، ولو كان المصيب من المجتهدين واحداً والباقي مخطئاً؛ لكانت الهداية لا تحصل لمن قلد الباقين.
– وقد ذكر العلماء مقولة أخرى مفادها: “إذا اجتهد الحاكم وأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران” والمراد بالخطأ هنا عدم مصادفة الدليل لا الخطأ الذي يُخرج صاحبه عن الشريعة، إذ لو خرج به عن الشريعة لم يحصل له به أجر”.
فائدة: ذكر الدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله تعالى في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته قال: “مبدأ الأخذ بالرخص أمر محبوب، ودين الله يُسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج، والمفروض أن المقلِّد لم يقصد تتبع الرخص في كل الوقائع، وإنما في بعض المسائل، وكثيراً ما قال العلماء: «من قلد عالما فقد برئ مع الله» و«اختلاف العلماء رحمة». [الفقه الإسلامي وأدلته وهبة الزحيلي (1/103) وانظر رأي الشاطبي في نفس الكتاب (1/104)]
وأخيراً: يبالغ بعض الناس في الطعن على من قلّد عالماً في أمر من أمور دينه، وربما شبّه بعضهم المقلِّدين بالمشركين في قولهم: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22] والحق أن التقليد في العقائد والمسائل الأساسية في الدين، وهي المعلومة من الدين بالضرورة لا تقليد فيها لعالم، مهما كانت مكانته، بل لا بد من اقتناع تام بثبوتها عن صاحب الشرع ولو بصفة إجمالية. أما المسائل الفرعية التي تتطلب النظر في الأدلة التفصيلية، فإن تكليف العامة بالنظر في الأدلة تكليف شاق لا تستقيم معه الحياة، إذ لو كَلَّفْنَا كل مسلم أن ينظر في كل مسألة نظرة المجتهد، فإن الصناعات ستتعطل، ومصالح الناس ستُهمل… وسلف الأمة – وهم خير القرون كما شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم – لم يكونوا كلهم مجتهدين، بل كان المجتهدون قلة قليلة، وكان المجتهدون منهم لا يتجاوزون الثلاثة عشر شخصاً. [الموسوعة الفقهية الكويتية (1/40)]
ورحم الله مِسعر بْن كِدَامٍ كان يقول: “مَنْ جَعَلَ أَبَا حَنِيفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ رَجَوْت أَنْ لَا يَخَافَ، ولا يكون فرّط في الاحتياط لنفسه”. [حاشية ابن عابدين (1/52)؛ البدور المضية في تراجم الحنفية (1/256)] والله تعالى أعلم
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ أنس الموسى
هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م
تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.
قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.
حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة، على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.
درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.
إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.
مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.
حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.
أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.
