ما وجوه إعجاز القرآن، وهل يصح ما عُرف في الأزمنة القريبة بمصطلح الإعجاز العلمي، وما الموقف الصحيح منه؟

يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى 

السؤال

ما وجوه إعجاز القرآن، وهل يصح ما عُرف في الأزمنة القريبة بمصطلح الإعجاز العلمي، وما الموقف الصحيح منه؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

إعجاز القرآن: يعني أن الخلق عاجزون عن الإتيان بما تحداهم به؛ لإظهار أن هذا الكتاب حق، وأن الرسول الذي أُنزل عليه رسول صدق.

والحقيقة التي لا مرية فيها أن القرآن كلّه معجز، وقد تحدى الله الناس أن يأتوا بمثل أقصر سورة من سوره، فوقف الناس عاجزين، وهذا وحده دليل كافٍ أن تجد البشر جميعاً لم يستطيعوا أن يخرقوا هذا التحدي، ومن حاول منهم أتى بالمضحكات. (1)

يقول الشيخ عبد الله دراز في كتابه المفيد النافع “النبأ العظيم”: إن الرجل قد يصرع الرجل وقد يصرع الرجلين، وقد يصرع الآحاد والعشرات، ولكن هل من الناس من يقف في وجه العالم كله فيقهرهم؟! وهكذا الحال مع القرآن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ ‌الْإِنْسُ ‌وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88] وقال تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ‌وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [يونس: 38] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ‌وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [هود: 13] (2)

 أما أوجه إعجاز القرآن

ذكر الإمام الماوردي في كتاب “أعلام النبوة” أوجه إعجاز القرآن، فقال: وإعجاز القرآن في خروجه عن كلام البشر وإضافته إلى الله تعالى، يكون من عشرين وجها:

الإعجاز في التركيب اللغوي، والإعجاز في المعاني، و‌‌الإعجاز في الأسلوب، والإعجاز في الإيجاز وجزالة المعاني، والإعجاز العلمي، و‌‌الإعجاز في الدلائل والبراهين، و‌‌الإعجاز في الإخبار عن الماضي، و‌‌الإعجاز بالإخبار عن الغيب، و‌‌الإعجاز بالإخبار عمّا في النفوس من أسرار، و‌‌الإعجاز في الألفاظ، و‌‌الإعجاز في التلاوة، و‌‌الإعجاز في كونه معصوما من الزلل محفوظا لفظا ومعنى، و‌‌الإعجاز في شمولية معانيه، و‌‌الإعجاز في تماسك بيانه، و‌‌الإعجاز في عدم القدرة على الإحاطة بمعانيه، والإعجاز في سهولة حفظه، والإعجاز في عدم القدرة على الإتيان بمثله، و‌‌الإعجاز في عدم القدرة على الزيادة فيه أو إنقاصه، و‌‌الإعجاز في العجز عن معارضته، و‌‌الإعجاز في الصرف عن معارضته. (3)

أما بالنسبة للإعجاز العلمي في القرآن

فالقرآن يشتمل على إعجاز ومعجزات، وقد وقع الخلط بينهما، فأُطلق على أنواع المعجزات المبثوثة في القرآن اسم الإعجاز، فقيل: ‌الإعجاز ‌العلمي، والإعجاز التاريخي، والإعجاز الغيبي، إلى غير ذلك؛ وفي الحقيقة هي معجزات زائدة على الإعجاز، فوصفُها بالإعجاز نوع من التجوّز في الكلام، فالإعجاز غير المعجزات.

ولعل الدافع لهذا الخلط، هو أنّ مَن سمّى المعجزات إعجازاً،  أراد أن يبرهن على أنه يستحيل أن يكون هذا القرآن بشري المصدر.
وقصارى الأمر في مسألة الإعجاز العلمي أنَّ الحقيقة الكونية التي خلقها الله تعالى، وافقت الحقيقة القرآنية التي تكلَّم الله بها، وهذا هو الأصل؛ لأنَّ المتكلم عن الحقيقة الكونية المخبرِ بها هو خالقها، فلا يمكن أن يختلفا البتة.

وكلُّ ما في الأمر أنَّ هذه الحقيقة الكونية كانت غائبة من جهة تفاصيلها عن السابقين، فمنَّ الله على اللَاّحقين بمعرفة هذه التفاصيل، فكشفوا عنها، وأثبتوا حقيقة ما جاء في القرآن من صدق، فكان اكتشاف ذلك من دلائل صدق القرآن الذي أخبر عنها بدقة بالغة، لم تظهر تفاصيلها إلاّ في هذا العصر الذي نبغ فيه سوق البحث التجريبي.

وإذا كانت الاكتشافات العلمية تسمَّى بالإعجاز العلمي، فماذا يسمَّى الإعجاز اللغوي، أليس إعجازاً علمياً، أليست اللغة علماً؟ (4)

أمثلة لبعض المعجزات العلمية في القرآن:

قبل أن أذكر بعض المعجزات العلمية في القرآن أنوه إلى أن استيعاب معجزات القرآن مستحيل؛ لهذا سأضرب للسائل بعض الأمثلة ليتعرف – فقط – معنى أن في القرآن إعجازاً ومعجزات ومن هذه المعجزات:

1- إثبات الشخصية من خلال بصمة الإنسان التي لا تشبه بصمة إنسان آخر، ولهذا صلة بقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ ‌عَلَى ‌أَنْ ‌نُسَوِّيَ ‌بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] البَنان هو الذي فيه بصمة الإنسان، فالإشارة إليه معجزة يعرفه من تأمل فيه.

2- في عصرنا هذا عرف الإنسان شيئاً عن أعماق المحيطات، وعرف أن هناك أمواجاً ظاهرة وأمواجاً باطنة؛ وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ ‌لُجِّيٍّ ‌يَغْشَاهُ ‌مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ﴾ [النور: 40] فأنت ترى في هذه الآية معجزة من معجزات هذا القرآن.

3- وفي عصرنا هذا عرف الإنسان فكرة الضغط الجوي، وعرف أن الهواء المحيط بالأرض له قُطرٌ ينتهي به، وأن مآل من يصعد إلى السماء أن يختنق في النهاية؛ وهذا مصداق قول الباري سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ ‌يُضِلَّهُ ‌يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125].

ملحوظات

 الحديث عن معجزات القرآن واسع يحتاج الإنسان لكي يأخذ طرفاً منه أن يقرأ ما قاله المفسرون، وأن يقرأ ما قاله المختصون في كثير من العلوم التي تعرض لها القرآن، والذي قال الله عز وجل فيه: ﴿‌قُلْ ‌أَنْزَلَهُ ‌الَّذِي ‌يَعْلَمُ ‌السِّرَّ ‌فِي ‌السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 6].

 خص الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن المعجِز الذي فيه مالا يحصى من المعجزات؛ ليكون حجةَ الله على البشر إلى قيام الساعة بأن محمداً رسول الله وأن القرآن من عند الله تعالى.

 كُتِبَ في إعجاز القرآن الكثير، وأُلفت فيه الكتب المستقلة، وكلُّ مَن كَتب فيه حاول أن يضع يده على السر، ولكن سر الإعجاز يبقى أكبر وأعظم وأدق من أن يستطيع أحدٌ أن يعبّر عنه، ومع ذلك فإن كل ما كُتب في هذا الشأن هو بعض ما يقال، ويبقى في الإعجاز سرٌّ هو كسرِّ الروح بالنسبة للإنسان، فكما أن الله عز وجل قال عن الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ ‌رَبِّي ‌وَمَا ‌أُوتِيتُمْ ‌مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85] فكذلك هذا القرآن فإن الله عز وجل سماه روحاً، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ‌رُوحًا ‌مِنْ ‌أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52]  فمهما تكلم المتكلمون في الإعجاز فإن الإعجاز شيء أعظم وأكبر وأدق أسراراً.

وخلاصة القول: إن القرآن دستور تشريعي كامل يقيم الحياة الإنسانية على أفضل صورة وأرقى مثال، وسيظل إعجازه التشريعي قرينًا لإعجازه العلمي، وإعجازه اللغوي إلى الأبد، ولا يستطيع أحد أن ينكر أنه أحدث في العالَم أثرًا غيَّر وجه التاريخ. (5)

وأخيراً:

أنصح السائل بالرجوع لكتاب “الإعجاز العلمي إلى أين” للدكتور مساعد الطيار، فقد تحدث عن التفسير العلمي، والإعجاز العلمي للقرآن، بما له وما عليه.


(1): الأساس في السنة وفقهها – العبادات في الإسلام (4/ 1573).
(2):  ينظر: عبد الله دراز، النبأ العظيم، ص106.
(3):  ينظر: أبو الحسن الماوردي، أعلام النبوة، ص74.
(4): ينظر: سعيد حوى، الأساس في السنة وفقهها – العبادات في الإسلام (4/ 1573)؛ مساعد الطيار، الإعجاز العلمي إلى أين، ص20.
(5): مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، 289.
وينظر لكل ما سبق: مناهل العرفان للزرقاني، 1/26؛ عمر سليمان الأشقر، نحو ثقافة إسلامية أصيلة ص125؛ مصطفى مسلم، مباحث في إعجاز القرآن ص155؛ نور الدين عتر، علوم القرآن، ص70؛ مساعد الطيار، الإعجاز العلمي إلى أين، ص19.

[الشيخ] أنس الموسى

الشيخ أنس الموسى هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م

تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.

قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.

حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة،  على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.

درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.

إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.

مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.

حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.

أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.