ما هو الموقف الصحيح من عقيدة ”الإرجاء“؟ وكيف نرد على معتنقيها؟
يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور باسم عيتاني
السؤال
ما هو الموقف الصحيح من عقيدة ”الإرجاء“؟ وكيف نرد على معتنقيها؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛
تعريف الإرجاء
الإرجاء هي عقيدة لاتفرق بين العبد الصالح ولا العبد الفاسق، ولاتفرق بين العبد الطائع ولا العبد العاصي، حيث إن العمل لا أثر له، فإن أفسق الناس يستوي هو وأصلح الناس في الجنة. وهذا يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين ينتمون إلى عقيدة الإرجاء يسمون بالمرجئة، وهم فرقة كلامية ينتسبون إلى الإسلام.
فتعتبر المرجئة أنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ومهما ارتكب المؤمن من الموبقات والفواحش والكبائر والذنوب الصغيرة والكبيرة فهي غير معتبرة وهي بحكم العدم، طالما أن إيمانه مستقر في قلبه.
قال الإمام الحافظ الحجة مؤرخ بلاد الشام ابن عساكر –رحمه الله تعالى-: “قالت المرجئة: من أخلص لله سبحانه وتعالى مرة في إيمانه لا يكفر بارتداد ولا كفر، ولا يكتب عليه كبيرة قط” [تبيين كذب المفتري]
أدلة المرجئة
وتستدل المرجئة لمتبناها العقدي بحديث شريف، وهو قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ”أَبشِروا، و بَشِّروا مَن وراءَكم، أنه مَن شهِد أن لا إلهَ إلا اللهُ صادقًا دخل الجنَّةَ.“ [مسند أحمد]
الرد على عقيدة الإرجاء
ويُرَدّ على من يعتنق هذا المعتقد بانه يوجد آيات وأحاديث كثيرة جداً صريحة تثبت عذاب من ارتكب المعاصي يوم القيامة نذكر منها:
ففي القرآن الكريم: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۞ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ۞ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) [ النساء:29- 31] فهذه الآية صريحة موجهة للمؤمنين في أن من يأكل أموال الناس بالباطل ويقتل النفس بغير حق فهو يعتدي ويظلم ومصيره النار ويعذب فيها.
وفي الحديث الشريف: مرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على قبرينِ فقال: ( إنَّهما ليُعذَّبانِ وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ ثمَّ قال: بلى أمَّا أحدُهما فكان يسعى بالنَّميمةِ وأمَّا الآخَرُ فكان لا يستنزِهُ مِن بولِه ) ثمَّ أخَذ عودًا فكسَره باثنينِ ثمَّ غرَز كلَّ واحدٍ منهما على قبرٍ ثمَّ قال: ( لعلَّه يُخفَّفُ عنهما العذابُ ما لم ييبَسا ) [رواه البخاري] وهذا يثبت صراحة عذاب القبر للأموات بسبب بعض الكبائر التي ارتكبوها في الدنيا كالنميمة وعدم التنزه من البول.
وأما الحديث الذي استدل به المرجئة وأمثاله من الأدلة، فيرجع إلى تفسيرها على ضوء النصوص الصريحة التي ذكرنا بعضها، ومعنى الحديث: أن كلمة التوحيد كلمة عظيمة ينجو بسببها فلا يخلد في النار، ويخلد في الجنة.
عقيدة أهل السنة والجماعة
عقيدة أهل السنة والجماعة بالنسبة إلى من ارتكب الكبيرة من المؤمنين، يجب عليه أن يتوب منها، ومن تاب توبة صادقة تاب الله عليه، ولا يعتبر من ارتكب الكبيرة كافراً، ولكن يوصف بالعاصي أو الفاسق، وأوعد الله تعالى العاصين بالعذاب، وإن عُذبوا فإنهم لا يخلدون في النار يوم القيامة، ويغفر الله لمن يشاء من العاصين ويعذب من يشاء، لأن المعصية ولو كانت كبيرة فهي دون الكفر، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء:48]
خلاصة
يجب على المسلم أن يعرف العقيدة الصحيحة من طريق العلم، لأن العلم بالتعلم والفقه بالتفقه، وكلما تحقق من الأدلة ثبتت قناعاته ورسخ إيمانه، وكلما عرف عقيدة الآخر وفهمها وعرف كيف يرد عليها علمياً كلما تجذرت عقيدته في قلبه
الشيخ الدكتور باسم عيتاني
هو الشيخ الدكتور باسم حسين عيتاني من مواليد بيروت – لبنان عام 1965
حاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 2005
من مشايخه: الشيخ محمد طه سكر والشيخ أديب الكلاس والشيخ ملا عبد العليم الزنكي والشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ عبد الرزاق الحلبي والشيخ د. مصطفى ديب البغا والشيخ د. وهبي الزحيلي ود. محمد الزحيلي وغيرهم رحمهم الله جميعا.
لديه العديد من الخبرات والتخصصات العلمية و الإدارية، وقد شغل مناصب علمية وإدارية في العديد من الجهات والمؤسسات العلمية والثقافية والإسلامية الحكومية وغير الحكومية في لبنان وخارجه من ذلك
Seekers Guidance – عضو في اللجنة العلمية في مؤسسة
التعليم المفتوح عبر الإنترنت حتى الآن
– عميد كلية الدعوة الجامعية للدراسات الإسلامية – الدراسات العليا عام 2021-2020
مدير دار إقرأ للعلوم الإسلامية 1998- 2018
مدرس للعديد من المواد و المناهج العلمية في الفقه و الأصول و العقيدة و التفسير .. ومناقش و مشرف على العديد من الرسائل
والاطاريح العلمية في الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات و الكليات في لبنان له مؤلفات وأبحاث في مجال العلوم الإسلامية
أقوال الإمام زفر المعتمدة في المذهب الحنفي – الاجتهاد الجماعي سمو فكري في القرن 21 – العرف وأثره في الفقه الإسلامي
المشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل لبنان وخارجه
اللغات : العربية: ممتاز الفرنسية: جيد الإنكليزية: وسط
