ما الفرق بين التحدي بالقرآن والتحدي بالمعجزات الأخرى؟

يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى

السؤال

ما الفرق بين التحدي بالقرآن والتحدي بالمعجزات الأخرى؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

الْمَعْجَِزَةُ: بفتح الجيم وكسرها، وهي مِنَ الْعَجْزِ، وهو الضعف.

والقرآن وهو ‌المعجزة الباقية القائمة مقام قوله تعالى: «صَدَقَ عبدى في ما يبلغه عني».
وقد تحدى القرآن العرب بأن يأتوا بعشر سور أو بسورة منه فعجزوا مجتمعين، وفيهم الفصحاء والشعراء والخطباء ﴿‌قُلْ ‌لَئِنِ ‌اجْتَمَعَتِ ‌الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]

القرآن معجزة

التحدي بالقرآن كمعجزة يختلف عن التحدي بالمعجزات الأخرى للأنبياء من عدة جهات:

 الاستمرارية

فالقرآن الكريم معجزة مستمرة عبر الزمن جاءت على التأبيد، حيث يمكن لأي شخص في أي وقت أن يقرأه ويتحدى به، فهو يناسب العصور الممتدة إلى يوم الدين، وهو يسدّ مسدّ الكتب السابقة، وهي لا يمكن أن تسدّ مكانه، مصداق قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ‌بِالْحَقِّ ‌مُصَدِّقًا ‌لِمَا ‌بَيْنَ ‌يَدَيْهِ ‌مِنَ ‌الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: 48] ويعود السبب في اختصاصها بهذه الصفة أنَّ شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم خاتمة الرسالات السماويّة إلى يوم القيامة. قال الإمام السّيوطي: “لأن هذه الشريعة، لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية، ليراها ذو البصائر“. (1) بينما المعجزات الأخرى للأنبياء فكانت على التأقيت؛ فهي أحداثٌ محدَّدة في وقتها ومكانها، بل وانتهت بموت من جرت على يديه، ولولا أن ذكرها وصدَّقها القرآن الكريم لما آمنّا بها، مثل: شق البحر لموسى عليه السلام، وإحياء الموتى لعيسى عليه السلام…

التجدد

فالقرآن الكريم معجزة متجدّدة تتكرّر كل يومٍ، حتى أنَّه يُمكن تفسير القرآن الكريم في كل عصرٍ باستمرار، بشكل متزامن مع تطور الزمان وما ينشأ فيه من تغيرات، فهو كتابٌ معجزٌ لا تفنى عجائبه وكلّما أمعن علماء القرآن الكريم النظر فيه، بدَت لهم معاني وجوانب جديدة لم تظهر في سابق الأزمان، بخلاف معجزات الرّسل فقد وقعت مرّة واحدة وانتهت.

اللغة والأسلوب

التحدي بالقرآن يتضمن تحديًا لغويًا وأدبيًا، حيث تحدى الله العرب بأن يأتوا بمثل هذا القرآن أو حتى بسورة منه، ولم يستطيعوا ذلك رغم فصاحتهم وبلاغتهم. أما المعجزات الأخرى، فهي تتعلق بخرق قوانين الطبيعة بشكل مباشر.

الشمولية

القرآن يحتوي على إعجاز في مجالات متعددة مثل التشريع، القصص، الإخبار بالمغيبات، والتأثير النفسي والروحي على القارئ… بينما المعجزات الأخرى غالبًا ما تكون محدودة في نطاقها وتأثيرها.

معجزة عقلية

فالقرآن الكريم معجزة حسية وعقلية تُشاهد بالبصر والبصيرة، بينما معجزات الرّسل حسّية تُشاهد بالبصر فقط، كناقة صالح، وعصا موسى عليهما السلام؛ لهذا كان بقاء معجزة القرآن قائماً باقياً ببقاء العقل البشري وقدرته على التفكير.

الهدف

 فالهدف من التحدي بالقرآن، هو إثبات أنه كلام الله تعالى وليس من تأليف البشر، مما يجعله دليلًا دائمًا على صدق رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم. بخلاف المعجزات الأخرى، فقد كانت تجري لتأييد الأنبياء في مواقف معينة، ولأقوام محددين.

الجمع

 القرآن الكريم جمع بين كونه رسالة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وبين كونه معجزة، فهو رسالةٌ معجزة، بينما معجزات الرسل كانت منفصلة عن ذات رسالتهم.

الحفظ

 فالقرآن الكريم معجزة تكفّل الله تعالى بحفظها من التحريف والتبديل والنقص؛ قال تعالى: ﴿‌إِنَّا ‌نَحْنُ ‌نَزَّلْنَا ‌الذِّكْرَ ‌وَإِنَّا ‌لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ”إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، ‌وَأَنْزَلْتُ ‌عَلَيْكَ ‌كِتَابًا ‌لَا ‌يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَب“. (2)

بخلاف الكتب السماوية السابقة فقد أوْكل الله تعالى مهمّة حفظها إلى الناس، مصداق قوله تعالى: ﴿‌وَالرَّبَّانِيُّونَ ‌وَالْأَحْبَارُ ‌بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ﴾ [المائدة: 44]؛ لهذا فالقرآن كتابٌ يَصلح لكلّ زمان ومكان، ولا يستغني عنه البشر على مرّ الزمان، لاشتماله على الأخلاقٍ والمعاملاتٍ والأحكامٍ والآدابٍ، فهو حقّ دائم لا يمكن أن يزول أو يَتَبدّل.

وأخيراً: إعجاز القرآن موضوع ثري غني، فأنصح السائل الكريم الرجوع إلى كتاب “النبأ العظيم” للشيخ عبد الله دراز رحمه الله تعالى، وكتاب “الإعجاز العلمي إلى أين” لمساعد الطيار. (3)
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الشيخ أنس الموسى

هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م 

تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي. 

قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.

حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة،  على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.

درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.

إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.

مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.

حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.

أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.

(1): الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (4/3).
(2): صحيح مسلم (2865).
(3): وانظر مقال بعنوان: ما الفرق بين معجزات الرسل ومعجزة القرآن الكريم لإسلام الزبون.