كيف نرد على الدعوات التي تقول إن الدين غير ضروري في هذا العصر؟

يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور باسم عيتاني

السؤال

تقول بعض الدعوات الحديثة، إن الدين غير ضروري في هذا العصر، كيف نرد عليها؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين؛

فطرة الإنسان

الإدعاء بأن الدين غير ضروري في هذا العصر غير مقبول، لأن قضية التدين مغروزة في فطرة الإنسان، وموجودة في عمق الإنسان النفسي كما ورد في الحديث الشريف:”كل مولود يولد على الفطرة” [رواه البخاري] وقد أثبتت الدراسات الأركيولوجية هو علم يختص بدراسة البقايا المادية التي خلفها الإنسان في الماضي، بأن كل الناس في الماضي في حالة تدين، وما زال التدين متأصل بنفوس الناس، والإلحاد في الدين ورفضه هو خط شاذ بسبب الإيديولوجيات الوضعية  التي تبعده عن الوضع التديني الطبيعي.

الأسئلة الوجودية

الدين هو الذي يجيب عن الأسئلة الوجودية التي هي تساؤلات عميقة عن وجودنا والحياة والموت والكون، مثل: من أوجدني؟ ومن أنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ ويجيب عليها بكل وضوح وبصراحة، فيؤسس عند الإنسان إيماناً عميقاً بالله تعالى وبماجاء عنه. قال الله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ۞ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ)[ الطور:35،36] وقال أيضاً: (أفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [ المؤمنون:115]

والدين يلعب دوراً كبيراً في الأمن النفسي، والاطمئنان القلبي، والاستقرار الاجتماعي، ليبني مجتمعات متماسكة قوية، قال الله تعالى في الأمن النفسي: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [ الأنعام:82] وقال تعالى في الاطمئنان القلبي: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28] وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الاستقرار الاجتماعي: ”مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا.“ [ رواه الترمذي]

العبادات والقيم

الدين يدعو إلى العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج التي تُقوِِّم النفس وتهذبها، ويدعو إلى  القيم والأخلاق والعدل والرحمة، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90]

فالدين ليس عائقاً عن التقدم في عصرنا الحديث، بل التاريخ يدلل على أن التدين في المراحل الإسلامية كان سبباً للتقدم العلمي وبناء الحضارات الإسلامية، فجمع الدين بين العلم والشريعة، ووازن بين الروح والمادة، والدين لا يعارض العقل ولا العلم، بل يحث عليهما.

الحاجة الإنسانية للدين

فمن هنا كانت حاجة الإنسانية كلها إلى أن التدين لبارئها عزّوجلّ بالاعتقاد الجازم بوجوده ووحدانيته، وأن تَدينَ له بالعبودية المطلقة في كل شؤونه وأطوار حياته، أي يعني أن الله عزّ وجلّ ليس هو المحتاج إلى شيء من هذه الدينونة له أو التمسك بأمره، لكن سعادتنا الدنيوية فضلاً عن الأخروية هي التي تحوجنا وتضطرنا إلى هذه الدينونة. وصدق الله رب العالمين إذ يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ۞مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ۞ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56- 58] [كبرى اليقينيات الكونية]

الخاتمة

فمهما كانت دعوة المذاهب الإلحادية والنظريات المادية على تبسيط قضية الدين أو تسطيحه أو نسفه، فلن تكون قادرة على تلبية متطلبات الروح والنفس والإيمان بالغيب، فالوحيد الذي يلبي هذه المتطلبات هو الدين لأنه ضروري في حياتنا، ولا يمكن أن تستغني الأفراد والمجتمعات عن الشريعة لأنها أتت من لدن حكيم خبير يعلم حاجيات الخلق المادية والروحية.
والله ولي التوفيق.

الشيخ الدكتور باسم عيتاني

هو الشيخ الدكتور باسم حسين عيتاني من مواليد بيروت – لبنان عام 1965

حاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 2005

من مشايخه: الشيخ محمد طه سكر والشيخ أديب الكلاس والشيخ ملا عبد العليم الزنكي والشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ عبد الرزاق الحلبي والشيخ د. مصطفى ديب البغا والشيخ د. وهبي الزحيلي ود. محمد الزحيلي وغيرهم رحمهم الله جميعا.

 لديه العديد من الخبرات والتخصصات العلمية و الإدارية، وقد شغل مناصب علمية وإدارية في العديد من الجهات والمؤسسات العلمية والثقافية والإسلامية الحكومية وغير الحكومية في لبنان وخارجه من ذلك

 Seekers Guidance – عضو في اللجنة العلمية في مؤسسة

 التعليم المفتوح عبر الإنترنت حتى الآن

– عميد كلية الدعوة الجامعية للدراسات الإسلامية – الدراسات العليا عام 2021-2020

مدير دار إقرأ للعلوم الإسلامية 1998- 2018

مدرس للعديد من المواد و المناهج العلمية في الفقه و الأصول و العقيدة و التفسير .. ومناقش و مشرف على العديد من الرسائل

والاطاريح العلمية في الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات و الكليات في لبنان له مؤلفات وأبحاث  في مجال العلوم الإسلامية

أقوال الإمام زفر المعتمدة في المذهب الحنفي – الاجتهاد الجماعي سمو فكري في القرن 21 – العرف وأثره في الفقه الإسلامي

المشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل لبنان وخارجه

اللغات : العربية: ممتاز  الفرنسية: جيد الإنكليزية: وسط