كيف جُمع القرآن الكريم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)؟
يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى
السؤال
كيف جمع القرآن الكريم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
أولاً
كان عددٌ كبير من الصحابة يحفظون القرآن في صدورهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسمَّون بالحفظة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه الناس للأخذ عنهم، فيقول: “خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَبَدَأَ بِهِ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ”. [صحيح البخاري (3808)]
وأشهر الصحابة الذين أُخذ عنهم القرآن سبعة: «عثمان بن عفّان، وعلي بن أبي طالب، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري»، وهناك غيرهم كثير. [ينظر: علوم القرآن نور الدين عتر ص165] وهكذا لم يُقبَض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ والقرآن موجود في صدور الصحابة.
ثانياً
بالإضافة لحفظ الصحابة للقرآن في صدورهم، كذلك كانوا كلما نزل عليه صلى الله عليه وسلم نجمٌ من القرآن دعا كتاب الوحي فأملاه عليهم، فكتبوه على ما يجدونه من أدوات الكتابة حينئذ مثل الرّقاع، واللّخاف، والأكتاف، والعسب. ومن هنا فقد توفرت نسخ كثيرة من القرآن مدونة عند عدد من الصحابة مثل: «أبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، والسيدة عائشة. ومن أقوى الأدلة على كتابة الصحابة للقرآن، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ». [صحيح مسلم (1869)]
ثالثاً
ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ونتيجة القتل الكثير الذي وقع في صفوف قرّاء الصحابة في حروب الردة، في موقعة اليمامة؛ جاء عمر بن الخطاب إلى أبي بكر الصديق، فقال: إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن؛ فأرسل الصدّيق لزيد بن ثابت، وكان من حفاظ القرآن وأحد كتبة الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبّع القرآن فاجمعه. يقول زيد: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال». [صحيح البخاري (4986)]
وبذلك تم جمع القرآن بين دفتين في عهد الصديق، وكان ذلك الجمع بمنزلة أوراق وُجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء. [ينظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/238)؛ علوم القرآن نور الدين عتر ص171]
رابعاً
ثم بعد وفاة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وفي خلافة عثمان بن عفان، استجد في عهده رضي الله عنه ما يوجب نشرَ المصحف الذي جمع في عهد الصديق، وتعميمَه على الآفاق ليحقق الغاية التي جُمع لأجلها واستغرق تلك الجهود والأوقات؛ فقد جاء حذيفة بن اليمان إلى عثمان بن عفان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وآذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُ الصحابة في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة أم المؤمنين – وقد كانت تحتفظ بالنسخة التي جُمعت في عهد الصديق – أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيدَ بن ثابت وعبدَ الله بن الزبير وسعيدَ بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، ثم رد عثمان الصُّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، واحتفظ عنده بمصحف سمي «المصحف الإمام»، وأَمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرّق؛ حسماً لمادة الخلاف. وكان كل هذا بعلم وموافقة الصحابة الذين كانوا وقتئذ.
وبذلك جُمع القرآن بين دفتين كما هو عليه اليوم، باستثناء تلك الأعمال التكميلية والتتزينية التي جاءت بعد ذلك، كنَقط الحروف وإعجامها، والورق الجميل … والتي تساعد كلها في جودة القراءة وعدم وقوع اللبس فيها.
وأخيراً: هذا القرآن ولله الحمد صار موجوداً متوفراً اليوم في متناول كل الناس، فما علينا إلا الإقبال على قراءته والعمل بمضمون. وصدق من قال: إذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله فانظر محبة القرآن من قلبك.
الشيخ أنس الموسى
هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م
تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.
قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.
حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة، على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.
درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.
إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.
مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.
حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.
أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.
