قد نضطر لمعايشة من يترك الصلاة عمدًا، فكيف نتعامل معه؟
يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور باسم عيتاني
السؤال
قد نضطر لمعايشة من يترك الصلاة عمدًا، فكيف نتعامل معه؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه اجمعين؛
السائل المحترم؛
هذه القضية منتشرة جداً بين المسلمين، لإننا نرى اليوم كثيراً من المسلمين يتركون الصلاة كسلاً وغفلة، ومن الضروري التعايش معهم لوجودهم في المجتمع الإسلامي، فالتعامل معهم يكون باللين والكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة.
فليس من المنطق أن يصطدم المجتمع الإسلامي مع تارك الصلاة، لأن ترك الصلاة كسلاً تعتبر معصية كبرى عند جماهير علماء الأمة الإسلامية، فنجد المسلمين يرتكبون معاصي كبرى أخرى كالربا المنتشر كثيراً في زماننا والزنا، فلو تم الاصطدام والمجابهة مع كل من يفعل معصية كبيرة لصارت مجتمعاتنا الإسلامية في صراعات قوية ومجابهات فيما بينها تؤدي إلى مساوىء لا تحمد عقباها.
فلذلك انبنى الإسلام على تأليف القلوب على حب الدين وحب الصلاة وحب العبادات وحب النبي – صلى الله عليه وسلم – وحب الشريعةوغيرها، قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ۞ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [الأنفال: 62، 63]، فواجب علينا أن نتعامل مع تارك الصلاة ومع كل من ارتكب معصية كبيرة بتأليف قلبه على الصلاة وعلى العبادة وعلى ترك المعصية وعلى الرجوع إلى الله تعالى ، لأن المجتمع بطريقة التأليف يسير نحو تأصيل السلام بين الناس.
فنتعامل مع تارك الصلاة مثل أيّ مسلم من المسلمين باللطف واللين وحسن الخلق، ونتعامل معه في المشاركة الاجتماعية من التزاور وتقبُّل الهدايا والمشاركة المالية بالتعامل المالي بيعاً وشراء، وإجارة وغيرذلك، فإذا وجّه الله المسلمين أن يتعاملوا بالبر والقسط مع الكافرين الذين لم يقاتلوهم في الدين، فكيف بالمسلمين فيما بينهم في التعامل. قال الله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [ الممتحنة:8] فالأولى أن يكون التعامل بين المسلمين تقاة أو عصاة بالبر والإحسان والعدل.
نتعامل مع تارك الصلاة بالحكمة والموعظة الحسنة، فننصحه بالمواظبة على الصلاة باستمرار بين الفينة والأخرى دون سأم ولا ملل ، وبأن تركها خطير، وأن المرء يواجه يوم القيامة حساباً عسيراً بتركها، ونوجهه من خلال آيات قرآنية وأحاديث نبوية تنفر من ترك الصلاة ، وتبشر بفضائل الصلاة، قال الله تعالى: ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125] ونتكلم معه بطيب الكلام ونأخذ بيده برفق، فإن كثيراً من الناس تتأثر بهذا الأسلوب، وتعيد حساباتها، فترجع إلى الله تعالى، وتستأنف مسيرتها بعبادة الله بالصلاة.
فأسلوب الرفق هو أسلوب الأسوة الحسنة النابع من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي علملنا استخدام الرفق في مجالات حياتنا، قال – عليه الصلاة والسلام -:” إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَهُ” [رواه مسلم]
وقد يتعامل المرء مع تارك الصلاة قريب له أو صديق أو بعيد بأسلوب الخوف عليهم، فيتكلم معهم بكل صدق وبكل محبة بأنه حزين عليهم، وأنه يخاف عليهم من عذاب يوم القيامة بانهم سيتعذبون بسبب تركهم الصلاة، ويضيق صدره بذلك، فهذا الأسلوب يدل على الحرص منه ومحبة بأنه يريد أن ينقذهم من العذاب، وهذا غاية في التأثير، فبعض الناس يتأثر كثيراً بهذه الطريقة، وهذا إشارة إلى سلوك الرسول الأسوة الحسنة – صلى الله عليه وسلم – قال الله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة :128]
أخي السائل: من الأمور التي تغيب عن بعض أذهان المسلمين، هو الدعاء لتارك الصلاة، فلا يكفي أن ندعوه إلى الصلاة بأسلوب متنوع وحسن وأن نتعامل معه تعاملاً أجتماعياً ومالياً وأخلاقياً، بل علينا أن ندعو له في ظهر الغيب، بأن يهدي الله قلبه، وينور بصيرته لهذه العبادة التي هي عمود الدين حتى يصير من القائمين الراكعين الساجدين. قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ” دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّما دَعَا لأَخِيهِ بخَيْرٍ، قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بهِ: آمِينَ وَلَكَ بمِثْلٍ” [رواه مسلم]
والله ولي التوفيق.
الشيخ الدكتور باسم عيتاني
هو الشيخ الدكتور باسم حسين عيتاني من مواليد بيروت – لبنان عام 196
حاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 2005
من مشايخه: الشيخ محمد طه سكر والشيخ أديب الكلاس والشيخ ملا عبد العليم الزنكي والشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ عبد الرزاق الحلبي والشيخ د. مصطفى ديب البغا والشيخ د. وهبي الزحيلي ود. محمد الزحيلي وغيرهم رحمهم الله جميعا.
لديه العديد من الخبرات والتخصصات العلمية و الإدارية، وقد شغل مناصب علمية وإدارية في العديد من الجهات والمؤسسات العلمية والثقافية والإسلامية الحكومية وغير الحكومية في لبنان وخارجه من ذلك
Seekers Guidance – عضو في اللجنة العلمية في مؤسسة
التعليم المفتوح عبر الإنترنت حتى الآن
– عميد كلية الدعوة الجامعية للدراسات الإسلامية – الدراسات العليا عام 2021-2020
مدير دار إقرأ للعلوم الإسلامية 1998- 2018
مدرس للعديد من المواد و المناهج العلمية في الفقه و الأصول و العقيدة و التفسير .. ومناقش و مشرف على العديد من الرسائل
والاطاريح العلمية في الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات و الكليات في لبنان له مؤلفات وأبحاث في مجال العلوم الإسلامية
أقوال الإمام زفر المعتمدة في المذهب الحنفي – الاجتهاد الجماعي سمو فكري في القرن 21 – العرف وأثره في الفقه الإسلامي
المشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل لبنان وخارجه
اللغات : العربية: ممتاز الفرنسية: جيد الإنكليزية: وسط
