سلسلة أحوال الصائم مع القرآن الكريم في شهر رمضان | المقالة الرابعة | الشيخ محمد قيلش



        •  فضل وكيفية قراءة القرآن الكريم في شهر رمضان

 

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما مباركين كاملين لا متنهى لهما دون رضاه سبحانه. وبعد:

 

فإن من المعلوم أن شهر رمضان له خصوصيَّة بالقرآن، فترى الناس إذا دخل هذا الشهر المبارك تسارعوا إلى الاجتماع على القرآن الكريم تلاوة وتدبرا، وتنافسوا في قراءة القرآن الكريم، وذلك أن هذا الشهر المبارك هو الذي أنزل فيه القرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ [البقرة: 185].

 

وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أنزل الله عز وجل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم أنزله جبريل بعد على محمد فكان فيه ما قال المشركون وردًّا عليهم» [1]، ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ[الدخان: 3].

 

وكان النبي  يتدارس القرآن الكريم مع جبريل في كل عام في شهر رمضان، ففي الصَّحيحينِ عن ابن عباس – رضيَ الله عنهما – قال: «كان النَّبي  أجود ما يكون في رمضان، حين يَلْقاه جبريل، فيُدَارسه القرآن – فَلَرَسُول الله حين يلقاه جبريل أجود منَ الرِّيح المرسلة» [2].

دَلَّ الحديث على استحبابِ دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعَرْض القرآن على الحفاظ، وفيه دليلٌ على استحبابِ الإكثار مِن تلاوة القرآن في شهر رمضان.

 

وفي حديثِ فاطمة رضي الله عنها عن أبيها «أنه أخْبَرَهَا أنَّ جبريل – عليه السلام – كان يعارضُه القرآن كل عام مَرَّة، وأنه عارَضَه في سنة وفاتِه مَرَّتين» [3].

وفي حديثِ ابن عباس: «وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن»[4]، فدَلَّ ذلك على استحباب الإكثار منَ التلاوة في رمضان ليلاً، فإنَّ اللَّيل تنقطع فيه الشَّواغل وتجتمع فيه الهِمم، وَيَتَوَاطأ فيه القلب واللسان على التَّدَبُّر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً [المزمل: 6].

وكان النَّبي  يُطيل القراءة في قيام رمضان باللَّيل، أكثر من غيره. وقد صَلَّى معه حُذَيفة ليلة في رمضان، قال: «فقرأ بـ البقرة، ثمَّ النِّساء، ثم آل عمران، لا يمرُّ بآيةِ تخويفٍ إلاَّ وقف وسَأَل، قال: فما صَلَّى الرَّكعتينِ حتى جاءَه بلال فآذنه بالصَّلاة» [5].

 

حال الصحابة في قراءة القرآن الكريم في شهر رمضان:

بداية يجدر التنبيه إلى أنه في العموم ينبغي أن يراعي الإمام حال المأمومين، فلا يطوِّل إن كان يصلي بجمع فيه أناس ذوو أحوال مختلفة، ومن أراد أن يزيدَ في القراءة ويطيل – وكان يُصَلِّي لنفسه – فليطول ما شاء، وكذلك مَن صَلَّى بِجَماعة يرضون بِصَلاته، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم للناس، فليخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء» [6].

 

ومن هنا نفهم اختلاف الروايات عن الصحابة الكرام في تطويل القراءة في الصلاة وتقصيرها، فقد ورد أن الصحابة الكرام كانوا يطيلون القيام في شهر رمضان فقد أمر عمر أُبَي بن كعب، وَتَمِيمًا الدَّاري، أن يقوما بالنَّاس في شهر رمضان، (فكان القارئ يقرأ بالمِئينَ في ركعة، حتى كانوا يعتمدونَ على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلاَّ عند الفجر) [7].

ورُويَ أنَّ عمر جمع ثلاثة قُرَّاء، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأَ بالناس ثلاثين، وأوسطهم بخمس وعشرين، وأبطأهم بعشرينَ [8].

 

وسُئِل الإمام أحمد عَمَّا رُوي عن عمر رضي الله عنه، فقال: “في هذا مَشَقَّة على الناس، ولا سِيَّما في هذه اللَّيالي القصار، وإنَّما الأمر على ما يحتمله النَّاس”.

وَقَد رَوَى الحَسَن: أنَّ الذي أَمَره عمر أن يُصَلِّي بالناس، كان يقرأ خمس آيات، ست آيات، وقد ذكر الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة أنَّه يُرَاعى في القراءة حال المَأْمومينَ، فلا يشقّ عليهم [9].

وروي عن أبي ذر أنَّ النَّبي قام بهم ليلة ثلاث وعشرين، إلى ثلث الليل، وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، فقالوا له: لو نَفَّلْتَنَا قيام هذه الليلة، فقال: «إنَّ الرَّجل إذا صَلَّى مع الإمام حتى ينصرفَ، حسب له قيام ليلة» [10].

وعن ابن مسعود قال: (مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ خَمْسِينَ آيَةً لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَرَأَ ثَلَاثَمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ لَهُ قِنْطَارٌ، وَمَنْ قَرَأَ تِسْعَمِائَةِ آيَةٍ فُتِحَ لَهُ) [11].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما للضياء المقدسي، رقم 387، 11/375.

[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 6. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الفضائل، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، حديث رقم 2308.

[3] المسند الصحيح لمسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها السلام، حديث رقم 2450.

[4] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 6.

[5] مسند الإمام أحمد بن حنبل، في حديث حذيفة بن اليمان، رقم 23399. وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من أحق بالإمامة، رقم 980.

[6] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأذان، باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، رقم 703.

[7] الموطأ للإمام مالك بن أنس، عن السائب بن يزيد، كتاب السهو، باب ما جاء في قيام رمضان، رقم 379.

[8] السنن الكبرى للبيهقي، عن أبي عثمان النهدي، في جماع أبواب صلاة التطوع وقيام شهر رمضان، باب قدر قراءتهم في شهر رمضان، رقم 4295.

[9] انظر لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي صـ170ـ. 

[10] سنن أبي داود، باب في قيام شهر رمضان، عن أبي ذر رضي الله عنه، رقم 1375.   

[11] الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار. لأبي بكر ابن أبي شيبة، كتاب فضائل القرآن، باب من قرأ مائة آية أو أكثر، رقم 30086. 

سلسلة أحوال الصائم مع القرآن الكريم في شهر رمضان | المقالة الثالثة | الشيخ محمد قيلش


      • أتاكم شهر القرآن أيها المتنافسون:

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن لقدوم الحبيب الغائب لسرور وفرحة لا توصف، وهذا شهر التنافس في الخيرات قد هلّت طلائع موكبه، وهبّت نفحاتُه، فيا أيها المسارعون السبّاقون هذا ميدان التنافس في الطاعات والقُربات، ويا أيها التّجار يا تجار الآخرة هذا موسم التجارات الرابحات، هذا موسم المضاعفات للأجور. هذا شهرٌ التنزّلات، هذا شهر الإقبال على الله ، هذا شهر يباهي الله فيه بكم ملائكته.

    • أخرج الطبراني في معجمه الكبير عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا فَلَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا» [1].

فهيّا بنا أيها المتنافسون نري الله من أنفسنا ما يرضيه عنا، حتى نكون ممن شملته الرحمة الإلهية فيشفع لنا الصيام والقرآن.

    • أخرج الإمام أحمد وغيره عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله «الصِّيامُ والقَرآنُ يَشفعانِ للعَبدِ يَومَ القِيامةِ، يَقولُ الصِّيامُ: أيْ ربِّ إني مَنَعتُهُ الطَّعامَ والشَّهواتِ بالنهارِ فَشَفّعني فيه، ويقولُ القُرآن: ربِّ منعتُهُ النَّومَ باللَّيلِ فشفِّعني فيه فَيُشفَّعانِ» [2].


فهنيئاً لكم يا أهل القرآن يا من اختصكم الله منذ الأزل واصطفاكم من بين خليقته، ومنَّ عليكم بأن جعلكم من أهله وخاصته، فقال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ[فاطر، 32]. وهذه الآية فيها واو جماعة حقّها أن تكتب بماء العيون لمن تدبّرَ وتفكّر، فهي البشارة لجميع أهل القرآن. فقد قال تعالى يَدْخُلُونَهَا، أي جميعاً.

وإن التقرب إلى الله تعالى بتلاوة كلامه وتدبُّره والتفكُّر في آياته هو من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، لمن يطلب الحسنات الكثيرات، ويرجو التجارات الرابحات، لأنه من جملة التجارة الرابحة التي شهد الله تعالى لها بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر: 29].

 

ففيه الدلالة على أكمل طريق وأفضل سبيل موصل للسعادة في الدنيا والآخرة، فمن سلك تلك الطريق فقد فاز وأنجح. وقد بشَّرنا الله تعالى فيه بالأجر الكبير بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: 9]. وهذا الأجر العظيم لا يحصيه عدُّ عادٍّ، ولا حساب حاسب، بل إن الله تعالى قد أخفى ما فيه من قرة عين؛ لينال أهل الليل الذين يحيون لياليهم بالقرآن والصلاة والدعاء جزاءهم يوم القيامة.

مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ۝ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 16 – 17].

 

وإن رسول الله قد رغّبنا بالإكثار من تلاوة القرآن والحرص عليه أشد الحرص، فقد أخرج أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطَرِينَ» [3].

وعن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله يقول «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» [4]. والبطلة: السحرة.

 

وإنَّ حِفْظَ وتَعَلُّمَ آية من كتاب الله تعالى أعظم من كل بهارج الدنيا وزخارفها، مصداق ذلك ما أخرج الإمام مسلم عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ فِى الصُّفَّةِ فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِىَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِى غَيْرِ إِثْمٍ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ – والكوماء هي الناقة العظيمة السنام – فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: أَفَلاَ يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمَ أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلاَثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ» [5].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المعجم الكبير للطبراني، 519.

[2] مسند الإمام أحمد بن حنبل، في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، 6626. والمعجم الكبير للطبراني، 88.

[3] سنن أبي داود الطيالسي، أبواب قراءة القرآن وتحزيبه وترتيله، باب تحزيب القرآن، 1398.

[4] المسند الصحيح لمسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، 804. ومسند الإمام أحمد بن حنبل، في حديث أبي أمامة الباهلي الصدي بن عجلان، 22146.

[5] المسند الصحيح لمسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه، 803.

سلسلة أحوال الصائم مع القرآن الكريم في شهر رمضان | المقالة الثانية | الشيخ محمد قيلش

 

        •  شرف ومنزلة صاحب القرآن:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن فضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، فإذا كان القرآن الكريم مع أحد من الناس فإنه قد حاز ما لا يُدرَك فضله، ولا تُدرَك منزلته، وهذا النبي قد بيَّن لنا أن أهل الشرف والمنزلة العالية في هذه الأمة هم أصحاب القرآن الكريم.

فعن ابن عبَّاسٍ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ : «أَشْرَافُ أُمَّتِي حَمَلَةُ الْقُرْآنِ, وَأَصْحَابُ اللَّيْلِ» [1]. 

 

وهذا الشرف يكون في الدنيا والآخرة، فإن صاحب القرآن ليعلو في المنزلة في الدنيا والآخرة، فقد حضَّنا النبي على إكرام حامل القرآن الكريم، فقال: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» [2].

 

    • وحامل القرآن في الدنيا:
      يكون أهلاً للإمارة والقيادة، ويقدَّم على غيره، وإن كان فقيرًا أو صغيرًا، فقد أخرج مسلم أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: (من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا قال فاستخلفت عليهم مولى؟ قال إنه قارئ لكتاب الله عز وجل وإنه عالم بالفرائض قال عمر أما إن نبيكم
       قد قال «إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين») [3].

وأخرج الترمذي وحسَّنه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعث رسول الله بَعْثاً وهم ذوو عدد، فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سناً فقال: ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال: اذهب فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم البقرة إلا خشية ألا أقومَ بها. فقال رسول الله : تعلَّموا القرآن واقرأوه، فإن مَثَلَ القرآن لمن تعلمه فقرأه كمثل جِراب محشو مِسكاً يفوح ريحه في كل مكان، ومن تعلَّمه فيرقد وهو في جوفه فمثله كمثل جِراب أوكىء على مسك» [4].

وإن التفاضل بين المؤمنين في الإمامة في الصلاة التي هي أعظم فريضة على المؤمنين إنما يكون بالقرآن الكريم، فأحقُّ القوم بالصلاة أقرؤُهم للقرآن، فعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال لنا رسول الله «يَؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، وأَقْدَمُهم قراءةً، فإن كانتْ قراءتُهم سواءً، فليؤمَّهم أقدمُهم هجرة، فإن كانوا في الهِجرة سواءً، فليؤمَّهم أكبرُهم… الحديث» [5].

وإن حامل القرآن الكريم المداوم على قراءته وتدبُّر آياته لا يُرَدُّ إلى أرذل العمر، فقد أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: (من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً و ذلك قوله عز و جل ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، قال : إلا الذين قرؤوا القرآن) [6].

وإنّ حامل القرآن الأكثر أخذاً له ليقدم على غيره حتى في أول منازل الآخرة، فقد أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: «كان النبي يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» [7].

 

    • وأما حامل القرآن في الآخرة:
      فإنّ حامل القرآن العاملَ به ليكون مع النبي
      في الآخرة، ليس فوقه أحد في الجنة، فعن عبد الله بن عمرو عن النبي قال: «يُقال لصاحب القرآن يوم القيامة: إقرأ وارق في الدرجات ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» [8].

وروي عن أم الدرداء أنها قالت: (سألت عائشة عمن دخل الجنة ممن قرأ القرآن ما فضله على من لم يقرأه؟ فقالت عائشة إن عدد درج الجنة بعدد آي القرآن فمن دخل الجنة ممن قرأ القرآن فليس فوقه أحد [9].

 

وإنَّ كتابَ اللهِ أوثقُ شافعٍ ** وأغنى غَنَاءٍ واهبًا مُتَفَضِّـلا  

وخيـرُ جليـسٍ لا يُمَـلُّ حـديثُهُ ** وتَـرْدَاده يَزْدادُ فيـه تَجَمُّـلا  

وحيث الفتى يَرتاعُ في ظلماته ** منَ القبرِ يلقاهُ سَنًا مُتَهَلِّلا 

هـنالك يَهْنِيهِ مَقِيـلاً وروضةً ** ومنْ أجْلِهِ في ذِرْوَةِ العزِّ يُجْتَلا

يناشِـدُ في إرضائـه لحـبيبه ** وأجْـدِرْ بهِ سُـؤْلا إلـيـهِ مُـوَصَّـلا  

فيا أيـها القـاري به متمـسِّـكًا ** مُجِـلًّا لهُ في كلِّ حـالٍ مُبَـجِّـلا  

هنـيـئـاً مريئـاً والداك عليهما ** ملابـسُ أنوارٍ منَ التاجِ والحُـلا

فمـا ظنُّـكم بالنَّجْـلِ عند جزائه ** أولئك أهـلُ اللهِ والصفوةُ المَلا

أولو البِرِّ والإحسانِ والصبرِ والتقى ** حُلاهُمْ بها جاءَ القُرَانُ مُفَصِّلا  

بنفسي من استهدى إلى الله وحـدَه ** وكانَ لـه القُرْآنُ شِرْبَا وَمَغْسِلا

فطوبى له والشوقُ يَبعَثُ هَمَّهُ ** وَزَنْدُ الأسَى يَهتاجُ في القلبِ مُشْعِلا [10]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  شعب الإيمان للبيهقي، تعظيم القرآن، فصل في تنوير موضع القرآن، (2433).

[2]  السنن لأبي داود، كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم، رقم (4843)، وهو حديث حسن.  

[3] المسند الصحيح لمسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، (817).

[4] الجامع الصحيح للترمذي، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، (2876)، وقال حسن.

[5]  مسند الإمام أحمد بن حنبل، في بقية حديث أبي مسعود الأنصاري، (17063). وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصل6ة والسنة فيها، باب من أحق بالإمامة، (980).

[6] شعب الإيمان للبيهقي، تعظيم القرآن، فصل في تنوير موضع القرآن، (2450).

[7] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الجنائز، باب من يُقدم في اللحد، (1347).

[8] الجامع الصحيح للترمذي، أبواب فضائل القرآن، (2914)، وقال حسن، والسنن لأبي داود، كتاب تفريع أبواب الوتر، باب استحباب الترتيل في القراءة، (1464).

[9]  الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، لابن أبي شيبة، كتاب فضائل القرآن، في فضل من قرأ القرآن، (29952). وللحديث شواهد.

[10] الأبيات منتقاة من متن الشاطبية = حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع. للإمام الشاطبي

سلسلة أحوال الصائم مع القرآن الكريم في شهر رمضان | المقالة الأولى | الشيخ محمد قيلش

 

        • خصوصية وفضل أهل القرآن

 

الحمد لله الذي رَفَعَ رتبةَ أهلِ كتابه، المتخلِّقين بأخلاقه المتأدِّبين بآدابه، المواظبين على تلاوته وإقرائه، الناصحين في تعليمه وإتقانه، المخلصين لله تعالى يتلونه حقَّ تلاوته، اصطفاهم مِن بين خليقتِه، وجعل قلوبهم أوعية لحفظ كتابه، ومَنَّ عليهم بأن جعلهم مِن أهله وخاصَّته، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ[فاطر: 32] وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد الذي أرسله الله تعالى للعالمين بشيراً ونذيراً،  فكان مما بشَّر به أمَّتَه أن قال: «خيركم من تعلم القرآن وعَلَّمه» [1].

فاللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على هذا النبي الكريم، وعلى آله المتواترةِ أخبارُهم، وأصحابه المشهورةِ آثارُهم.

أما بعد: فإن شهر رمضان قد دقّ الأبواب، والعلاقة بين القرآن الكريم وشهر رمضان لا تخفى، ففي هذا الشهر المبارك أُنزل القرآن الكريم، وفيه يشمر أهل الإيمان عن سواعد الجدّ والطاعات، ويتنافسون في ختمات متواليات، متدبرين آياته آناء الليل وأطراف النهار. فيا أيها المسارعون السّباقون هذا ميدان التنافس في الطاعات والقربات، ويا أيها التّجار؛ يا تجار الآخرة هذا موسم التجارات الرابحات، هذا موسم المضاعفات للأجور، هذا شهرٌ التنزلات، هذا شهر الإقبال على الله، هذا شهر يباهي الله فيه بكم ملائكته.

  • روى الطبراني بإسناده عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله قال يومًا وقد وَحَضَرَ رَمَضَانُ: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ ، فِيهِ خَيْرٌ يَغْشَاكُمُ اللَّهُ فَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ وَيَحُطُّ فِيهَا الْخَطَايَا ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الدَّعْوَةُ ، يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ وَيُبَاهِيكُمْ بِمَلَائِكَةٍ ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسَكُمْ خَيْرًا ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ كُلَّ الشَّقِيِّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ».

ومن المعلوم أن لله تعالى خواصًّا في الأزمنة والأمكنة والأشخاص. وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يغتنمون تلك الخصوصيات، فهذا نبي الله زكريا عليه السلام يتلمس خصوصية المكان حين كان يدخل على السيدة مريم عليها السلام فيجد عندها الرزق الوفير فيدعو الله تعالى في ذلك المكان فتجاب دعوته، ويقص الحقُّ سبحانه ذلك علينا بقوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران: 38].

ومن الأزمنة الخاصة الليالي والأيام المباركات التي حضنا الله سبحانه على كثرة العبادة فيها: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن”.

ومن الأمكنة الخاصة: “المسجد الحرام والمسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، والمسجد الأقصى مسرى الحبيب صلوات ربنا وسلامه عليه، نسأل الله تعالى أن يكرمنا بتحريره والصلاة فيه”.

ومن الأشخاص:الأنبياء والأولياء، ومنهم أهل الله وخاصته، وهم أهل القرآن الكريم“.

 

فإذا اجتمعت خصوصية شهر رمضان مع خصوصية أهل القرآن فقد عظُمت المنّة، وتضاعف الفضل.

  • أخرج الإمام أحمد وابن ماجه عن سيدنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ. قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ» [2].

وهولاء صنفان، صنف متقن حافظ يسهل عليه الحفظ والعمل، وصنف يصعب عليه قراءة القرآن وحفظه، إما لعجمة في لسانه، أو لجهل بالقراءة وعلم التجويد، أو لكبر في السن، أو لغير ذلك. ومع ذلك فهو لا ييأس، ويحاول ولا تزيده الصعوبة إلا رغبةً وإصراراً.

  • وقد بشر النبي كل صنف بثوابه، فقال فيما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي : قال: «مَنْ قَرأَ القُرآنَ فَقامَ بهِ آناءَ اللَّيلِ و النَّهارِ، يُحلُّ حَلالهُ و يُحرِّمُ حَرامهُ، خَلطهُ اللهُ بِلحمهِ ودَمهِ، وجَعلهُ رَفيقَ السَّفرةِ الكِرامِ البَررةِ، و إذا كَانَ يَومُ القِيامةِ كَانَ القُرآنُ لهُ حَجيجاً، فقالَ يا رَبِّ: كُلُّ عَاملٍ يَعملُ في الدُّنيا يَأخذُ بِعملهِ في الدُّنيا إلا فُلانٌ كَانَ يَقومُ فِي آناءِ اللَّيلِ و النَّهارِ فيُحلُّ حَلالي ويُحرِّمُ حَرامي، يا رَبِّ فأَعطهِ، فيُتوِّجهُ اللهُ تَاجَ المُلكِ ويَكسوهُ مِنْ حُللِ الكَرامةِ، ثمَّ يَقولُ: هَلْ رَضيتَ؟ فيَقولُ: يَا رَبِّ أَرغبُ في أَفضلَ مِنْ هَذا، فيُعطيهِ اللهُ عَز وجَلَّ المُلكَ بِيمينهِ والخُلدَ بِشمالهِ، ثُمَّ يُقالُ لهُ: هَلْ رَضيتَ؟ فَيقولُ: نَعمْ يَا رَبِ، ومَنْ أَخذهُ بَعدَ مَا يَدخلُ في السِّنِّ فأَخذهُ وهو يَتفلتُ مِنهُ أَعطاهُ أَجرهُ مَرَّتينِ» [3].

  • وأخرج أيضًا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله قال: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ومات في الجماعة بعثه الله يوم القيامة مع السفرة والمهرة، ومن قرأ القرآن وهو يتفلت منه آتاه الله أجره مرتين ومن كان حريصا عليه ولا يستطيعه ولا يدعه بعثه الله يوم القيامة مع أشراف أهله وفضلوا على الخلائق كما فضلت النسور على سائر الطيور ثم ينادي مناد أين الذين كانوا لا تلهيهم رعاية الأنعام عن تلاوة كتابي فيقومون فيلبس أحدكم تاج الكرامة ويعطي الملك بيمينه والخلد بيساره، ثم يكسى أبواه إن كانا مسلمين حلةًّ خير من الدنيا وما فيها فيقولان أنى لنا هذا و ما بلغته أعمالنا؟ فيقال إن ولدكما كان يقرأ القرآن» [4].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، عن عثمان رضي الله عنه، (5027).

[2] مسند الإمام أحمد بن حنبل، في مسند أنس بن مالك، (12292). وسنن ابن ماجه، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه، (215).

[3] شعب الإيمان للبيهقي، تعظيم القرآن، فصل في إدمان تلاوة القرآن، (1836).

[4] شعب الإيمان للبيهقي، تعظيم القرآن، فصل في إدمان تلاوة القرآن، (1837). 

سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الخامسة والأخيرة| خلق الصبر| الشيخ محمد قيلش

بسم الله الرحمن الرحيم

 

استجاب النبي ﷺ لأمر ربه سبحانه ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، فحاز قصب السبق في الصبر على أمهات البلايا وعظائمها؛ فعلى صعيد فَقْدِ الأهل فإنه ﷺ صبر على وفاةِ أحبِّ الناس إليه في عام واحد، وهما: عمه أبو طالب والسيدة خديجة زوجته ﷺ، وعلى صعيد فَقْدِ الولد فإنه ﷺ كان كلما ولد له ولدٌ ذَكَر لا يلبث بعد مدَّة قصيرة أن يموت، فصبر، وتوفيت كل بناته في حياته ﷺ إلا فاطمة رضي الله عنها فصبر. وعلى صعيد ظلم ذوي القربى وأذى العشيرة عاداه بنو عمومته وأخوالُه وجيرانه وأهل بلده وآذوه وظلموه حتى اضطروه إلى مفارقة بلده ووطنه وأحبِّ البقاع إليه ﷺ فصبر. وعلى صعيد الجوع بسبب حصار عشيرته له فإنه قد مرَّ عليه ﷺ ثلاث سنين لا يجد هو ومن يناصره في شعب أبي طالب ما يأكلونه حتى أكلوا أوراق الأشجار ثم أغصانها، فصبر، ثم الجوع وقلة الطعام في المدينة حتى كان يمر عليه ﷺ الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقَد في بيت من بيوته ﷺ نار، فكان طعامه التمر والماء، وحتى ربط على بطنه الشريف حجرين يوم الخندق من شدة الجوع فصبر. وعلى صعيد ضياع المال والأملاك فقد استولى عقيل ابن عمه أبي طالب على داره بعد هجرته ﷺ فصبر [1].

وعلى صعيد أذية الناس له واتهامه في عِرْضِه الشريف ﷺ اتُّهِمت أحبُّ نسائه ﷺ إلى قلبه بالزنا، وتكلم المنافقون وبعض المؤمنين في ذلك، وزاد في مرارة البلية أن الوحي تلبَّث عنه في تلك المدة فلم يعرف حقيقةَ الأمر فصبر حتى نزلت آيات التبرئة للسيدة عائشة رضي الله عنها. وعلى صعيد الصبر في مجال الدعوة والأذى الذي ناله ﷺ فقد عانى ما عانى حتى سلَّط عليه الكفارُ صبيانَهم وسفهاءهم فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فصبر، وحتى تآمر الكفار عليه في مكة ثم اليهود في المدينة ليقتلوه فصبر، بل إنه ﷺ كان يتحمَّل فوق ذلك تَشَكِّي أصحابه رضي الله عنهم، ويرشدهم إلى الصبر [2].

فمن أصيب من المسلمين بمصيبة فلينظر سيرة سيد الخلق ﷺ يجد فيها أنه ﷺ ابتلي بأشد منها في جنسها ونوعها فصبر، وبذلك كان ﷺ الأسوة والقدوة للمؤمنين إلى قيام الساعة. ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]. 

ولما كان عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء فإنَّ الله تعالى ادَّخر للصابرين عنده: بشارة، ومعية نصر وتأييد، وتوفية أجر من غير حساب، وختم ذلك بالمحبة. قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]. 

_______________________________

[1] حديث استيلاء عقيل على أملاك النبي في مكة متفق عليه. انظر الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، حديث رقم 1523. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الحج، باب النزول بمكة للحاج وتوريث دورها، رقم 1351.

[1] عن خباب بن الأرت، قال: (شكونا إلى رسول الله ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم 3612. 

سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الرابعة| خلق الرحمة – 4 الرحمة بالحيوان والجماد| الشيخ محمد قيلش

بسم الله الرحمن الرحيم

  • رحمته ﷺ بالحيوان:  

ورد فيها أحاديث كثيرة تدل على عظيم رحمته ﷺ إرشادًا وسلوكًا منه ﷺ. 

فمن إرشاده ﷺ نهيُه عن التحريش بين الحيوانات، وتهييج بعضها على بعض لتقتتل فيما بينها [1]. ومنه نهيه أن يُتَّخَذ شيءٌ من الحيوانات غرضًا للرماية بالسهام عند إرادة تعلم الرمي [2].

ومنه إرشاده ﷺ إلى الإحسان في ذبح البهائم عند إرادة أكلها بقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [3].

ومنه تحذيره من أذية الحيوانات بقوله ﷺ: «عُذِّبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» [4].

ومنه ترغيبه ﷺ بالإحسان إلى الحيوانات ورحمتها بقوله: «بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرًا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب؛ فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر» [5]، ومنه إرشاده ﷺ إلى إخفاء السكين عن عين الذبيحة عند إرادة ذبحها؛ رحمةً بها، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صَفْحَة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها فقال: أفلا قبل هذا! أو تريد أن تميتها موتات!» [6].

وأما سلوكه ﷺ في رحمة الحيوانات فمن أمثلته ما ورد عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جملٌ، فلما رأى النبي ﷺ حَنَّ وذَرَفَت عيناه، فأتاه النبيُّ ﷺ فمسح ذِفْراه -أي ما بعد أذنيه- فسكتَ، فقال: “من ربُّ هذا الجملِ؟ لمن هذا الجملُ؟ ” فجاء فتًى من الأنصارِ، فقال: لي يا رسول الله، قال: أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمةِ التي مَلَّككَ اللهُ إياها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجِيعُه وتُدْئبه» [7]، ومن ذلك أمره واحدًا من الجنود أن يحرس كلبة ترضع أولادها وقد خافت عليهم من الجند؛ لئلا يتعرض أحد من الجيش بالأذى لها ولا لأولادها [8]. ومن ذلك رحمته بطائر أخذ الصحابة فرخيه، فقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَمَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ فِيهَا فَرْخَا حُمَّرَةٍ فَأَخَذْنَاهُمَا، قَالَ: فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ تَصِيحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِفَرْخَيْهَا؟ قَالَ: فَقُلْنَا: نَحْنُ. قَالَ: فَرُدُّوهُمَا» [9].

  • وأما رحمته ﷺ بالجمادات فنكتفي من ذلك بحادثة حنين الجذع المشهورة، حيث كان النبي ﷺ يقوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالتْ امرأةٌ مِنَ الأنصار أو رجل: يا رسولَ اللهِ ألا نجعل لك منبراً؟ قال: «إِنْ شِئْتُمْ. فجعلوا له منبراً، فلمَّا كان يوم الجمعة دُفِعَ إلى المنبر، فصاحت النخلةُ صياح الصبيِّ، ثم نزل النَّبيّ ﷺ فضمَّها إليه تئن أنين الصبيِّ الذي يُسَكَّن» [10]. فانظر إلى جذع مقطوع كيف أنَّ وبكى، وصاح واشتكى، لفراق حبيبه ﷺ! حتى رحمه حبيبه ﷺ وعاد إليه ورطَّب خاطره حتى هدأ! 

________________________________

[1] حديث النهي عن التحريش بين البهائم أخرجه الترمذي في سننه (الجامع الصحيح)، كتاب الجهاد، باب ما جاء في كراهية التحريش، رقم 1708، وأبو داود في السنن، كتاب الجهاد، باب في التحريش بين البهائم، رقم 2562.

[2] حديث النهي عن اتخاذ شيء فيه الروح غرضًا أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، رقم 1956.

[3] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، حديث رقم 1955.

[4] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث رقم 2365. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها، حديث رقم 2242.

[5] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث رقم 2363. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، حديث رقم 2244.

[6] المعجم الكبير للطبراني، من حديث عكرمة عن ابن عباس، رقم 11916، 11/ 333، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، كتاب الأضاحي، رقم 7563، 4/ 257، وقال صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

[7] السنن لأبي داود، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الداوب والبهائم، رقم 2549.

[8] المقريزي، إمتاع الأسماع، 1/ 355.

[9] المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، كتاب الذبائح، رقم 7599، 4/ 267، وقال صحيح. ووافقه الذهبي.

[10] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم 3584.

سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الثالثة| خلق الرحمة| الرحمة بالنساء والأيتام| الشيخ محمد قيلش

بسم الله الرحمن الرحيم

 

  • رحمته ﷺ بالنساء:    

أوصى النبي ﷺ بمعاملة النساء بالحسنى، وأرشد الرجال إلى الرفق بالمرأة سواء أكانت أمًّا أم أختًا أم بنتًا أم زوجة. فمن ذلك قوله ﷺ «خيرُكم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» [1]، ومنه قوله ﷺ «استوصوا بالنساء خيرًا» [2]

وقد جعل ﷺ للأمِّ الأولويَّة بالمعروف والبر والمصاحبة المقرونة بلين الجانب وطيب الخلُق وحُسْن التعامل، وذلك كما في الحديث المشهور أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، مَن أحقُّ الناس بحُسن صحابتي؟ قال: أمُّك قال: ثم مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَن؟ قال: أبوك» [3]. كما بشَّر الرجال بأن رحمة الأخوات والبنات وحُسْنَ معاملتهنَّ سببٌ لدخول الجنة في أحاديثَ كثيرةٍ، منها قوله ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، فَصَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهِنَّ وَضَرَّائِهِنَّ وَسَرَّائِهِنَّ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُنَّ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ ثِنْتَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَوِ اثِنْتَانِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ وَاحِدَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَوْ وَاحِدَةٌ» [4]، ومنها قوله ﷺ:«مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الجَنَّةُ» [5].

وقد بلغ من عظيم رحمته ﷺ بالنساء في سلوكه أنه كان يخفِّف في أحبِّ شيء إليه ﷺ -وهو الصلاة- من أجل رحمته بالأم، فقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوِّل فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي؛ كراهيةَ أن أشقَّ على أمِّه» [6].

  • رحمته ﷺ بالأيتام والصبيان: 

تجلت بإرشاده ﷺ إلى كفالة اليتيم والإحسان إليه والرحمة به، وبشَّر من كان كذلك بصحبته في الجنة فقال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» [7] وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى ﷺ. وكفالةُ اليتيم هي القيام بمصالحه وتولِّي أموره [8]، وهي تفارق مجرَّدَ الإنفاق على اليتيم الذي مدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177]، فالكفالة تكون بأن يضمَّ الكافلُ اليتيمَ إلى عياله، فيعامله كمعاملة أبنائه. 

وأما رحمته ﷺ بالصبيان فقد ظهرت بتحذيره الشديد من عدم رحمتهم بقوله: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» [9].

ولم تقتصر رحمته ﷺ على الضعفاء بل تعدَّت ذلك إلى الشباب الذين يتجلَّدون في الغربة لطلب العلم، مع معاناتهم الناشئة عن الشوق إلى أهليهم، فقد ورد عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: «أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا، أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ… الحديث» [10]، فبعد أن علَّمهم ﷺ ما يكفيهم، ورأى منهم علامات الشوق إلى أهلهم رحمهم وأمرهم بالعودة إليهم وتعليمهم.

وهكذا نجد أن رسول الله ﷺ قد عمَّتْ رحمتُه بني الإنسان جميعًا، وخصوصًا منهم الضعفاء. 

_______________________________________

[1] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبي ﷺ، رقم 3895، وقال حسن غريب صحيح.

[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، حديث رقم 5186. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، حديث رقم 1468.

[3] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، حديث رقم 5971. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، حديث رقم 2548.

[4] مسند الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي هريرة، حديث رقم 8425. والحديث حسن لغيره.

[5] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب أبواب البر والصلة، باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات، رقم 1916، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[6] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب صلاة الجماعة والإمامة، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، حديث رقم 707.

[7] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما، حديث رقم 6005.

[8] انظر عمدة القاري للعيني، 22/ 104. 

[9] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب أبواب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان، رقم 1916.

[10] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، حديث رقم 6008. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث رقم 674.

سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الثانية| خلق الرحمة- 2 الرحمة بالمؤمن والكافر| الشيخ محمد قيلش 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أعلن النبي ﷺ في الحديث المشهور المسلسل بالأوليَّة أن رحمة الله إنما تنال الراحمين، فقال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [1]، كما بيَّن أن الرحمة إنما تخصُّ الراحمين من الناس، فقال: «من لا يَرحم لا يُرحم» [2]. وقد كان ﷺ القدوة والأسوة في هذا الخلق العظيم، فشملت رحمته ﷺ كلَّ الكائنات، وتجلَّت في مظاهر عديدة، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. 

فأمَّا رحمته بالإنسان فقد ظهرت في رحمته ﷺ بالمؤمن والكافر، والعاصي والمطيع، والصغير والكبير، والنساء والرجال. 

رحمته ﷺ بعموم المؤمنين والمؤمنات: أثنى الله تبارك وتعالى على نبيه ﷺ في معرض امتنانه على المؤمنين فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، (أي يشقُّ عليه ضرركم، وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقِّكم) [3].

فمن مظاهر رحمته ﷺ بالمؤمنين ورغبته في إيصال الخير لهم في الآخرة ما رواه عبدُ اللَّهِ بن عَمرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَولَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبرَاهِيمَ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثِيرًا مِن النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي…﴾ الآيَةَ [إبراهيم:36]، وَقَالَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام: ﴿إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي. وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبرِيلُ اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ – وَرَبُّكَ أَعلَمُ – فَسَلهُ مَا يُبكِيكَ. فَأَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبرِيلُ اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُل: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُك» [4].

ومن مظاهر رحمته ﷺ بالمؤمنين ورغبته في إيصال الخير لهم في الدنيا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أَوْلَى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إنْ شِئْتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]، فأيُّما مؤمن مات وترك مالاً فليرثه عصبته مَن كانوا، ومن ترك دينًا أو ضَيَاعًا – أي: أولادًا فقراء – فليأتني فأنا مولاه» [5].

وأما رحمته ﷺ بالكفار: فقد ظهرت بحرصه ﷺ على هدايتهم وإنقاذهم من النار، وقد بلغ من رحمته ﷺ أن كادت نفسُه تتلَف حسرةً وأسفًا عليهم إن لم يؤمنوا، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:6]، ويقول تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8]. 

ومن أمثلة حرصه ﷺ على هدايتهم رحمة بهم ما ورد عن أنسٍ رضِي اللّه عنه قال: «كان غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» [6].

_______________________________

[1] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، رقم 1924، وقال حسن صحيح، والسنن لأبي داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة، رقم 4941.

[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله، حديث رقم5779. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال، حديث رقم2318.

[3] الرازي، التفسير الكبير، 16/ 177.

[4] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي ﷺ لأمته، وبكائه شفقة عليهم، حديث رقم 346.

[5] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ من ترك مالا فلأهله، حديث رقم 6350. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالا فلورثته، حديث رقم 1619.

[6] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام، حديث رقم 1290.

‏‏سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الأولى| خلق الرحمة| الشيخ محمد قيلش

بسم الله الرحمن الرحيم

1 – لماذا نحتاج إلى التعرف إلى أخلاق النبي ﷺ

كلُّ إنسان عاقل عمومًا، وكل مؤمن خصوصًا يحتاج إلى التعرُّف إلى أخلاق النبيِّ ﷺ. 

أمَّا أن كلَّ إنسان عاقل يحتاج إلى التعرُّف إلى أخلاق النبي ﷺ فلأن َّالعقلاء يتطلَّعون إلى التفوُّق والترقِّي في الكمالات في شتى المجالات؛ لأن نفوسهم مولَعةٌ بالإتقان والجمال والكمال، وذلك يتطلَّب منهم أن يتعرَّفوا على أهل الكمال؛ ليستفيدوا من تجاربهم، ويقتدوا بهم في تفاعلهم مع المستجدات المشابهة. ونبيُّنا ﷺ قد حاز الكمالات من أطرافها باعتراف كثير من الفلاسفة والمفكرين في العالم على مر السنين. ومَن طالع سيرته ﷺ علم أنه تفاعل مع كلِّ الظروف على أتمِّ وجه وأحسنِه. 

  • وأمَّا أن كلَّ مؤمن يحتاج إلى ذلك فإضافة إلى ما مرَّ ذِكْره يوجد بواعث كثيرة، من أهمها ثلاثة: 
  • الأول: أنَّ غاية كل مؤمن أن يكون مرضيًا عند ربه سبحانه، ومحبوبًا لديه تعالى، وقد بيَّن لنا ربنا أن وصولنا إلى مقام المحبوبية منه سبحانه لا يكون إلا من طريق اتِّباع نبيه ﷺ، فقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]، والاتِّباع يقتضي المعرفةَ بتفاصيل شمائله الحميدة وخصاله المجيدة ﷺ. كما بيَّن لنا سبحانه أن مَن يريد الفلاح والنجاح فعليه بالاقتداء برسوله ﷺ، فقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]، ولا يكون الاقتداء إلا بعد التعرُّف على أخلاقه ﷺ.
  • الثاني: أن النبي ﷺ أخبرنا أن كمال الإيمان لا يكون حتى تكمل محبته ﷺ في قلوبنا، فقال: «لا يؤمِن أحدُكُم حتى أكون أحبَّ إليه مِن والدِه وولده والناس أجمعين» [1]

وإذا كانت جوالبُ المحبة ثلاثة: جمال وكمال ونوال فقد حاز النبي ﷺ قصب السبق في هذه الثلاثة كلِّها؛ فهو عليه الصلاة والسلام أكملُ الخلق خَلْقًا وخُلُقًا، وقد أثنى الله سبحانه على نبيه بالخلق العظيم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [ن: 4]. فالتعرف على كمالات أخلاقه ﷺ يثمر محبتَه، ومحبتُه تؤثِّر في أوصافنا وطباعنا البشرية بحيث تصير موافقة لأخلاقه صلوات ربنا وسلاماته عليه.

  • الثالث: أن حَمْل النفوس على التحلِّي بمحاسن الأخلاق والتخلِّي عن مساويها صعب شديد يحتاج إلى همةٍ عالية وحزمٍ وعزمٍ ومجاهدةٍ، إلا إن وجدت محبوبها متحليًا بتلك الكمالات؛ وذلك لأن أسهل طريقٍ وأقصرَه إلى الاتِّباع والاقتداء إنما هو المحبةُ الصادقة التي تؤثِّر في أخلاق المحبِّ، فتصيِّرها قريبة من أخلاق المحبوب بسهولةٍ وعدم معاناةِِ أو تَكلُّفِِ، فترى المحبَّ الصادق تتبدَّل طباعه وتتغيَّر سجاياه بحسب صفات محبوبه.

وننظر في حديث سيدنا أنس رضي الله عنه فنرى مثالًا واضحًا جليًّا على عظم تأثير المحبة في تغيُّر الطِّباع البشرية؛ فقد ورد في الحديث «أن خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ» [2]. فسبحان الله! كيف أثَّرت محبَّة أنس رضي الله عنه في طبعه فصار يحبُّ ما يحب محبوبُه ﷺ. 

وننظر أيضًا في حديث سيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه فنرى صورةً ناصعةً تمثلُ أثرَ المحبَّةِ في تغيُّر الطباع، وذلك عندما حلَّ النبي ﷺ في بيت أبي أيوب عند وصوله إلى المدينة المنورة، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّفْلِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ، فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً، فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! فَتَنَحَّوْا، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ ذكر ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «السُّفْلُ أَرْفَقُ، فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ، فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ، وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، قَالَ أبو أيوب: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ أَوْ مَا كَرِهْتَ» [3]. فانظر كيف تبدَّل طبعُ أبي أيوب رضي الله عنه، فصار يكره الثوم مباشرة بعد علمه بكراهة حبيبه ﷺ له!

________________________________________

[1] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، حديث رقم 1960. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الأشربة، باب إباحة أكل الثوم، حديث رقم 3835.

[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب البيوع، باب ذكر الخياط، حديث رقم 1960.

[3] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الأشربة، باب إباحة أكل الثوم، حديث رقم 3835.

المقالة الخامسة من سلسلة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد قيلش – خلق الصبر

يقدم لنا فضيلة الشيخ رسماً مفصلاً لأجمل وأهم ما اتصف به رسولنا صلى الله عليه وسلم من الخلق الحميد، مستخرجاً القصص والأمثلة من سيرته العطرة المليئة بالمواقف التربوية والإرشادات الملهمة التي وجب علينا اتباعها، حتى يكون اقتداءنا به اقتداء حسناً دقيقاً نافعاً، اقتداء قول وعمل.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

استجاب النبي ﷺ لأمر ربه سبحانه {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: ۳٥]، فحاز قصب السبق في الصبر على أمهات البلايا وعظائمها؛ فعلى صعيد فَقْدِ الأهل فإنه ﷺ صبر على وفاةِ أحبِّ الناس إليه في عام واحد، وهما: عمه أبو طالب والسيدة خديجة زوجته ﷺ، وعلى صعيد فَقْدِ الولد فإنه ﷺ كان كلما ولد له ولدٌ ذَكَر لا يلبث بعد مدَّة قصيرة أن يموت، فصبر، وتوفيت كل بناته في حياته ﷺ إلا فاطمة رضي الله عنها فصبر. وعلى صعيد ظلم ذوي القربى وأذى العشيرة عاداه بنو عمومته وأخوالُه وجيرانه وأهل بلده وآذوه وظلموه حتى اضطروه إلى مفارقة بلده ووطنه وأحبِّ البقاع إليه ﷺ فصبر. وعلى صعيد الجوع بسبب حصار عشيرته له فإنه قد مرَّ عليه ﷺ ثلاث سنين لا يجد هو ومن يناصره في شعب أبي طالب ما يأكلونه حتى أكلوا أوراق الأشجار ثم أغصانها، فصبر، ثم الجوع وقلة الطعام في المدينة حتى كان يمر عليه ﷺ الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقَد في بيت من بيوته ﷺ نار، فكان طعامه التمر والماء، وحتى ربط على بطنه الشريف حجرين يوم الخندق من شدة الجوع فصبر. وعلى صعيد ضياع المال والأملاك فقد استولى عقيل ابن عمه أبي طالب على داره بعد هجرته ﷺ فصبر [1]. وعلى صعيد أذية الناس له واتهامه في عِرْضِه الشريف ﷺ اتُّهِمت أحبُّ نسائه ﷺ إلى قلبه بالزنا، وتكلم المنافقون وبعض المؤمنين في ذلك، وزاد في مرارة البلية أن الوحي تلبَّث عنه في تلك المدة فلم يعرف حقيقةَ الأمر فصبر حتى نزلت آيات التبرئة للسيدة عائشة رضي الله عنها. وعلى صعيد الصبر في مجال الدعوة والأذى الذي ناله ﷺ فقد عانى ما عانى حتى سلَّط عليه الكفارُ صبيانَهم وسفهاءهم فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فصبر، وحتى تآمر الكفار عليه في مكة ثم اليهود في المدينة ليقتلوه فصبر، بل إنه ﷺ كان يتحمَّل فوق ذلك تَشَكِّي أصحابه رضي الله عنهم، ويرشدهم إلى الصبر [2].

فمن أصيب من المسلمين بمصيبة فلينظر سيرة سيد الخلق ﷺ يجد فيها أنه ﷺ ابتلي بأشد منها في جنسها ونوعها فصبر، وبذلك كان ﷺ الأسوة والقدوة للمؤمنين إلى قيام الساعة: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: ۲۱].

ولما كان عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء فإنَّ الله تعالى ادَّخر للصابرين عنده: بشارة، ومعية نصر وتأييد، وتوفية أجر من غير حساب، وختم ذلك بالمحبة. قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: ۱٥٥]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: ۱٥۳]، وقال تعالى: {إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: ۱٠]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ۱٤٦].

 

[1] حديث استيلاء عقيل على أملاك النبي ﷺ في مكة متفق عليه. انظر الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، حديث رقم 1523. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الحج، باب النزول بمكة للحاج وتوريث دورها، رقم 1351.
[2] عن خباب بن الأرت، قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم 3612.