سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الخامسة والأخيرة| خلق الصبر| الشيخ محمد قيلش

بسم الله الرحمن الرحيم

 

استجاب النبي ﷺ لأمر ربه سبحانه ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، فحاز قصب السبق في الصبر على أمهات البلايا وعظائمها؛ فعلى صعيد فَقْدِ الأهل فإنه ﷺ صبر على وفاةِ أحبِّ الناس إليه في عام واحد، وهما: عمه أبو طالب والسيدة خديجة زوجته ﷺ، وعلى صعيد فَقْدِ الولد فإنه ﷺ كان كلما ولد له ولدٌ ذَكَر لا يلبث بعد مدَّة قصيرة أن يموت، فصبر، وتوفيت كل بناته في حياته ﷺ إلا فاطمة رضي الله عنها فصبر. وعلى صعيد ظلم ذوي القربى وأذى العشيرة عاداه بنو عمومته وأخوالُه وجيرانه وأهل بلده وآذوه وظلموه حتى اضطروه إلى مفارقة بلده ووطنه وأحبِّ البقاع إليه ﷺ فصبر. وعلى صعيد الجوع بسبب حصار عشيرته له فإنه قد مرَّ عليه ﷺ ثلاث سنين لا يجد هو ومن يناصره في شعب أبي طالب ما يأكلونه حتى أكلوا أوراق الأشجار ثم أغصانها، فصبر، ثم الجوع وقلة الطعام في المدينة حتى كان يمر عليه ﷺ الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقَد في بيت من بيوته ﷺ نار، فكان طعامه التمر والماء، وحتى ربط على بطنه الشريف حجرين يوم الخندق من شدة الجوع فصبر. وعلى صعيد ضياع المال والأملاك فقد استولى عقيل ابن عمه أبي طالب على داره بعد هجرته ﷺ فصبر [1].

وعلى صعيد أذية الناس له واتهامه في عِرْضِه الشريف ﷺ اتُّهِمت أحبُّ نسائه ﷺ إلى قلبه بالزنا، وتكلم المنافقون وبعض المؤمنين في ذلك، وزاد في مرارة البلية أن الوحي تلبَّث عنه في تلك المدة فلم يعرف حقيقةَ الأمر فصبر حتى نزلت آيات التبرئة للسيدة عائشة رضي الله عنها. وعلى صعيد الصبر في مجال الدعوة والأذى الذي ناله ﷺ فقد عانى ما عانى حتى سلَّط عليه الكفارُ صبيانَهم وسفهاءهم فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فصبر، وحتى تآمر الكفار عليه في مكة ثم اليهود في المدينة ليقتلوه فصبر، بل إنه ﷺ كان يتحمَّل فوق ذلك تَشَكِّي أصحابه رضي الله عنهم، ويرشدهم إلى الصبر [2].

فمن أصيب من المسلمين بمصيبة فلينظر سيرة سيد الخلق ﷺ يجد فيها أنه ﷺ ابتلي بأشد منها في جنسها ونوعها فصبر، وبذلك كان ﷺ الأسوة والقدوة للمؤمنين إلى قيام الساعة. ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]. 

ولما كان عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء فإنَّ الله تعالى ادَّخر للصابرين عنده: بشارة، ومعية نصر وتأييد، وتوفية أجر من غير حساب، وختم ذلك بالمحبة. قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]. 

_______________________________

[1] حديث استيلاء عقيل على أملاك النبي في مكة متفق عليه. انظر الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، حديث رقم 1523. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الحج، باب النزول بمكة للحاج وتوريث دورها، رقم 1351.

[1] عن خباب بن الأرت، قال: (شكونا إلى رسول الله ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم 3612. 

سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الرابعة| خلق الرحمة – 4 الرحمة بالحيوان والجماد| الشيخ محمد قيلش

بسم الله الرحمن الرحيم

  • رحمته ﷺ بالحيوان:  

ورد فيها أحاديث كثيرة تدل على عظيم رحمته ﷺ إرشادًا وسلوكًا منه ﷺ. 

فمن إرشاده ﷺ نهيُه عن التحريش بين الحيوانات، وتهييج بعضها على بعض لتقتتل فيما بينها [1]. ومنه نهيه أن يُتَّخَذ شيءٌ من الحيوانات غرضًا للرماية بالسهام عند إرادة تعلم الرمي [2].

ومنه إرشاده ﷺ إلى الإحسان في ذبح البهائم عند إرادة أكلها بقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [3].

ومنه تحذيره من أذية الحيوانات بقوله ﷺ: «عُذِّبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» [4].

ومنه ترغيبه ﷺ بالإحسان إلى الحيوانات ورحمتها بقوله: «بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرًا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب؛ فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر» [5]، ومنه إرشاده ﷺ إلى إخفاء السكين عن عين الذبيحة عند إرادة ذبحها؛ رحمةً بها، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صَفْحَة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها فقال: أفلا قبل هذا! أو تريد أن تميتها موتات!» [6].

وأما سلوكه ﷺ في رحمة الحيوانات فمن أمثلته ما ورد عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جملٌ، فلما رأى النبي ﷺ حَنَّ وذَرَفَت عيناه، فأتاه النبيُّ ﷺ فمسح ذِفْراه -أي ما بعد أذنيه- فسكتَ، فقال: “من ربُّ هذا الجملِ؟ لمن هذا الجملُ؟ ” فجاء فتًى من الأنصارِ، فقال: لي يا رسول الله، قال: أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمةِ التي مَلَّككَ اللهُ إياها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجِيعُه وتُدْئبه» [7]، ومن ذلك أمره واحدًا من الجنود أن يحرس كلبة ترضع أولادها وقد خافت عليهم من الجند؛ لئلا يتعرض أحد من الجيش بالأذى لها ولا لأولادها [8]. ومن ذلك رحمته بطائر أخذ الصحابة فرخيه، فقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَمَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ فِيهَا فَرْخَا حُمَّرَةٍ فَأَخَذْنَاهُمَا، قَالَ: فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ تَصِيحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِفَرْخَيْهَا؟ قَالَ: فَقُلْنَا: نَحْنُ. قَالَ: فَرُدُّوهُمَا» [9].

  • وأما رحمته ﷺ بالجمادات فنكتفي من ذلك بحادثة حنين الجذع المشهورة، حيث كان النبي ﷺ يقوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالتْ امرأةٌ مِنَ الأنصار أو رجل: يا رسولَ اللهِ ألا نجعل لك منبراً؟ قال: «إِنْ شِئْتُمْ. فجعلوا له منبراً، فلمَّا كان يوم الجمعة دُفِعَ إلى المنبر، فصاحت النخلةُ صياح الصبيِّ، ثم نزل النَّبيّ ﷺ فضمَّها إليه تئن أنين الصبيِّ الذي يُسَكَّن» [10]. فانظر إلى جذع مقطوع كيف أنَّ وبكى، وصاح واشتكى، لفراق حبيبه ﷺ! حتى رحمه حبيبه ﷺ وعاد إليه ورطَّب خاطره حتى هدأ! 

________________________________

[1] حديث النهي عن التحريش بين البهائم أخرجه الترمذي في سننه (الجامع الصحيح)، كتاب الجهاد، باب ما جاء في كراهية التحريش، رقم 1708، وأبو داود في السنن، كتاب الجهاد، باب في التحريش بين البهائم، رقم 2562.

[2] حديث النهي عن اتخاذ شيء فيه الروح غرضًا أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، رقم 1956.

[3] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، حديث رقم 1955.

[4] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث رقم 2365. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها، حديث رقم 2242.

[5] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث رقم 2363. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، حديث رقم 2244.

[6] المعجم الكبير للطبراني، من حديث عكرمة عن ابن عباس، رقم 11916، 11/ 333، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، كتاب الأضاحي، رقم 7563، 4/ 257، وقال صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

[7] السنن لأبي داود، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الداوب والبهائم، رقم 2549.

[8] المقريزي، إمتاع الأسماع، 1/ 355.

[9] المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، كتاب الذبائح، رقم 7599، 4/ 267، وقال صحيح. ووافقه الذهبي.

[10] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم 3584.

سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الثالثة| خلق الرحمة| الرحمة بالنساء والأيتام| الشيخ محمد قيلش

بسم الله الرحمن الرحيم

 

  • رحمته ﷺ بالنساء:    

أوصى النبي ﷺ بمعاملة النساء بالحسنى، وأرشد الرجال إلى الرفق بالمرأة سواء أكانت أمًّا أم أختًا أم بنتًا أم زوجة. فمن ذلك قوله ﷺ «خيرُكم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» [1]، ومنه قوله ﷺ «استوصوا بالنساء خيرًا» [2]

وقد جعل ﷺ للأمِّ الأولويَّة بالمعروف والبر والمصاحبة المقرونة بلين الجانب وطيب الخلُق وحُسْن التعامل، وذلك كما في الحديث المشهور أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، مَن أحقُّ الناس بحُسن صحابتي؟ قال: أمُّك قال: ثم مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَن؟ قال: أبوك» [3]. كما بشَّر الرجال بأن رحمة الأخوات والبنات وحُسْنَ معاملتهنَّ سببٌ لدخول الجنة في أحاديثَ كثيرةٍ، منها قوله ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، فَصَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهِنَّ وَضَرَّائِهِنَّ وَسَرَّائِهِنَّ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُنَّ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ ثِنْتَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَوِ اثِنْتَانِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ وَاحِدَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَوْ وَاحِدَةٌ» [4]، ومنها قوله ﷺ:«مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الجَنَّةُ» [5].

وقد بلغ من عظيم رحمته ﷺ بالنساء في سلوكه أنه كان يخفِّف في أحبِّ شيء إليه ﷺ -وهو الصلاة- من أجل رحمته بالأم، فقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوِّل فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي؛ كراهيةَ أن أشقَّ على أمِّه» [6].

  • رحمته ﷺ بالأيتام والصبيان: 

تجلت بإرشاده ﷺ إلى كفالة اليتيم والإحسان إليه والرحمة به، وبشَّر من كان كذلك بصحبته في الجنة فقال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» [7] وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى ﷺ. وكفالةُ اليتيم هي القيام بمصالحه وتولِّي أموره [8]، وهي تفارق مجرَّدَ الإنفاق على اليتيم الذي مدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177]، فالكفالة تكون بأن يضمَّ الكافلُ اليتيمَ إلى عياله، فيعامله كمعاملة أبنائه. 

وأما رحمته ﷺ بالصبيان فقد ظهرت بتحذيره الشديد من عدم رحمتهم بقوله: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» [9].

ولم تقتصر رحمته ﷺ على الضعفاء بل تعدَّت ذلك إلى الشباب الذين يتجلَّدون في الغربة لطلب العلم، مع معاناتهم الناشئة عن الشوق إلى أهليهم، فقد ورد عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: «أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا، أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ… الحديث» [10]، فبعد أن علَّمهم ﷺ ما يكفيهم، ورأى منهم علامات الشوق إلى أهلهم رحمهم وأمرهم بالعودة إليهم وتعليمهم.

وهكذا نجد أن رسول الله ﷺ قد عمَّتْ رحمتُه بني الإنسان جميعًا، وخصوصًا منهم الضعفاء. 

_______________________________________

[1] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبي ﷺ، رقم 3895، وقال حسن غريب صحيح.

[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، حديث رقم 5186. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، حديث رقم 1468.

[3] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، حديث رقم 5971. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، حديث رقم 2548.

[4] مسند الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي هريرة، حديث رقم 8425. والحديث حسن لغيره.

[5] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب أبواب البر والصلة، باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات، رقم 1916، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[6] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب صلاة الجماعة والإمامة، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، حديث رقم 707.

[7] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما، حديث رقم 6005.

[8] انظر عمدة القاري للعيني، 22/ 104. 

[9] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب أبواب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان، رقم 1916.

[10] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، حديث رقم 6008. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث رقم 674.

سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الثانية| خلق الرحمة- 2 الرحمة بالمؤمن والكافر| الشيخ محمد قيلش 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أعلن النبي ﷺ في الحديث المشهور المسلسل بالأوليَّة أن رحمة الله إنما تنال الراحمين، فقال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [1]، كما بيَّن أن الرحمة إنما تخصُّ الراحمين من الناس، فقال: «من لا يَرحم لا يُرحم» [2]. وقد كان ﷺ القدوة والأسوة في هذا الخلق العظيم، فشملت رحمته ﷺ كلَّ الكائنات، وتجلَّت في مظاهر عديدة، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. 

فأمَّا رحمته بالإنسان فقد ظهرت في رحمته ﷺ بالمؤمن والكافر، والعاصي والمطيع، والصغير والكبير، والنساء والرجال. 

رحمته ﷺ بعموم المؤمنين والمؤمنات: أثنى الله تبارك وتعالى على نبيه ﷺ في معرض امتنانه على المؤمنين فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، (أي يشقُّ عليه ضرركم، وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقِّكم) [3].

فمن مظاهر رحمته ﷺ بالمؤمنين ورغبته في إيصال الخير لهم في الآخرة ما رواه عبدُ اللَّهِ بن عَمرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَولَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبرَاهِيمَ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثِيرًا مِن النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي…﴾ الآيَةَ [إبراهيم:36]، وَقَالَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام: ﴿إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي. وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبرِيلُ اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ – وَرَبُّكَ أَعلَمُ – فَسَلهُ مَا يُبكِيكَ. فَأَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبرِيلُ اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُل: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُك» [4].

ومن مظاهر رحمته ﷺ بالمؤمنين ورغبته في إيصال الخير لهم في الدنيا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أَوْلَى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إنْ شِئْتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]، فأيُّما مؤمن مات وترك مالاً فليرثه عصبته مَن كانوا، ومن ترك دينًا أو ضَيَاعًا – أي: أولادًا فقراء – فليأتني فأنا مولاه» [5].

وأما رحمته ﷺ بالكفار: فقد ظهرت بحرصه ﷺ على هدايتهم وإنقاذهم من النار، وقد بلغ من رحمته ﷺ أن كادت نفسُه تتلَف حسرةً وأسفًا عليهم إن لم يؤمنوا، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:6]، ويقول تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8]. 

ومن أمثلة حرصه ﷺ على هدايتهم رحمة بهم ما ورد عن أنسٍ رضِي اللّه عنه قال: «كان غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» [6].

_______________________________

[1] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، رقم 1924، وقال حسن صحيح، والسنن لأبي داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة، رقم 4941.

[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله، حديث رقم5779. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال، حديث رقم2318.

[3] الرازي، التفسير الكبير، 16/ 177.

[4] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي ﷺ لأمته، وبكائه شفقة عليهم، حديث رقم 346.

[5] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ من ترك مالا فلأهله، حديث رقم 6350. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالا فلورثته، حديث رقم 1619.

[6] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام، حديث رقم 1290.

‏‏سلسلة أخلاق النبي ﷺ| المقالة الأولى| خلق الرحمة| الشيخ محمد قيلش

بسم الله الرحمن الرحيم

1 – لماذا نحتاج إلى التعرف إلى أخلاق النبي ﷺ

كلُّ إنسان عاقل عمومًا، وكل مؤمن خصوصًا يحتاج إلى التعرُّف إلى أخلاق النبيِّ ﷺ. 

أمَّا أن كلَّ إنسان عاقل يحتاج إلى التعرُّف إلى أخلاق النبي ﷺ فلأن َّالعقلاء يتطلَّعون إلى التفوُّق والترقِّي في الكمالات في شتى المجالات؛ لأن نفوسهم مولَعةٌ بالإتقان والجمال والكمال، وذلك يتطلَّب منهم أن يتعرَّفوا على أهل الكمال؛ ليستفيدوا من تجاربهم، ويقتدوا بهم في تفاعلهم مع المستجدات المشابهة. ونبيُّنا ﷺ قد حاز الكمالات من أطرافها باعتراف كثير من الفلاسفة والمفكرين في العالم على مر السنين. ومَن طالع سيرته ﷺ علم أنه تفاعل مع كلِّ الظروف على أتمِّ وجه وأحسنِه. 

  • وأمَّا أن كلَّ مؤمن يحتاج إلى ذلك فإضافة إلى ما مرَّ ذِكْره يوجد بواعث كثيرة، من أهمها ثلاثة: 
  • الأول: أنَّ غاية كل مؤمن أن يكون مرضيًا عند ربه سبحانه، ومحبوبًا لديه تعالى، وقد بيَّن لنا ربنا أن وصولنا إلى مقام المحبوبية منه سبحانه لا يكون إلا من طريق اتِّباع نبيه ﷺ، فقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]، والاتِّباع يقتضي المعرفةَ بتفاصيل شمائله الحميدة وخصاله المجيدة ﷺ. كما بيَّن لنا سبحانه أن مَن يريد الفلاح والنجاح فعليه بالاقتداء برسوله ﷺ، فقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]، ولا يكون الاقتداء إلا بعد التعرُّف على أخلاقه ﷺ.
  • الثاني: أن النبي ﷺ أخبرنا أن كمال الإيمان لا يكون حتى تكمل محبته ﷺ في قلوبنا، فقال: «لا يؤمِن أحدُكُم حتى أكون أحبَّ إليه مِن والدِه وولده والناس أجمعين» [1]

وإذا كانت جوالبُ المحبة ثلاثة: جمال وكمال ونوال فقد حاز النبي ﷺ قصب السبق في هذه الثلاثة كلِّها؛ فهو عليه الصلاة والسلام أكملُ الخلق خَلْقًا وخُلُقًا، وقد أثنى الله سبحانه على نبيه بالخلق العظيم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [ن: 4]. فالتعرف على كمالات أخلاقه ﷺ يثمر محبتَه، ومحبتُه تؤثِّر في أوصافنا وطباعنا البشرية بحيث تصير موافقة لأخلاقه صلوات ربنا وسلاماته عليه.

  • الثالث: أن حَمْل النفوس على التحلِّي بمحاسن الأخلاق والتخلِّي عن مساويها صعب شديد يحتاج إلى همةٍ عالية وحزمٍ وعزمٍ ومجاهدةٍ، إلا إن وجدت محبوبها متحليًا بتلك الكمالات؛ وذلك لأن أسهل طريقٍ وأقصرَه إلى الاتِّباع والاقتداء إنما هو المحبةُ الصادقة التي تؤثِّر في أخلاق المحبِّ، فتصيِّرها قريبة من أخلاق المحبوب بسهولةٍ وعدم معاناةِِ أو تَكلُّفِِ، فترى المحبَّ الصادق تتبدَّل طباعه وتتغيَّر سجاياه بحسب صفات محبوبه.

وننظر في حديث سيدنا أنس رضي الله عنه فنرى مثالًا واضحًا جليًّا على عظم تأثير المحبة في تغيُّر الطِّباع البشرية؛ فقد ورد في الحديث «أن خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ» [2]. فسبحان الله! كيف أثَّرت محبَّة أنس رضي الله عنه في طبعه فصار يحبُّ ما يحب محبوبُه ﷺ. 

وننظر أيضًا في حديث سيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه فنرى صورةً ناصعةً تمثلُ أثرَ المحبَّةِ في تغيُّر الطباع، وذلك عندما حلَّ النبي ﷺ في بيت أبي أيوب عند وصوله إلى المدينة المنورة، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّفْلِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ، فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً، فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! فَتَنَحَّوْا، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ ذكر ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «السُّفْلُ أَرْفَقُ، فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ، فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ، وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، قَالَ أبو أيوب: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ أَوْ مَا كَرِهْتَ» [3]. فانظر كيف تبدَّل طبعُ أبي أيوب رضي الله عنه، فصار يكره الثوم مباشرة بعد علمه بكراهة حبيبه ﷺ له!

________________________________________

[1] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، حديث رقم 1960. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الأشربة، باب إباحة أكل الثوم، حديث رقم 3835.

[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب البيوع، باب ذكر الخياط، حديث رقم 1960.

[3] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الأشربة، باب إباحة أكل الثوم، حديث رقم 3835.

المقالة الخامسة من سلسلة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد قيلش – خلق الصبر

يقدم لنا فضيلة الشيخ رسماً مفصلاً لأجمل وأهم ما اتصف به رسولنا صلى الله عليه وسلم من الخلق الحميد، مستخرجاً القصص والأمثلة من سيرته العطرة المليئة بالمواقف التربوية والإرشادات الملهمة التي وجب علينا اتباعها، حتى يكون اقتداءنا به اقتداء حسناً دقيقاً نافعاً، اقتداء قول وعمل.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

استجاب النبي ﷺ لأمر ربه سبحانه {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: ۳٥]، فحاز قصب السبق في الصبر على أمهات البلايا وعظائمها؛ فعلى صعيد فَقْدِ الأهل فإنه ﷺ صبر على وفاةِ أحبِّ الناس إليه في عام واحد، وهما: عمه أبو طالب والسيدة خديجة زوجته ﷺ، وعلى صعيد فَقْدِ الولد فإنه ﷺ كان كلما ولد له ولدٌ ذَكَر لا يلبث بعد مدَّة قصيرة أن يموت، فصبر، وتوفيت كل بناته في حياته ﷺ إلا فاطمة رضي الله عنها فصبر. وعلى صعيد ظلم ذوي القربى وأذى العشيرة عاداه بنو عمومته وأخوالُه وجيرانه وأهل بلده وآذوه وظلموه حتى اضطروه إلى مفارقة بلده ووطنه وأحبِّ البقاع إليه ﷺ فصبر. وعلى صعيد الجوع بسبب حصار عشيرته له فإنه قد مرَّ عليه ﷺ ثلاث سنين لا يجد هو ومن يناصره في شعب أبي طالب ما يأكلونه حتى أكلوا أوراق الأشجار ثم أغصانها، فصبر، ثم الجوع وقلة الطعام في المدينة حتى كان يمر عليه ﷺ الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقَد في بيت من بيوته ﷺ نار، فكان طعامه التمر والماء، وحتى ربط على بطنه الشريف حجرين يوم الخندق من شدة الجوع فصبر. وعلى صعيد ضياع المال والأملاك فقد استولى عقيل ابن عمه أبي طالب على داره بعد هجرته ﷺ فصبر [1]. وعلى صعيد أذية الناس له واتهامه في عِرْضِه الشريف ﷺ اتُّهِمت أحبُّ نسائه ﷺ إلى قلبه بالزنا، وتكلم المنافقون وبعض المؤمنين في ذلك، وزاد في مرارة البلية أن الوحي تلبَّث عنه في تلك المدة فلم يعرف حقيقةَ الأمر فصبر حتى نزلت آيات التبرئة للسيدة عائشة رضي الله عنها. وعلى صعيد الصبر في مجال الدعوة والأذى الذي ناله ﷺ فقد عانى ما عانى حتى سلَّط عليه الكفارُ صبيانَهم وسفهاءهم فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فصبر، وحتى تآمر الكفار عليه في مكة ثم اليهود في المدينة ليقتلوه فصبر، بل إنه ﷺ كان يتحمَّل فوق ذلك تَشَكِّي أصحابه رضي الله عنهم، ويرشدهم إلى الصبر [2].

فمن أصيب من المسلمين بمصيبة فلينظر سيرة سيد الخلق ﷺ يجد فيها أنه ﷺ ابتلي بأشد منها في جنسها ونوعها فصبر، وبذلك كان ﷺ الأسوة والقدوة للمؤمنين إلى قيام الساعة: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: ۲۱].

ولما كان عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء فإنَّ الله تعالى ادَّخر للصابرين عنده: بشارة، ومعية نصر وتأييد، وتوفية أجر من غير حساب، وختم ذلك بالمحبة. قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: ۱٥٥]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: ۱٥۳]، وقال تعالى: {إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: ۱٠]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ۱٤٦].

 

[1] حديث استيلاء عقيل على أملاك النبي ﷺ في مكة متفق عليه. انظر الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، حديث رقم 1523. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الحج، باب النزول بمكة للحاج وتوريث دورها، رقم 1351.
[2] عن خباب بن الأرت، قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم 3612.

المقالة الرابعة من سلسلة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد قيلش – خلق الرحمة : ٤ الرحمة بالحيوان والجماد

يقدم لنا فضيلة الشيخ رسماً مفصلاً لأجمل وأهم ما اتصف به رسولنا صلى الله عليه وسلم من الخلق الحميد، مستخرجاً القصص والأمثلة من سيرته العطرة المليئة بالمواقف التربوية والإرشادات الملهمة التي وجب علينا اتباعها، حتى يكون اقتداءنا به اقتداء حسناً دقيقاً نافعاً، اقتداء قول وعمل.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رحمته ﷺ بالحيوان:

ورد فيها أحاديث كثيرة تدل على عظيم رحمته ﷺ إرشادًا وسلوكًا منه ﷺ.
فمن إرشاده ﷺ نهيُه عن التحريش بين الحيوانات، وتهييج بعضها على بعض لتقتتل فيما بينها [1]. ومنه نهيه أن يُتَّخَذ شيء من الحيوانات غرضًا للرماية بالسهام عند إرادة تعلم الرمي[2]. ومنه إرشاده ﷺ إلى الإحسان في ذبح البهائم عند إرادة أكلها بقوله ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) [3]. ومنه تحذيره من أذية الحيوانات بقوله ﷺ: (عُذِّبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) [4]. ومنه ترغيبه ﷺ بالإحسان إلى الحيوانات ورحمتها بقوله: (بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرًا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب؛ فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر) [5]. ومنه إرشاده ﷺ إلى إخفاء السكين عن عين الذبيحة عند إرادة ذبحها؛ رحمة بها، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صَفْحَة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها فقال: أفلا قبل هذا! أو تريد أن تميتها موتات!) [6].

وأما سلوكه ﷺ في رحمة الحيوانات فمن أمثلته ما ورد عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه (أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جملٌ، فلما رأى النبي ﷺ حَنَّ وذَرَفَت عيناه، فأتاه النبيُّ ﷺ فمسح ذِفْراه -أي ما بعد أذنيه- فسكتَ، فقال: “من ربُّ هذا الجملِ؟ لمن هذا الجملُ؟” فجاء فتًى من الأنصارِ، فقال: لي يا رسول الله، قال: أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمةِ التي مَلَّككَ اللهُ إياها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجِيعُه وتُدْئبه) [7]. ومن ذلك أمره واحدًا من الجنود أن يحرس كلبة ترضع أولادها وقد خافت عليهم من الجند؛ لئلا يتعرض أحد من الجيش بالأذى لها ولا لأولادها[8]. ومن ذلك رحمته بطائر أخذ الصحابة فرخيه، فقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَمَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ فِيهَا فَرْخَا حُمَّرَةٍ فَأَخَذْنَاهُمَا، قَالَ: فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ تَصِيحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِفَرْخَيْهَا؟ قَالَ: فَقُلْنَا: نَحْنُ. قَالَ: فَرُدُّوهُمَا) [9].

وأما رحمته ﷺ بالجمادات فنكتفي من ذلك بحادثة حنين الجذع المشهورة، حيث كان النبي ﷺ يقوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالتْ امرأةٌ مِنَ الأنصار أو رجل: يا رسولَ اللهِ ألا نجعل لك منبراً؟ قال: (إِنْ شِئْتُمْ. فجعلوا له منبراً، فلمَّا كان يوم الجمعة دُفِعَ إلى المنبر، فصاحت النخلةُ صياح الصبيِّ، ثم نزل النَّبيّ ﷺ فضمَّها إليه تئن أنين الصبيِّ الذي يُسَكَّن) [10]. فانظر إلى جذع مقطوع كيف أنَّ وبكى، وصاح واشتكى، لفراق حبيبه ﷺ! حتى رحمه حبيبه ﷺ وعاد إليه ورطَّب خاطره حتى هدأ!

 

[1] حديث النهي عن التحريش بين البهائم أخرجه الترمذي في سننه (الجامع الصحيح)، كتاب الجهاد، باب ما جاء في كراهية التحريش، رقم 1708، وأبو داود في السنن، كتاب الجهاد، باب في التحريش بين البهائم، رقم 2562.
[2] حديث النهي عن اتخاذ شيء فيه الروح غرضًا أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، رقم 1956.
[3] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، حديث رقم 1955.
[4] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث رقم 2365. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها، حديث رقم 2242.
[5] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث رقم 2363. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، حديث رقم 2244.
[6] المعجم الكبير للطبراني، من حديث عكرمة عن ابن عباس، رقم 11916، 11/333، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، كتاب الأضاحي، رقم 7563، 4/257، وقال صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.
[7] السنن لأبي داود، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الداوب والبهائم، رقم 2549.
[8] المقريزي، إمتاع الأسماع، 1/355.
[9] المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، كتاب الذبائح، رقم 7599، 4/267، وقال صحيح. ووافقه الذهبي.
[10]الجامع الصحيح للبخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم 3584.

المقالة الثالثة من سلسلة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد قيلش – خلق الرحمة: ۳ الرحمة بالنساء والأيتام

يقدم لنا فضيلة الشيخ رسماً مفصلاً لأجمل وأهم ما اتصف به رسولنا صلى الله عليه وسلم من الخلق الحميد، مستخرجاً القصص والأمثلة من سيرته العطرة المليئة بالمواقف التربوية والإرشادات الملهمة التي وجب علينا اتباعها، حتى يكون اقتداءنا به اقتداء حسناً دقيقاً نافعاً، اقتداء قول وعمل.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رحمته ﷺ بالنساء:
أوصى النبي ﷺ بمعاملة النساء بالحسنى، وأرشد الرجال إلى الرفق بالمرأة سواء أكانت أمًّا أم أختًا أم بنتًا أم زوجة. فمن ذلك قوله ﷺ (خيرُكم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) [1]، ومنه قوله ﷺ (استوصوا بالنساء خيرًا) [2].
وقد جعل ﷺ للأمِّ الأولويَّة بالمعروف والبر والمصاحبة المقرونة بلين الجانب وطيب الخلُق وحُسْن التعامل، وذلك كما في الحديث المشهور أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، مَن أحقُّ الناس بحُسن صحابتي؟ قال: أمُّك قال: ثم مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَن؟ قال: أبوك) [3]. كما بشَّر الرجال بأن رحمة الأخوات والبنات وحُسْنَ معاملتهنَّ سببٌ لدخول الجنة في أحاديثَ كثيرةٍ، منها قوله ﷺ: (مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، فَصَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهِنَّ وَضَرَّائِهِنَّ وَسَرَّائِهِنَّ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُنَّ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ ثِنْتَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَوِ اثِنْتَانِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ وَاحِدَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَوْ وَاحِدَةٌ) [4]، ومنها قوله ﷺ: (مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الجَنَّةُ) [5].
وقد بلغ من عظيم رحمته ﷺ بالنساء في سلوكه أنه كان يخفِّف في أحبِّ شيء إليه ﷺ -وهو الصلاة- من أجل رحمته بالأم، فقد ورد عنه ﷺ أنه قال: (إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوِّل فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي؛ كراهيةَ أن أشقَّ على أمِّه) [6].

رحمته ﷺ بالأيتام والصبيان:
تجلت بإرشاده ﷺ إلى كفالة اليتيم والإحسان إليه والرحمة به، وبشَّر من كان كذلك بصحبته في الجنة فقال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) [7] وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى ﷺ. وكفالةُ اليتيم هي القيام بمصالحه وتولِّي أموره [8]، وهي تفارق مجرَّدَ الإنفاق على اليتيم الذي مدحه الله تعالى بقوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: ۱٧٧]، فالكفالة تكون بأن يضمَّ الكافلُ اليتيمَ إلى عياله، فيعامله كمعاملة أبنائه.
وأما رحمته ﷺ بالصبيان فقد ظهرت بتحذيره الشديد من عدم رحمتهم بقوله: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا) [9].
ولم تقتصر رحمته ﷺ على الضعفاء بل تعدَّت ذلك إلى الشباب الذين يتجلَّدون في الغربة لطلب العلم، مع معاناتهم الناشئة عن الشوق إلى أهليهم، فقد ورد عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: (أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا، أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ … الحديث) [10] فبعد أن علَّمهم ﷺ ما يكفيهم، ورأى منهم علامات الشوق إلى أهلهم رحمهم وأمرهم بالعودة إليهم وتعليمهم.

وهكذا نجد أن رسول الله ﷺ قد عمَّتْ رحمتُه بني الإنسان جميعًا، وخصوصًا منهم الضعفاء.

 

[1] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبي ﷺ، رقم 3895، وقال حسن غريب صحيح.
[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، حديث رقم 5186. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، حديث رقم 1468.
[3] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، حديث رقم 5971. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، حديث رقم 2548.
[4] مسند الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي هريرة، حديث رقم 8425. والحديث حسن لغيره.
[5] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب أبواب البر والصلة، باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات، رقم 1916، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[6] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب صلاة الجماعة والإمامة، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، حديث رقم 707.
[7] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما، حديث رقم 6005.
[8] انظر عمدة القاري للعيني، 22/104.
[9] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب أبواب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان، رقم 1916.
[10] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، حديث رقم 6008. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث رقم 674.

المقالة الثانية من سلسلة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد قيلش – خلق الرحمة: ٢ الرحمة بالمؤمن والكافر

يقدم لنا فضيلة الشيخ رسماً مفصلاً لأجمل وأهم ما اتصف به رسولنا صلى الله عليه وسلم من الخلق الحميد، مستخرجاً القصص والأمثلة من سيرته العطرة المليئة بالمواقف التربوية والإرشادات الملهمة التي وجب علينا اتباعها، حتى يكون اقتداءنا به اقتداء حسناً دقيقاً نافعاً، اقتداء قول وعمل.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أعلن النبي ﷺ في الحديث المشهور المسلسل بالأوليَّة أن رحمة الله إنما تنال الراحمين، فقال: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) [1] كما بيَّن أن الرحمة إنما تخصُّ الراحمين من الناس، فقال: (من لا يَرحم لا يُرحم) [2]. وقد كان ﷺ القدوة والأسوة في هذا الخلق العظيم، فشملت رحمته ﷺ كلَّ الكائنات، وتجلَّت في مظاهر عديدة، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].
فأمَّا رحمته بالإنسان فقد ظهرت في رحمته ﷺ بالمؤمن والكافر، والعاصي والمطيع، والصغير والكبير، والنساء والرجال.
رحمته ﷺ بعموم المؤمنين والمؤمنات: أثنى الله تبارك وتعالى على نبيه ﷺ في معرض امتنانه على المؤمنين فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ۱۲۸]، أي يشقُّ عليه ضرركم، وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقِّكم [3]. فمن مظاهر رحمته ﷺ بالمؤمنين ورغبته في إيصال الخير لهم في الآخرة ما رواه عبدُ اللَّهِ بن عَمرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنه :أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَولَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبرَاهِيمَ {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثِيرًا مِن النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي…} الآيَةَ [إبراهيم: ٣٦] وَقَالَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام: {إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي. وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبرِيلُ اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ – وَرَبُّكَ أَعلَمُ – فَسَلهُ مَا يُبكِيكَ. فَأَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبرِيلُ اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُل: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُك) [4].
ومن مظاهر رحمته ﷺ بالمؤمنين ورغبته في إيصال الخير لهم في الدنيا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: (ما من مؤمن إلا وأنا أَوْلَى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إنْ شِئْتم: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: ٦]، فأيُّما مؤمن مات وترك مالاً فليرثه عصبته مَن كانوا، ومن ترك دينًا أو ضَيَاعًا – أي: أولادًا فقراء – فليأتني فأنا مولاه) [5].
وأما رحمته ﷺ بالكفار: فقد ظهرت بحرصه ﷺ على هدايتهم وإنقاذهم من النار، وقد بلغ من رحمته ﷺ أن كادت نفسُه تتلَف حسرةً وأسفًا عليهم إن لم يؤمنوا، وفي ذلك يقول سبحانه: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: ٦]، ويقول تعالى: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: ٨].
ومن أمثلة حرصه ﷺ على هدايتهم رحمة بهم ما ورد عن أنسٍ رضِي اللّه عنه قال: (كان غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ) [6].

 

[1] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، رقم 1924، وقال حسن صحيح، والسنن لأبي داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة، رقم 4941.
[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله، حديث رقم5779. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال، حديث رقم2318.
[3] الرازي، التفسير الكبير، 16/177.
[4] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي ﷺ لأمته، وبكائه شفقة عليهم، حديث رقم 346.
[5] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ من ترك مالا فلأهله، حديث رقم 6350. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالا فلورثته، حديث رقم 1619.
[6] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام، حديث رقم 1290.

المقالة الأولى من سلسلة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد قيلش – خلق الرحمة: ۱ لماذا نحتاج إلى التعرف إلى أخلاق النبي ﷺ

يقدم لنا فضيلة الشيخ رسماً مفصلاً لأجمل وأهم ما اتصف به رسولنا صلى الله عليه وسلم من الخلق الحميد، مستخرجاً القصص والأمثلة من سيرته العطرة المليئة بالمواقف التربوية والإرشادات الملهمة التي وجب علينا اتباعها، حتى يكون اقتداءنا به اقتداء حسناً دقيقاً نافعاً، اقتداء قول وعمل.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كلُّ إنسان عاقل عمومًا، وكل مؤمن خصوصًا يحتاج إلى التعرُّف إلى أخلاق النبيِّ ﷺ.

أمَّا أن كلَّ إنسان عاقل يحتاج إلى التعرُّف إلى أخلاق النبي ﷺ فلأن َّالعقلاء يتطلَّعون إلى التفوُّق والترقِّي في الكمالات في شتى المجالات؛ لأن نفوسهم مولَعةٌ بالإتقان والجمال والكمال، وذلك يتطلَّب منهم أن يتعرَّفوا على أهل الكمال؛ ليستفيدوا من تجاربهم، ويقتدوا بهم في تفاعلهم مع المستجدات المشابهة. ونبيُّنا ﷺ قد حاز الكمالات من أطرافها باعتراف كثير من الفلاسفة والمفكرين في العالم على مر السنين. ومَن طالع سيرته ﷺ علم أنه تفاعل مع كلِّ الظروف على أتمِّ وجه وأحسنِه.

وأمَّا أن كلَّ مؤمن يحتاج إلى ذلك فإضافة إلى ما مرَّ ذِكْره يوجد بواعث كثيرة، من أهمها ثلاثة:

الأول: أنَّ غاية كل مؤمن أن يكون مرضيًا عند ربه سبحانه، ومحبوبًا لديه تعالى، وقد بيَّن لنا ربنا أن وصولنا إلى مقام المحبوبية منه سبحانه لا يكون إلا من طريق اتِّباع نبيه ﷺ، فقال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: ۳۱]، والاتِّباع يقتضي المعرفةَ بتفاصيل شمائله الحميدة وخصاله المجيدة ﷺ. كما بيَّن لنا سبحانه أن مَن يريد الفلاح والنجاح فعليه بالاقتداء برسوله ﷺ، فقال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [الأحزاب: ۲۱]، ولا يكون الاقتداء إلا بعد التعرُّف على أخلاقه ﷺ.

الثاني: أن النبي ﷺ أخبرنا أن كمال الإيمان لا يكون حتى تكمل محبته ﷺ في قلوبنا، فقال: (لا يؤمِن أحدُكُم حتى أكون أحبَّ إليه مِن والدِه وولده والناس أجمعين) [1].
وإذا كانت جوالبُ المحبة ثلاثة: جمال وكمال ونوال فقد حاز النبي ﷺ قصب السبق في هذه الثلاثة كلِّها؛ فهو عليه الصلاة والسلام أكملُ الخلق خَلقًا وخُلُقا، وقد أثنى الله سبحانه على نبيه بالخلق العظيم فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [ن: ٤]. فالتعرف على كمالات أخلاقه ﷺ يثمر محبتَه، ومحبتُه تؤثِّر في أوصافنا وطباعنا البشرية بحيث تصير موافقة لأخلاقه صلوات ربنا وسلاماته عليه.

الثالث: أن حَمْل النفوس على التحلِّي بمحاسن الأخلاق والتخلِّي عن مساويها صعب شديد يحتاج إلى همة عالية وحزم وعزم ومجاهدة، إلا إن وجدت محبوبها متحليًا بتلك الكمالات؛ وذلك لأن أسهل طريق وأقصرَه إلى الاتِّباع والاقتداء إنما هو المحبة الصادقة التي تؤثِّر في أخلاق المحبِّ، فتصيِّرها قريبة من أخلاق المحبوب بسهولة وعدم معاناة أو تَكلُّف، فترى المحبَّ الصادق تتبدَّل طباعه وتتغيَّر سجاياه بحسب صفات محبوبة.

وننظر في حديث سيدنا أنس رضي الله عنه فنرى مثالًا واضحًا جليًّا على عظم تأثير المحبة في تغيُّر الطباع البشرية؛ فقد ورد في الحديث (أن خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ) [2]. فسبحان الله! كيف أثَّرت محبَّة أنس رضي الله عنه في طبعه فصار يحبُّ ما يحب محبوبُه ﷺ.

وننظر أيضًا في حديث سيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه فنرى صورة ناصعة تمثل أثر المحبَّة في تغيُّر الطباع، وذلك عندما حلَّ النبي ﷺ في بيت أبي أيوب عند وصوله إلى المدينة المنورة، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّفْلِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ، فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً، فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! فَتَنَحَّوْا، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ ذكر ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (السُّفْلُ أَرْفَقُ، فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ، فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ، وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، قَالَ أبو أيوب: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ أَوْ مَا كَرِهْتَ) [3]. فانظر كيف تبدَّل طبعُ أبي أيوب رضي الله عنه، فصار يكره الثوم مباشرة بعد علمه بكراهة حبيبه ﷺ له!

 

[1] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، حديث رقم 1960. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الأشربة، باب إباحة أكل الثوم، حديث رقم 3835.
[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب البيوع، باب ذكر الخياط، حديث رقم 1960.
[3] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الأشربة، باب إباحة أكل الثوم، حديث رقم 3835.