الهجرة النبوية (دروس وعبر) 4 | د. محمد فايز عوض

 

الحمد لله مدبر الشهور والأعوام، ومصرف الليالي والأيام، وصلى الله على سيدنا محمدٍ عبده ورسوله المبعوث رحمة للأنام ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمة الأعلام. أما بعد أيها الأحبة الكرام.

    • أحداث الهجرة فيها من الدروس والعبر ما يضيق عنه المقام. فمنها:


1) درس في الهجرة:
لقد أذن الله تعالى لنبيه وأصحابه بالهجرة لما ضاقت عليهم الأرض، ومنعتهم قريش من إقامة دين الله.
إن الهجرة بالمعنى الشرعي ليست مجرد الانتقال من بلد إلى آخر فحسب، بل هي هجرة عامة عن كل ما نهى عنه الله ورسوله ، حتى يكون الدين كله لله.
هجرة من الذنوب والسيئات… هجرة من الشهوات والشبهات… هجرة من مجالس المنكرات.. هجرة من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

 

2) الصبر واليقين طريق النصر والتمكين:
فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي وأصحابه بمكة يهيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة، ويقذف الإيمان في قلوب الأنصار، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر، 51]
إن طريق الدعوة إلى الله شاق محفوف بالمكاره والأذى. لكن من صبر ظفر.. ومن ثبت انتصر.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ[يوسف، 21].

 

3) درس في التوكل على الله والاعتصام بحبل الله:
لقد كانت رحلة الهجرة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس.
فالسيوف تحاصره عليه الصلاة والسلام في بيته وليس بينه وبينها إلا الباب، والمطاردون يقفون أمامه على مدخل الغار، وسراقة الفارس المدجج بالسلاح يدنو منه حتى يسمع قراءته، والرسول في ظل هذه الظروف العصيبة متوكل على ربه واثق من نصره.
فمهما اشتدت الكروب ومهما ادلهمت الخطوب يبقى المؤمن متوكلاً على ربه واثقاً بنصره لأوليائه.


فالزم يديك بحبل الله معتصماً *** فإنه الركن إن خانتك أركان

 

4) درس في المعجزات الإلهية:
هل رأيتم رجلاً أعزلاً محاصراً يخرج إلى المجرمين ويخترق صفوفهم فلا يرونه ويذر التراب على رؤوسهم ويمضي! هل رأيتم فريقاً من المجرمين يصعدون الجبل ويقفون على الباب فلا يطأطئ أحدهم رأسه لينظر في الغار! هل رأيتم فرس سراقة تمشي في أرض صلبه فتسيخ قدماها في الأرض وكأنما هي تسير في الطين! هل رأيتم شاة أم معبد الهزيلة يتفجر ضرعها باللبن!
إن هذه المعجزات لهي من أعظم دلائل قدرة الله تعالى، وإذا أراد الله نصر المؤمنين خرق القوانين، وقلب الموازين ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس، 82].

 

5) درس في الحب:
وقد قال الحبيب :«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» صحيح البخاري.
إن هذا الحب هو الذي أبكى أبا بكر فرحاً بصحبته … إن هذا الحب هو الذي جعل أبا بكر يقاوم السم وهو يسري في جسده يوم أن لدغ في الغار لأن الحبيب ينام على رجله.
إن هذا الحب هو الذي أرخص عند أبي بكر كل ماله ليؤثر به الحبيب على أهله ونفسه.
إن هذا الحب هو الذي أخرج الأنصار من المدينة كل يوم في أيام حارة ينتظرون قدومه على أحر من الجمر. 

فأين هذا ممن يخالف أمر الحبيب ويهجر سنته ثم يزعم أنه يحبه!!!

 

6) درس في التضحية والفداء:
لقد سطر النبي وأصحابه صفحات مشرقة من التضحية ، والمغامرة بالأنفس والأموال لنصرة هذا الدين .. لقد هاجروا لله ولم يتعللوا بالعيال ولا بقلة المال فلم يكن للدنيا بأسرها أدنى قيمة عندهم في مقابل أمر الله وأمر ورسوله .
فيوم أن بات علي في فراشه وغطى رأسه كان يعلم أن سيوف الحاقدين تتبادر إلى ضرب صاحب الفراش ، ويوم أن قام آل أبي بكر عبد الله وأسماء وعائشة ومولاه عامر بهذه الأدوار البطولية كانوا يعلمون أن مجرد اكتشافهم قد يودي بحياتهم.

نعم .. لقد نام شبابنا عن الصلاة يوم أن نام علي مضحياً بروحه في سبيل الله، فشتان بين النومتين.
أين شبابنا الذين كلّت أناملهم من تقليب أجهزة القنوات ومواقع الشبكات. أين هذه الأنامل من أنامل أسماء وهي تشق نطاقها لتربط به سفرة النبي . ويوم القيامة ستشهد الأنامل على تضحية أسماء، وستشهد على الظالمين بما كانوا يعملون.
هكذا كان شباب الصحابة فأين شبابنا! أين شبابنا الذين يضعون رؤوسهم على فرشهم ولا يضحون بدقائق يصلون فيها الفجر مع الجماعة!

 

7) درس في العبقرية والتخطيط واتخاذ الأسباب:
لقد كان متوكلاً على ربه واثقاً بنصره يعلم أن الله كافيه وحسبه، ومع هذا كله لم يكن بالمتهاون المتواكل الذي يأتي الأمور على غير وجهها؛ بل إنه أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية وإتقان.
فالقائد: محمد، والمساعد: أبو بكر، والفدائي: علي، والتموين: أسماء، والاستخبارات: عبد الله، والتغطية وتعمية العدو: عامر، ودليل الرحلة: عبد الله بن أريقط، والمكان المؤقت: غار ثور، وموعد الانطلاق: بعد ثلاثة أيام، وخط السير: الطريق الساحلي.
وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته ، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً.

 

8) درس في الإخلاص:
ثبت عنه أنه قال : «إنه ليس أحدٌ أمنُّ علي في نفسه وماله من أبي بكر» أخرجه البخاري والنسائي، فقد كان أبو بكر ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى[الليل، 18] ينفق أمواله على رسول الله ، وعلى الدعوة إلى دين الله.

    • لكن السؤال هنا هو لماذا رفض أخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن؟

قال بعض العلماء: إن الهجرة عمل تعبدي فأراد عليه الصلاة والسلام أن يحقق الإخلاص بأن تكون نفقة هجرته خالصة من ماله دون غيره. وهذا معنى حسن، وهو درس في الإخلاص وتكميل أعمال القرب التي تفتقر إلى النفقة (كنفقة الحج، وزكاة الفطر، وغيرها من الأعمال) فإن الأولى أن تكون نفقتها من مال المسلم خاصة.

 

9) درس في التأريخ الهجري:
التأريخ بالهجرة النبوية مظهر من مظاهر تميز الأمة المسلمة وعزتها، ويعود أصل هذا التأريخ إلى عهد عمر رضي الله عنه، فلما ألهم الله الفاروق الملهم أن يجعل للأمة تأريخاً يميزها عن الأمم الكافرة استشار الصحابة فيما يبدأ به التأريخ، أيأرّخون من مولده عليه الصلاة والسلام؟ أم مبعثه؟ أم هجرته؟ أم وفاته؟ 
وكانت الهجرة أنسب الخيارات، أما مولده وبعثته فمختلف فيهما، وأما وفاته فمدعاة للأسف والحزن عليه. فهدى الله تعالى الصحابة إلى اختيار الهجرة منطلقاً للتأريخ الإسلامي.
وظلت الأمة تعمل بهذا التأريخ قروناً متطاولة، حتى ابتليت في هذا العصر بالذل والهوان، ففقدت هيبتها، وأعجبت بأعدائها، واتبعتهم حذو القذّة بالقذّة، حتى هجرت معظم الدول المسلمة تأريخها الإسلامي فلا يكاد يعرف إلا في المواسم كرمضان والحج، وأرّخت بتواريخ الملل المنحرفة.
لقد نسينا تاريخنا فأنسينا تأريخنا! وأضعنا أيامنا فضاعت أيامنا! وما لم نرجع إلى ديننا الذي هو عصمة أمرنا! فسلامٌ على مجدنا وعزنا.. والله المستعان.


والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

الهجرة النبوية (دروس وعبر)3 | د. محمد فايز عوض

 

      • ومن دروس الهجرة المباركة:

  • 6. شدة التوكل على الله: يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص، 85]، قال ابن عباس: “لَرادُّك إلى مكَّة كما أخرجَك منها”. فمَنِ الذي منع المشركين من أن يَعْثروا على النبِيِّ ﷺ وصاحبه، وقد وقَفوا على شفير الغار، حتَّى قال أبو بكر: «لو أنَّ أحدهم نظر تَحْت قدمَيْه لأبصرنا؟» إنه الله؛ ولذلك كان جواب الرسول ﷺ: «ما ظَنُّك يا أبا بكر باثْنَيْن اللهُ ثالثُهما؟» رواه البخاري.

فإن التوكُّل سبيل النَّصر، فكلما احلولكَتِ الظُّلمات، جاء الصُّبح أكثر انبلاجًا، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110]، إنَّها جنودُ الله التي تصحب المتوكِّلين عليه.

هذا سُراقة بن مالك يُبْصِر مكان المختبِئَيْن، ويَحْزن أبو بكر ويقول: “أُتينا يا رسول الله”، فيقول له النبِيُّ ﷺ: «لا تَحزنْ؛ إِنَّ الله مَعَنا»، فإذا بالعدوِّ ينقلب صديقًا، يعرض عليهما الزادَ والمتاع، ويَذْهب بوصيَّة رسول الله ﷺ: «أَخْفِ عنَّا»؛ وحسن التوكل على الله تعالى، يعني صدق اعتماد القلب على الله في دفع المضار وجلب المنافع، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي إلا الله ولا يمنع إلا الله ولا يضر ولا ينفع سواه, قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق، 3] وقال ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً» رواه أحمد.

 

  • 7. هجرة المعاصي وما يُعْبَد من دون الله، قال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر، 5]، وقال : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ » متَّفَق عليه.

وهِجْرة العصاة، ومُجانبة مُخالطتهم، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل، 10]، وهو الذي لا عتاب فيه. وهجرة القلوب إلى الله تعالى، والإخلاص في التوجُّه إليه في السرِّ والعلانية، قال النبي : «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» متفق عليه.

 

8. أن الصبر واليقين طريق النصر والتمكين: فأصحاب الرسالات في هذه الحياة لا بد أن تواجههم المصاعب والمتاعب والمحن والابتلاءات , قال تعالى :﴿الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [سورة العنكبوت، 3]. 

وعَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» رواه الترمذي.

فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي وأصحابه بمكة يهيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة، ويقذف الإيمان في قلوب الأنصار، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ۝ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ[سورة غافر، 52]. وإن طريق الدعوة إلى الله شاق محفوف بالمكاره والأذى. لكن من صبر ظفر ومن ثبت انتصر. ولقد ثبت النبي وأصحابه على أذى قريش وكان النبي يطمئنهم بأن النصر قادم، فحينما جاءه خباب بن الأرت يشكو ظلم قريش، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ، فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا : أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو لَنَا، فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ، لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» أخرجه البخاري وأحمد.

وفي الهجرة المباركة لما خاف الصديق على رسول الله من أذي قريش، وقال لرسول الله : «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ» رفض الرسول هذه الرسالة السلبية وقال له في ثبات المؤمن ويقينه بربه: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا». فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.


فالزم يديك بحبل الله معتصماً *** فإنه الركن إن خانتك أركان

الهجرة النبوية (دروس وعبر) 2 | د. محمد فايز عوض

 

      • ومن دروس الهجرة المباركة:

  • 3. حسن الصحبة: وتجلَّت هذه في أبْهَى صُوَرِها مع أبي بكر الصدِّيق، الذي ذهب كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّه هو المقصود بالْمُصدِّق في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾
    فلَمَّا قال النبي «((إنِّي أُريتُ دار هجرتكم ذات نَخْلٍ بين لابتين)) وهُما الحرتان؛ تَجهَّز أبو بكر، فقال له النبِيُّ ﷺ : ((على رِسْلِك؛ فإنِّي أرجو أن يُؤْذَن لي))، فقال أبو بكر: “وهل ترجو ذلك بأبِي أنت؟” قال: ((نعم))، فحَبَسَ أبو بكر نفْسَه على رسول الله ﷺ لِيَصحبه، فانتظر أربعة أشهر يعلف راحلتَيْن كانتا عنده، حتَّى أذن الله بالهجرة، فلما أخبَره النبِيُّ ﷺ لَم يُصدِّق أنْ يكون صاحِبَ رسول الله ﷺ حتَّى قال: “الصحبةَ بأبي أنت يا رسول الله؟” قال رسول الله ﷺ : ((نعم))، قالت عائشة رضي الله عنها: “فو الله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أنَّ أحدًا يبكي من الفرح، حتَّى رأيتُ أبا بكر يبكي يومئذٍ”»
    وعندما خرجا معًا، كان أبو بكر يتقدَّم النبِيَّ ﷺ في ترَصُّد الأمكنة؛ حتَّى لا يصيبه أذًى، فسأله النبي ﷺ قائلاً: ((يا أبا بكر، لو كان شيء، أحببتَ أن يكون بك دوني؟))، فقال أبو بكر: “والذي بعثك بالحقِّ، ما كانَتْ لتكون من مُلِمَّة إلاَّ أن تكون بي دونَك”، فلما انتهَيا إلى الغار، قال أبو بكر: “مكانك يا رسول الله، حتَّى أستَبْرِئ لك الغار”»

  • 4. إتقان التخطيط وحسن توظيف الطاقات: فإن الهجرة تعلِّمنا كيف يؤدِّي التخطيطُ الجيِّد دَوْرَه في تحقيق النَّجاح، ومن أعظم أسُسِ التَّخطيط حُسْنُ توظيف الطاقات، وسلامة استغلال القدرات المتاحة، فالصَّدِيق قبل الطريق، والراحلة تُعْلَف وتُجهَّز قبل أربعة أشهر وبِسرِّية تامَّة، وعليُّ بن أبي طالب يُكَلَّف بالنوم في فراش النبِيِّ تَمويهًا على المشركين وتخذيلاً لَهم، وهو دور الفتيان الأقوياء.
    وأمَّا دور النِّساء، فيمثِّله قولُ عائشة رضي الله عنها متحدِّثة عن نفسها وأختها أسماء: «“فجهَّزْناهما أَحَثَّ الجَهازِ” أسرعه، والجَهاز: ما يُحتاج إليه في السَّفر، “وصنَعْنا لهما سُفْرة” الزَّاد الذي يُصْنع للمسافر “في جِراب” وعاء يُحْفَظ فيه الزاد ونَحْوه، “فقطعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر قطعةً من نِطاقها، فربطَتْ به على فَمِ الجراب، فبذلك سُمِّيَت ذات النطاقين”»؛ البخاري.

وأمَّا دور الأطفال، فيمثِّله عبدالله بن أبي بكر، قالت عائشة رضي الله عنها: «“ثُم لَحِقَ رسول الله ﷺ وأبو بكر في غارٍ في جبل ثَوْر، فكَمُنَا” اختفَيا “فيه ثلاثَ ليالٍ، يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلامٌ، شابٌّ، ثقفٌ” حاذق فطن، “لَقِنٌ” سريع الفهم، “فيدلج من عندهما بِسَحَر” قُبَيل الفجر، “فيصبح مع قريش بِمكَّة كبائتٍ، فلا يَسْمع أمرًا يُكتادان به إلاَّ وعاه، حتَّى يأتيَهما بِخَبَرِ ذلك حين يختلط الظَّلام” تشتد ظلمة الليل» البخاري.

ومِن كمال التخطيط، كان الراعي عامِرُ بن فهيرة يسلك بقطيعه طريق الغار؛ لِيُزيل آثار الأقدام المؤدِّية إليه، ثم يسقي النبِيَّ  وصاحبَه مِن لبن غنَمِه.

ومن كمال التخطيط أنِ اتَّخَذ النبِيُّ عبدالله بن أريقط دليلاً عارفًا بالطريق برغم كونِه مشركًا، ما دام مؤتَمنًا، متقِنًا لعمله؛ ولذلك أرشدَهم – بِمهارته – إلى اتِّخاذ طريق غير الطريق المعهودة.

  • 5. الثبات على الموقف: والبحث عن الحلِّ الشامل، وليس الاقتصار على مفاوضات البدائل التَّرقيعيَّة، ومناقشات الحلول التخديريَّة الآنية، لقد بدأ الحلُّ الشامل منذ أن عُرض على النبيِّ  أن يَعْبد إله المشركين عامًا، ويعبدوا إلَهَه عامًا، فأبَى ذلك، ثم تطوَّرَت العروض والمغريات حتَّى وصلَتْ إلى ذروتها مع عتبة بن ربيعة حين قال للنبِيِّ : “يا ابن أخي، إن كنْتَ إنَّما تريد بِما جئتَ به من هذا الأمر مالاً، جَمَعْنا لك من أموالنا حتَّى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا، سوَّدْناك علينا حتَّى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد مُلكًا، ملَّكْناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا تراه” مَسًّا من الجن “لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلَبْنا لك الطِّبَّ، وبذَلْنا فيه أموالنا حتَّى نبرئك منه”

وإن الحلَّ الشامل لبلاد المسلمين يَكْمُن في استقلالهم الكامل بذاتِهم، والعمل على التخلُّص من التبعيَّة الفكريَّة والاجتماعية، والاقتصادية والسياسيَّة للشَّرق أو للغرب، وليس عَبثًا أن يَختار عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه التَّأريخَ للمسلمين بالْهجرة، ويقول: “الهجرة فرَّقَت بين الحقِّ والباطل”، فحَلُّ الأزمات بِيَدِ الله لا بيد غيره، إنْ نَحْن عقَدْنا العزم على التمكين لدينه، ونَشْر سُنَّة نبيِّه .

الهجرة النبوية (دروس وعبر) 1 | د. محمد فايز عوض

 

يقول الله تعالى في محكم آياته : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  [التوبة،40]

إن الهجرة في سبيل الله سنة قديمة ، ولم تكن هجرة نبينا محمد بدعاً في حياة الرسل لنصرة عقائدهم، فلئن كان رسول الله قد هاجر من وطنه ومسقط رأسه من أجل الدعوة حفاظاً عليها وإيجاد بيئة خصبة تتقبلها وتستجيب لها وتذود عنها، فقد هاجر عدد من إخوانه من الأنبياء قبله من أوطانهم لنفس الأسباب التي دعت نبينا للهجرة. وذلك أن بقاء الدعوة في أرض قاحلة لا يخدمها بل يعوق مسارها ويشل حركتها، وقد يعرضها للانكماش داخل أضيق الدوائر، وقد قص علينا القرآن الكريم نماذج من هجرات الرسل وأتباعهم من الأمم الماضية لتبدو لنا في وضوح سنة من سنن الله في شأن الدعوات يأخذ بها كل مؤمن من بعدهم إذا حيل بينه وبين إيمانه وعزته، واستخف بكيانه ووجوده واعتدي على مروءته وكرامته . فالصراع بين الحق والباطل صراع قديم وممتد: وهو سنة إلهية نافذة، قال عز وجل: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج، 40]. ولكن هذا الصراع معلوم العاقبة، قال تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة، 21].

 

      • وإنَّ أحداث الْهِجرة النبويَّة تضمَّنَت العديد من الدُّروس والعِبَر، ونقتصر منها على الآتي: 
  • 1. التضحية: فهذا رسولُ الله يضطرُّ إلى مغادرة بلده الذي وُلِد فيه وترعرع، وترك أقرباءه وعشيرته، فقال وهو يغادرها بِنَبْرة من الحزنِ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلاَ أَنِّى أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»

وهذه أمُّ سلمة – وهي أوَّل امرأة مهاجِرة في الإسلام – تقول: “لَمَّا أجْمَع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رَحَّل بعيرًا له، وحَملَنِي وحَمل معي ابنَه سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلمَّا رآه رجالُ بني المغيرة بن مَخْزوم، قاموا إليه فقالوا: هذه نفْسُك غلبْتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتنا هذه، علامَ نترُكك تسير بها في البلاد؟ فأَخذوني، وغَضِبَتْ عند ذلك بنو عبد الأسد، وأهوَوْا إلى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها؛ إذْ نزعتُموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابنِي سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسَنِي بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتَّى لحق بالمدينة، ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني”، فمكثَتْ سنة كاملة تبكي، حتَّى أشفقوا من حالِها، فخلَّوْا سبيلها، ورَدُّوا عليها ابنها، فجمع الله شَمْلَها بزوجها في المدينة.

وهذا صُهَيب الرُّومي، لَمَّا أراد الهجرة، قال له كُفَّار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالُك عندنا، وبلَغْتَ الذي بلغت، ثم تريد أن تَخْرج بِمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: “أرأيتم إنْ جعلْتُ لكم مالي، أتخلُّون سبيلي؟” قالوا: نعم، قال: “فإنِّي قد جعلتُ لكم مالي”، فبلغ ذلك رسولَ الله فقال: «رَبِح صهيب».

 

  • 2. الأمل وعدم اليأس : فلقد مكثَ النبِيُّ في مكة مدَّةً من الزَّمن، يدعو قومه إلى الهدى، فما آمن له إلاَّ قليل، بل عاش الاضطهاد والنَّكال، وعُذِّب هو وأصحابُه، فلم يكن لِيَثنِيَه كلُّ ذلك عن دعوته، بل زاده إصرارًا وثَباتًا، ومضى يبحث عن حلول بديلة، فكان أنْ خرَجَ إلى الطائف، باحثًا عن أرض صالحة للدَّعوة، لكنْ وُوجِهَ هناك بأقسى مِمَّا توقَّع، فأُوذي وأُهين، وقُذِف بالحجارة، وخرج من الطَّائف مطرودًا مُهانًا وقد تَجاوز الخمسين، ولكن أشد ما يكون عزيمة على مُواصلة رسالته، فأخذ يَعْرض نفسه بإصرار على القبائل في موسم الحجِّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ «كَانَ النَّبِىُّ  يَعْرِضُ نَفْسَهُ بِالْمَوْقِفِ فَقَالَ: أَلاَ رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلاَمَ رَبِّى». فرفضَتْ خَمْسَ عشرةَ قبيلةً دعوتَه، حتى فتح الله له صدور الأنصار، فكانت بيعة العقبة الأولى والثَّانية، وكانت سفارة مصعب بن عمير إلى المدينة، الذي هيَّأ التُّربة الصالحة لاستمرار الدَّعوة، وتكوين الدَّولة في المدينة النبويَّة، فكانت الهجرة تتويجًا لِعَمَل دؤوب، وصَبْر شديد، وحركة لا تعرف الكلل أو الملل.

مقتطفات | الغسالة وإزالة النجاسة على المذهب الشافعي | د. محمد فايز عوض

بسم الله الرحمن الرحيم

 

  • الأصل في الثياب أن تُزال النجاسة بالماء المطلق بدون إضافة شيء.

الآن وضع الغسالات في البيوت، كنا قد بحثنا في دمشق مع بعض أصحاب مصانع الغسالات (كـ الوتّار ونحوه)، قالوا وضعوا أولاً برنامج سموه شطف (يعني أن يُغسل الغسيل كله بدون أن يأخذ شيء من المسحوق) فإذا وضعنا النجاسة بالغسالة، وفي الغسلة الأولى هذه زالت النجاسة، طهرت الثياب ولكن ما صارت نظيفة (زوجتي وزوجتك لا ترضى بهذا، لا بدّ من الغسيل بالصابون)، فتكون المرحلة الثانية والثالثة بالصابون.

لكن لا يصح أن نضع الغسيل المتنجّس ونضع مباشرة معه الصابون؛ لأنه أصبح ماءً غير مطلق، والنجاسة لا تزول إلا بالماء المطلق. ما الحل؟

الحل: إما أن يكون عندنا غسلة أولى بماءٍ مطلق، أو غسلة أخيرة بماءٍ مطلق. والأحسن من هذا وهذا (طبعاً أخواتنا النساء يعرفن ذلك) ألا نضع في الغسالة شيءٌ عليه نجاسة إلا بعد تطهيرها خارج الغسالة، نطهّرها خارج الغسالة، ثم نضعها في الغسالة للتنظيف، ولا نعتمد على تطهير الغسالة.