الحلقة الثالثة من سلسلة المقابلات مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحلقة الثالثة من الحوار مع الشيخ عبد الكريم تتان –
الخميس 12 شوال 1430 – 1 أكتوبر 2009
أجرى الحوار: ماهر سقا أميني
نتابع في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان حفظه الله تعالى

سؤال: فضيلة الشيخ، في الساحة الإسلامية نجد اليوم عقدة حبل مشدود واستقطاب بين فريقين: فريق يسمي نفسه سلفياً وآخر يسمي نفسه صوفياً، وتهدر كثير من الجهود والأموال بسبب هذا الاستقطاب، أين أنتم من الفريقين وكيف ترون أمر هذا الخلاف؟

فضيلة الشيخ: لا بد أولاً من تعريف وتحديد ماذا نعني بالسلفية والصوفية، التعريف والتحديد الصحيح غير المتحيز وغير الانفعالي يرينا أن لا خلاف بين الفريقين، وعندها … يجب أن يتساقى الطرفان كلٌ من منهل الآخر، أما إذا جاء التعريف مركزاً على قضايا أخرى بقصد إلقاء الأضواء على دقائق الخلاف والاختلاف – وقد يكون كثيرٌ منها ثانوياً – عندها لن ننتظر أن يتساقى الطرفان بل لعل كل منهما سيودّ أن يسقي الآخر السمّ.
ما هو التصوف؟ بعيداً عن الغلو وعن تشويه البعض وعن الاستثمار العلماني لبعض النصوص الصوفية، التصوف هو الالتزام الكامل بالإسلام ظاهراً وباطناً عبر عمارة الباطن بالحقائق القرآنية والنبوية وعمارة الظاهر بالتزام الشريعة، مع التركيز على مقام الإحسان الذي عرفه الرسول الكريم بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك، والاقتداء بتربية الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لجيل الصحابة الذين نالوا من الله عز وجل شهادات أين منها شهادات الدنيا الفانية شهادة “رضي الله عنهم ورضوا عنه” وشهادة “يحبهم ويحبونه”.
هذا هو التصوف كما هو وكما أفهمه، وكل ما لا يقع تحت هذا العنوان وينضبط بهذه المعاني فهو خارج عن الطريق، وبدع لا يرضاها الله ولا رسوله، أما السلفية فتعني حصراً الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله مع نفوس عامرة بحقائق الإيمان ومرتقية في مدارج السالكين خشيةً ورضاً ومحبةً وتسليماً وزهداً وجوداً وإيثاراً، وأيضاً كل ما لا يقع تحت هذا العنوان وينضبط بهذه المعاني فهو دعوى عريضة ونسبة موهمة وافتئات على السلف.
إذا كانت كلمة التصوف تثير حساسية عند بعضهم فنحن لسنا متعبدين بها، فلنقل “الإحسان” وهو مصطلح قرآني ونبوي، أو التزكية، وأيضاً هو مصطلح قرآني، أيضاً كلمة السلفية لم تأتِ نصاً وإنما هي مشتقة من الالتزام بسيرة السلف الصالح،وهم من وصفهم الرسول الكريم بأنهم خير القرون، مَن مِن الصوفية يعارض الاقتداء بالسلف الصالح والتتلمذ عليه، ومَن مِن السلفية من لا يعترف بالإحسان والتزكية وعمارة الباطن.

سؤال: فضيلة الشيخ، أنت تبسط الأمور إلى درجة غير مقنعة فمن أين أتى الخلاف إذن بين الفريقين؟

فضيلة الشيخ: دعني أكمل كلامي، لقد عرفنا أولاً المصطلحين وأكدنا أنهما متطابقان، وأن كل مسلم –إذا شئت -هو صوفي وسلفي بالضرورة، ولكن الطامة تأتي مثلاً من أن بعض الصوفية لهم انحرافات وضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، وقد شّن رجال الصوفية أنفسهم حرباً على هذه الضلالات، ولو اكتفت السلفية بنقد هذه الانحرافات وردها دون التعميم لالتقى الفريقان على عمارة الباطن بالحقائق الإيمانية وعمارة الظاهر بأحكام الشريعة.
وفي الطرف الآخر، بعض السلفية يتعلقون بعنوان ضيق ويتركون الآفاق الرحبة، هناك بعض الأفكار الثابتة عند بعض السلفيين يقيسون بها الناس، ويحكمون بها على كل شيء من الأقوال والأفعال والأحوال بل وعلى كل مسلم، فبعضهم – ولا أقول كلهم – لا يستريح لهم بال إلا إذا هدموا المذاهب الفقهية، وآخرون يصرون على تبديع كثير مما هو ليس بدعة في الأصل أو هو من قبيل البدعة الحسنة، حتى في العقائد بعضهم يتمسك بفهوم قد لا تنسجم مع القرآن أو السنة، ومع ذلك يتبنونها من قبيل المناكفة والمشاكسة، وفي ظني أن أكثر الخلاف بين الفريقين هو خلاف نفسي انفعالي بل وأحقاد أحياناً ولا تفهم أسباب هذه الأحقاد!
ما الحل إذن؟ الحل في الإخلاص لله تعالى، والتعايش مع حسن الحوار وحسن استفادة كل فريق من الآخر، الاختلاف قائم، ولكنه ليس بالحجم الذي يحدث كل هذا الضجيج وكل هذه الفتن، والتعاون ممكن وهو مثمر لا محالة مع ضرورة أن ينعطف كل اتجاه على نفسه ليخلصها من المضامين التي لا تتفق مع ما جاء به السلف الصالح.
إنني مع ضعفي أميل إلى صوفية لا تخرج عن القرآن والسنة وما صح عن السلف الصالح ولا تغالي في بعض ما يروق لها مما تراه بدعاً حسنة، وإلى سلفية تجلّي أخلاق السلف وربانية السلوك،وهل كان في السلف من يملأ ليله ونهاره بشن الغارات على من يختلف معه، صوفي أو سلفي… المهم سلفية تمثل ثبات الإمام أحمد وعطور الحسن البصري ورجولة ابن المبارك وزهد الصحابة الكرام وفدائية علي وشدة الفاروق في الحق ورحمة الصديق وبذل ابن عوف.

سؤال: فضيلة الشيخ، ما تقييمكم لمن يسمون بالدعاة الجدد؟

فضيلة الشيخ: أولاً يجب أن نتساءل ما هو (الجديد) الذي عند هؤلاء الدعاة حتى سُمّوا بهذه التسمية، هل الجدة في المضمون أم في المظهر أم في الساحة التي يتحركون بها، وما هي المصادر التي يستقون منها. ثم هل في تسمية هؤلاء بالدعاة الجدد ما يوحي بأن غيرهم دعاة قدامى أو تقليدون، وما هو تأثيرهم الفعلي الذي حققوه وما مدى استقراره ورسوخه واستمراره وما هو الميزان الذي نقيم به هذا التأثير.
بغض النظر عن الأسماء – وكلهم ما شاء الله نجوم في عالم النجومية وهنا أحذرهم مع ضعفي من أن تؤثر بهم هذه النجومية فتشغلهم عن الرسالة التي يجب أن يؤدوها، فالشهرة سهم قاتل في القلب إلا من رحم ربي – لا بد أولاً أن ندقق في المصادر أو العلماء أو المؤسسات التعليمية التي تتلمذ عليها كل واحد منهم، ولا بد أن ندقق في ضبطهم لما يقدمونه من مواد والضبط هنا من جانب العقيدة والشريعة ويجب ألا تقبل المساومة في هذا مهما كان الثمن.
الحق سبحانه وتعالى وصف رسوله عليه الصلاة والسلام بقوله: {وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً} [الأحزاب: ٤٦] فدّل ذلك على أمرين: الدعوة إلى الله وتتطلب الرسوخ في العلم وفنون خطاب الدعوة، والإشعاع بالنور من واقع سلوك الداعية الرباني ومظهره الملتزم. والرسوخ في العلم ضرورة للداعية وإلا تحول الداعية إلى “إعلامي جيد” يحسن عرض بعض المعارف أو المعلومات التي قام يجمعها من هنا ومن هناك، ولعلك ترى مثل هذا عند بعض هؤلاء الدعاة ولا أقول كلهم، وفن خطاب الدعوة للأفراد والجماعات على اختلافهم واختلافها ضرورة من أجل تحقيق الجدوى الراسخة والمستمرة طيلة الحياة وهي تختلف عن فنون الجذب والإثارة، والسلوك الرباني الملتزم ضرورة لأنه في حد ذاته دعوة وثبات للمدعو في حين أن الاضطراب في هذا السلوك يعطب ثمرة الأمر كله.
التاء في لفظ “الداعية” هنا للمبالغة وليس للتأنيث، وهذا يعني مطلق الاهتمام والانشغال والصدق والالتزام من قبل الداعية، من هنا لا يجوز إطلاق هذا اللفظ النفيس على من اختزل الدعوة ببعض ما جاء به الإسلام أو تحرك حركة صغيرة في عرضه أو قدم المرجوح على الأرجح في العقيدة والسلوك، الإسلام ليس مجرد “قصص” أو “حكمٌ وأمثال” أو “دعوات عامة دون تفصيل لفروعها” والداعية لا يمكن أن يكون انتقائياً يأخذ بجانب ويترك جوانب أخرى، كما لا يمكن أن يترخص في مسائل لا يصح الترخص فيها لحماية جاذبيته والطلب عليه.
لا يمكن القول إن الدعاة الجدد أو أكثرهم قدم مضامين جديدة، ففي بقاع الأرض كثير من العلماء والدعاة الذين غاصوا في بحور العلم وخرجوا منها بأغلى الكنوز وقدموها عبر نشاطهم الدعوي في الدروس أو المحاضرات، ولا ينعتون بالجدد، ولهم بصمات ربانية في وجه الحياة الإسلامية ومن منا لا يعرف أبا الحسن الندوي او محمد الغزالي أو الشعراوي؟! إذن لنقل إن التجديد في الأساليب فحسب هو الذي أضفى هذا الوصف “الجدد” أو روجه، لكن هل من هذه الأساليب أنهم ذهبوا إلى الناس في حياتهم أو أماكن لهوهم وانتشلوهم مما هم فيه، إن كان فهذا جيد شرط ألا يكون هذا بالتقرب إلى الناس بما يشتهون وبما يألفون وإغفال ما عدا ذلك، وإلا فأي نجاح نتحدث عنه؟
لعلي أستطيع القول إن ظاهرة “الدعاة الجدد” التي روج لها الإعلام نجمت عن غفلة الناس وبعدهم عن المساجد والعلماء الذين يعمرونها، وهنا تبرز نتيجة خطرة هي النظر إلى كل من عدا الجدد على أنهم دعاة أو “مشايخ” تقليديون لا يصلحون لهذا الزمان، أيضاً هناك انطباع خطر آخر قد يُترك عند الناس هو أن “الدعاة الجدد” ميسرون وغيرهم معسرون، مع أن الشريعة واحدة والأحكام واحدة والقيم واحدة.
طلب العلم فريضة على كل مسلم، ولكن الأمر عند الداعية يجب أن يأخذ معنى التخصص في العلوم الواجبة عينياً وكفائياً من علوم الشريعة وعلوم وفنون الدعوة، إذ لا يصح مثلاً أن يقدم داعية قصص الأنبياء بشكل جذاب ومعبر ثم لا يعرج على أحكام العبادات والمعاملات وقضايا الأخلاق والقيم وأوضاع الأمة الحالية وما يجد في ساحتها، ويغفل التوجيه السديد إلى ما ينبغي فعله إزاء ما يقع.
أيضاً لا بد من السؤال – هنا – هل التغيير المطلوب القريب منه والبعيد مع السبل الموصلة إليه واضح في أذهان هؤلاء الدعاة، وهل يملكون الوسائل المشروعة الكفيلة بتحقيق ذلك مما يوصل إلى هذا التغيير. هذا إن كان هاجس الداعية فعلاً هو التغيير وليس النجاح على المستوى الشخصي إعلامياً ومادياً، إذن لا بد من الإخلاص لمن أراد أن يشيع الإخلاص في الأمة، وبدهي أن فاقد الشيء لا يعطيه، والإخلاص والاتقان والرسوخ في العلم لا يكون إلا بالتربية والأخذ عن العلماء، أما الكتب على جلالة منزلتها والانترنت على سعة ميادينه فلا تصنع علماء ولا دعاة.
أيضاً هناك مشكلة العامية التي درج بعض من هؤلاء الدعاة عليها، أعتقد أنها انحدار لا ضرورة له، قد يُقال للتقريب والنزول إلى الناس، أقول هناك برامج وأفلام للأطفال في مراحلهم الأولى عرضت بالعربية الفصحى ونجحت نجاحاً عظيماً فلماذا لا نرفع الناس إلى مستوى لغة القرآن بدلاً من النزول إلى مستوى عاميتهم، أيضاً بالعامية لا يمكن ضبط المصطلحات الشرعية والسلوكية، وهذا قد أوقع بعضهم في أخطاء تعبيرية مرعبة. أما الشكل الظاهر للداعية والسمت الذي تقع عليه العيون فلا شك أنه يتساهل به بعض هؤلاء الجدد بحجة أنه يجب أن يكون مما يقبله الناس، ولكن من قال إن الناس لا يميلون إلى السنن في المظهر أو لا يألفون الملتزم بها، وللسنن أنوارها وللسمت الإسلامي وقعه في النفوس والقلوب، فيجب على هؤلاء الجدد ألا يترخصوا بتركها والتنازل عنها ومن ثم إلغاؤها من أجل عيون الناس أو بعضهم.

سؤال: فضيلة الشيخ، ما تقييمكم للأزمة المالية والاقتصادية اليوم؟

فضيلة الشيخ: لا بد من تأكيد بعض الحقائق: أولاً التجارة مبنية على الربح والخسارة، والتاجر يوطن نفسه لكل منهما، ثم لا بد من البحث في أسباب ما يحدث سواء مع الربح والخسارة ثم يوضع برنامج عقب تحديد الأسباب ليخرج الخاسر مما هو فيه، ثم ليعلم التاجر أن الهمّ الناجم عن الخسارة في ميزان حسناته،وهذا يمده بالطاقة على المواجهة الجديدة في جولة جديدة ويقيه من الانهيار الذي مس كثيراً من النفوس.
إن الخسارة هي من باب من القدر الذي يمكن رفعه ببحث أسبابها ومعالجتها، و الدنيا دار ابتلاء، وقد قال الحق سبحانه {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [الأنبياء: ۳٥]، والذي تنضح به هذه الآية أننا في دار الاختبار بكل ميادينه في الشدة والرخاء والمنع والعطاء، ثم إننا راحلون … فلا الخير هنا يبقى ولا الشر، وإنما يرحل الإنسان إلى دار الآخرة بمواقفه من كل منهما، إن الرضا بالأقدار بعد وقوعها من المراضي التي دعت إليها الشريعة وهو مظهر وتجسيد لقولنا رضينا بالله رباً أي مصرفاً للأقدار ومنزلاً للأحكام.
فإذا ثبتت هذه الحقائق انتقلنا إلى الضرورة الملحة وهي أن ينهض أهل الخبرة من هذه الأمة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي الذي يقي المجتمع من الهزات التي تقع في ديار الآخرين.

سؤال: فضيلة الشيخ، مرّ على نكبة فلسطين ستون عاماً وما زلنا في انحدار مستمر، ماذا يمكن ان تقولوا في هذا؟

فضيلة الشيخ: أولاً إن التشرذم الفكري والصدامي أخطر علينا من العدو المحتل، لأننا بسبب هذا التشرذم تحولت قضية فلسطين من قضية إسلامية أو عربية إلى قضية فئات من الفلسطينيين.
لا بد- هنا – من وقفة صادقة مع الذات، ولا بد من مراقبة للنفس ومحاسبة لها والبحث المخلص عن الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه وعلى كل المستويات من أجل الوصول إلى وضع العلاج الناجع و الناجح، لكن هذا يعكر عليه التفكك والانقسام والاختلاف حتى في طريقة تناول الموضوع وتشخيصه، ولعل هذا يحتاج إلى توحيد مرجعيات أو التقريب بينها مع الإخلاص.
لا يوجد حل واحد وبسيط للمشكلة، ذلك أن الأمر متعلق بواقع الأمة ككل، والتاريخ مدرسة عبقرية لمن أحسن قراءته، ألم يبق بيت المقدس بيد المحتل عشرات السنين ثم استعاده صلاح الدين إلى حضن الأمة، و في الجزائر كم بقي المستعمر وكيف دفع ثمن خروجه.
إن المحتل في فلسطين لم يستطع اقتلاع الشعب كما في أمريكا مع الهنود الحمر وأستراليا، لقد ثبت هذا الشعب وجدد مقاومة الاحتلال دائماً وبدون كلل أو ملل، ولكن للتحرير سبل يجب أن ترافق هذا الصمود، سبيل الإسعاف مع كل نازلة وعدم التقصير بحق إخواننا وسبيل تربية الجيل الذي خرج منه صلاح الدين وألف منه جيشه، والعدو قد فهم هذا أكثر من بعض المسلمين فراح يجهض أي تربية من هذا القبيل، ومع ذلك أقول العاقبة للمتقين وسيقرأ الجيل القادم ملحمة تطهير الأرض من مدنسيها ورفرفة علم الحرية في سمائها بيد من اجتمعت قلوبهم على الحق وصفت صفوفهم من الوهن وهزال الانتماء وألاعيب السياسة.

شكراً لكم فضيلة الشيخ ونعتذر إن كنا قد أثقلنا عليكم

الحلقة الأولى من سلسلة المقابلات مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحلقة الأولى من الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان
الخميس 12 شوال 1430 – 1 أكتوبر 2009 126
أجرى الحوار: ماهر سقا أميني

تأتي أهمية الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان من كونه أولاً عالماً و عاملا وعابداً، فهو ملم بأكثر العلوم الشرعية وله دروس يومية في التفسير والفقه والسيرة النبوية وغيرها؛ وهو عامل في حقل التعليم والتربية الشرعيين أكثر نهاره بالإضافة إلى الخطابة يوم الجمعة؛ وهو عابد في الليل وآناء النهار. و ثانيا، فإن أمثال هذا الرجل هم أشد ما نحتاج إليه اليوم للتسديد والتصويب مع الأزمات والنوازل والخلافات التي تمر على الأمة، فتجربته الطويلة وخبراته المتراكمة وحديثه الرصين وضوابطه الضرورية خير ما نهديه للناس اليوم وللشباب بشكل خاص.

ولد الشيخ في 17 نيسان في مدينة السلمية التابعة لمحافظة حماه في سوريا عام 1941، وهو الثاني بين إخوته، وعاش في أسرة متوسطة الحال، وكان أبواه كما يذكر على وفاق رائع مع أميتهما – مما نفقده في كثير من البيوت اليوم – درس الابتدائية في مدرسة أبي الحسن حيث حرص أبواه على تعليمه وتعليم إخوته، ويذكر من تلك الفترة يوم جلاء المستعمر الفرنسي لسوريا وصور جنود الاحتلال وهم يغادرون البلدة، وما يزال طعم الشعور بالحرية الذي شعره ذلك اليوم في ذائقته حتى الآن. كان طالباً مجداً ينافس على الدرجة الأولى في كل صف يرتقي إليه ونال الشهادة الابتدائية أولاً على البلدة كلها.

بعد الابتدائية طلب منه والده أن يترك الدراسة ليساعده في عمله التجاري فآلمه ذلك وشعر بأن المستقبل الذي كان يرنو إليه قد تبخر، ولكنه أطاع والده وزاول البيع والشراء ونظم له ديونه وسجلات زبائنه … وكم كان يتوارى خلف أكياس البضاعة عندما يمر من كانوا زملاؤه على الدكان في طريقهم إلى المدرسة وعيناه غارقتان بالدموع.

سافر الشيخ إلى مصر في السادسة عشرة من عمره باحثاً عن عمل بعد أن أفلس والده نتيجة ظروف ضيقت على البلدة بكاملها، ولكنه يقول: أنه أخفق أيما إخفاق وجرح نفسه جروحاً بالغة، ثم عاد ليعيش مع أسرته بعد انتقالها إلى حماه بلد أبيه الذي فتح فيه دكاناً يدر عليه ما يغطي الحاجات الأساسية، وعمل الشيخ في سرايا الحكومة كمتابع للمعاملات لقاء أجر بسيط، ثم التقى بإخوةٍ أطهار يجمعون العلم والأدب والخشوع والتقوى، و كان قد قرأ بنفسه كتاب الإحياء وتهافت الفلاسفة وفضائح الباطنية للإمام الغزالي قراءة خاصة، وقرأ معهم في فقه العبادات وسيرة ابن هشام وتفسير القرطبي، كما جمع إلى العلم جلسات الذكر، وبعد 10 سنوات عاد فانتفض ليتابع تحصيله المدرسي، كان عمره آنذاك قد قارب الحادي والعشرين وقد تزوج في هذا السن زوجته الوحيدة وأم أولاده وكان عمرها حوالي السادسة عشرة.

ومع العمل في دوائر الحكومة حيث عيّن على الشهادة الابتدائية، درس السادس (وكان يومها من المرحلة الاعدادية) والسابع في سنة واحدة، ثم تقدم إلى امتحان الاعدادية ودرس العاشر والحادي عشر في سنة واحدة وتقدم إلى الثانوية فنجح.

ويعلق الشيخ: كان هذا كرماً من ربي، ثم درس في جامعة بيروت قسم اللغة العربية السنة الأولى، ثم انتقل إلى جامعة دمشق وتخرج فيها عام 1970.

وفي بيروت احتاج يوماً إلى قسط الجامعة فاختار بعضاً من كتبه الغالية عليه وأعطاها لأحد أحبابه ليبيعها له، ويشاء الله أن يلتقي هذا الرجل بمن يعرف الشيخ فأخذ منه الكتب ودفع ثمنها أضعافاً وأوصى حامل الكتب بألا يخبر الشيخ عنه ليعيدها له بعد حين على صورة هدية.

التحق الشيخ بوزارة التربية والتعليم مدرساً في ثانوية محردة، وهي قرية كبيرة من أعمال حماه، ثم جاء إلى الإمارات العربية المتحدة وتقدم للمقابلة بقصد الوظيفة وقُبل مدرساً في مدرسة العوير قرب دبي، ثم في مدرسة الأقصى، ثم مدرسة بدر وأخيراً ثانوية دبي، وأثناء هذه الفترة اختارت الوزارة عدداً من المدرسين لتعديل مناهج التربية الاسلامية، واختير الشيخ من هؤلاء كما كُلّف مع الشيخ مظهر قيمه رحمه الله بتأليف كتاب في علم التوحيد ليدرس في المعاهد العلمية في الدولة لطلاب الصف العاشر مع أن تخصص الشيخ في الأصل في اللغة العربية، وذلك لأدائه الممتاز في تدريس كل من اللغة العربية والتربية الاسلامية فضلاً عن دروس يومية بعد صلاة العشاء في مسجد خليفة بن سلطان في ديرة.

قدم استقالته عام 1998، وكان التوجه لإقامة معهد لتعليم اللغة العربية للناطقين وغير الناطقين بها، وشارك في هذا المشروع الاستاذ الدكتور مازن المبارك ثم حالت حوائل بعد دراسة المشروع واستحضار برامجه دون إقامته.

يعمل الشيخ الآن خطيباً وإماماً ومدرساً في جامع خليفة بن سلطان في ديرة.

سؤال: فضيلة الشيخ، بعد مشوار العمر هذا بارك الله فيكم ما الذي ترونه من إيجابيات كانت في جيلكم وهل هي على ما هي عليه في الأجيال الحالية؟

الشيخ: كانت صلة الأبوين مع الأبناء أوثق وأوسع وأقوى مما أراه اليوم، ثم الرغبة في التحصيل العلمي والارتقاء فيه درجة درجة من أجل بناء مستقبل مادي واجتماعي محترم. لعل الآباء والأمهات في ذلك الزمان كانوا أقل تعليماً من اليوم ولكن اهتمامهم بتربية وتعليم أولادهم كان محوراً أساسياً وواسعاً في حياتهم.
اليوم يشغل الأبناء الكثير من الملهيات والمغريات عن الرغبة في التحصيل العلمي والجدية في الحياة، الإعلام والإعلان اليوم يصوران الأمر للأجيال على أن بناء المستقبل قد يتحقق بضربة كرة أو إرسال رسالة هاتفية، والانترنت بما فيها من غرف مغلقة للحوار والمحادثة (الشات) فتح الباب أمام ملهيات كثيرة ومفاسد أكبر، الفضائيات اليوم تغمس الشباب في أوحال الشهوات ليلاً ونهاراً، وتبلبل الأفكار، وتعبث بالثوابت، في أيامنا كانت مثيرات الشهوات والنوازع أقل وهذا كان مساعداً على تصعيد هذه النوازع إلى مرتبات عليا يطل صاحبها منها على المستقبل المرسوم ويبذل ليعمره كل طاقاته التي ساعد على إنضاجها بيت واعٍ (وبيوت اليوم أقل وعياً في ظني) ومدرسة معطاءة (وأيضاً مدارس اليوم كما أرى أقل جودة مما كنا عليه).
كثرة الدروس الشرعية في المساجد وكثرة الإقبال عليها في أيامنا كانت أيضاً تؤدي دورها في بناء القيم والأخلاق والنزوع نحو البناء، فحلقات التعليم هي أنفاس المسجد الذي لم يقتصر على الصلاة فقط بل امتد ليؤدي رسالته، وكأننا كنا في عصر ازدهار الأندلس، أو جامع الزيتونة أو القيروان.

سؤال: فصيلة الشيخ، ماذا عن العلم الشرعي الذي أخذتموه من العلماء مباشرة والذي رافق تحصيلكم المدرسي دون أن يتعارض معه؟

الشيخ: أخذنا العلم عن علماء ومشايخ كبار كانوا ربانيين ومربيّن لأبعد الحدود، كانت طريقة التدريس رائعة تركز على قراءة جيدة ومنضبطة وفهم يتغلغل في ثنايا العبارة وتقويم واعٍ للمضامين ووقفة منصفة أمام عطاء الكتاب، وقد تأثرت بهذه الطريقة ومارستها في التدريس سواء في المدارس أو المساجد، فقد تمضي دروس كثيرة قبل أن نقلب الصفحة إلى التالية.

سؤال: فضيلة الشيخ، عندما يذكر اسمكم يذكر معه مباشرة شرحكم الفريد لجوهرة التوحيد المؤلف من جزئين كبيرين؛ هل لك أن تحدثنا عن ذلك؟

الشيخ: هذا يتصل بالسؤال السابق، فقد أخذت الجوهرة وشرحها على يد شيخ جليل خبير في علم التوحيد فهماً وذوقاً، وما زالت النسخة التي درستها على يد الشيخ موجودة عندي، ثم رأيت أن أخرج الكتاب بصورة لا تضل عن المضامين الأصلية في الشرح السابق وإن كانت تضيف لمسات طرية تقرب المضامين عبر العبارة والمثال، مع حذف ما يتصل بتفصيل النحو والبلاغة مما كان يعيق أحياناً من يتلقى لقلة الزاد من علماء اللغة، عرضت الكتاب على الشيخ فأقره ثم عرضته على الشيخ عبد الكريم الرفاعي وهو من كبار علماء دمشق فأقره وقدم له.
فطبع أول مرة في عام 1970، ودرس الكتاب في كثير من المراكز والمعاهد الشرعية والعلمية، ثم عدت بعد سنين هنا في دبي فأعدت صياغة الكتاب ووظفت فيه العلوم الكونية لأن علم التوحيد يقوم على قاعدتين رئيسيتين: الوحي والكون. وقد خلا كثير من الكتب السابقة من الجانب الكوني، ثم إنني عُنيت عناية خاصة بالمصطلحات وضبطها، ثم عرضته على عدد من أصحاب العقول والقلوب فأقروني وطبع بثوبه الجديد وهو بفضل الله مرجع هام في علم التوحيد.

سؤال: فضيلة الشيخ، عملكم في التدريس لا شك أنه كان مصدراً لخبرات مفيدة ما الذي يمكن أن يؤخذ على مدارس اليوم؟

الشيخ: لا يمكن التعميم هنا لأن الدولة مليئة بالمدارس والمعاهد الحكومية والخاصة والمحلية والأجنبية، ولكنني أعتقد أننا لا نحسن تربية الإبداع، لماذا لا تخرج مدارس اليوم بل وجامعات اليوم أمثال الرافعي وشوقي وغيرهما، نحن لا نحسن احتضان المواهب ورعايتها ثم إننا ننزع دائماً نحو التبسيط والتسهيل والاختزال … وهذا في النهاية لا يؤدي للإتقان ومن مثل هذا خلت كل الميادين تقريباً من المبدعين.

 

وإلى اللقاء في الحلقة الثانية من الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان حفظه الله تعالى.

درس: دين النظافة للعلامة عبد الكريم تتان

الشيخ العلامة عبد الكريم التتان مدرس الفقه والأخلاق والعقائد يتحدث هنا عن عظمة مكانة الإسلام وتعلقه بكل أحوال الإنسان ظاهرًا وباطنًا، ويوضح أهمية هذا الموضوع الذي يتناول الحديث عن عناية الدين بالصلاة أشد العناية، ويتناول كذلك الطهارة والنصوص التي وردت فيها في الشريعة، ويبين طهارة الجسد وطهارة الثوب وطهارة المكان، وانقسام النجاسة إلى قسمين، وبيان كيفية الطهارة التي هي جالبة لحب الله، مع ذِكر تفسير الآيات المتعلقة بالطهارة، وذِكر أحوال المؤمن وخاصة في بيوت الله.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحلقة الثانية من سلسلة المقابلات مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحلقة الثانية من الحوار مع الشيخ عبد الكريم تتان
الخميس 12 شوال 1430 – 1 أكتوبر 2009
أجرى الحوار: ماهر سقا أميني
نتابع في هذه الحلقة الثانية الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان حفظه الله

سؤال: فضيلة الشيخ، نستطيع أن نقول أنك ابن التحصيل في المساجد أكثر من كونك ابن التحصيل الجامعي ماذا يمكن أن تفيدنا في دور المسجد كما يجب أن يكون؟

الشيخ: الدروس في المساجد هي حياته وروحه، وعمارة المساجد بدروس العلم والتربية الحاضنة للشباب أولى وأهم من العمارة الحسية المادية، في المسجد يتعلم الشباب القيم والسلوك السديد والآداب والحكمة والضبط بالإضافة إلى العلوم الشرعية وهذه أمور إن فقدت تحول الانسان إلى كائن مرعب لا يؤمن جانبه، وللأسف نرى اليوم أكثر الناس عازفين عن دروس العلم في المساجد، ولعل أكثرهم يكتفي بصلاة الجمعة وأحياناً بدون الاستماع إلى الخطبة التي تسبقها.

سؤال: فضيلة الشيخ، لقد قادنا الحديث إلى المنبر، هل لك أن تحدد لنا دوره وأحواله اليوم؟

الشيخ: أولاً أقول الخطابة فن عالمي عرفه العرب قبل الاسلام وعرفته الشعوب الأخرى أيضاً، خطبة الجمعة هي وجبة اسبوعية تملأ النفس عاطفة والفكر معاني وحقائق والسلوك تسديداً، وعلى الخطيب بعد أن يتمكن من حسن الأداء والإشراق من فوق المنبر أن يسير في مسارين:
– الأول: البناء المستمر وتعميق حقائق الاسلام الكبرى ومعالم الشخصية المسلمة.
– والتاني: متابعة الأحداث الطارئة والظواهر العارضة والأزمات والنوازل مما يحتاج إلى معالجة وتسديد وتبصير، ومن إلغاء المنبر أن يُنأى به عن حركة الحياة وأن يتحدث الخطيب في أمور لا تهم القاعدة الأوسع من الناس، أقول هذا مع مراعاة أدب الخطاب وعدم التجريح أو ذكر ما لا يليق بالمنبر وهو في بيت من بيوت الله، إن الخطيب أشبه بالطبيب الواعي الحصيف المتابع لسجل المريض والحاذق في تشخيص الداء وفي اختيار الدواء بناءً على علاقة ود واهتمام ورعاية، فهو يحنو عليه ويتابع أحواله، ويؤلمني اليوم أن أعداء الاسلام يقترفون جريمة بشعة في أكثر من مكان هي جريمة تفريغ المنبر وإشغاله بقضايا أخرى الأصل فيها أن تعالج في باحة المسجد لا من فوق المنبر، وديدن كل خطيب أن يعرض مسألة التوحيد ويربط بها كل ظواهر الحياة وأحداثها.

سؤال: فضيلة الشيخ، لقد جعلتم جّل اهتمامكم في دراسة وتدريس التوحيد بل جعلتم هاجسكم وأكثر جهودكم في ضبط كل طرح إسلامي على الساحة الفكرية بضوابط علم التوحيد هل لكم أن تحدثونا قليلاً عن هذا المحور الأساسي في حياتكم؟

الشيخ: التوحيد هو لب كل الرسالات التي أنزلت على الرسل قاطبة، وقد أخذ مساحة كبيرة في الرسالة الخاتمة، ومن يعش التوحيد يقيناً صادقاً يجد أنه يقي النفس من التمزق والحياة من البعثرة، والقوة من الضياع. والتوحيد تصور وسلوك، عقيدة وممارسة، حين يعاش تتحقق الحرية الحقيقية والعزة الشامخة، إن الله هو المحيي والمميت، القابض الباسط، الرافع الخافض، المعز المذل … أفبعد اليقين بهذا لا ننعتق من أسباب الذل والضعف.
هنا تأتي خطورة ما يُعرض في وسائل الإعلام والفضائيات، كثير من الشوارد والقضايا والمثيرات والملهيات والمشغلات … ولكن أين قضية التوحيد التي تصل الإنسان بالله تعالى الذي له نعمتا الإيجاد والإمداد، وقد عرفت البشرية ازدهاراً وارتقاءً عظيما يوماً ما في ظلالها؟ لنا – هنا – أن نسأل عن المساحة التي شغلتها قضية التوحيد في كل من القرآن والسنة تقريرا لها وبسطا لحقائقه والتدليل عليه ورصدا لآثاره في النفوس والسلوك وفي آفاق الحياة الإنسانية، وما المساحة التي تعطى لقضية التوحيد اليوم في الإعلام، في المناهج، وفي النشاطات الثقافية؟ وإذا كان ضلال البشرية وشقاؤها نتاج البعد عن التوحيد حقيقةً وتربيةً وسلوكاً وإعادة بناء لشخصية الإنسان، فإن كل من يغفل عن التوحيد في طرحه يكون مشاركاً في شقاء بني آدم بقصد أو بغير قصد. إن هناك مساحة كبيرة في كل من القرآن والسنة وظفت للتوحيد، حيث تناولت النصوص جميع جوانب قضيته تأصيلا وتحليلا وتدليلا ودعوة وإغارة على ضده الشرك بكل صوره وتحذيرا من نواقضه، ولو كان المجال يتسع لبسطت القول في ذلك كله لكني أكتفي بمثالين من نصين كشفا عن عمق القرآن في التناول، أجل أسوق مثالين رائعين من الأمثلة التي جاءت في القرآن يجليان العلاقة الواشجة بين التوحيد والنفس الإنسانية ويكشفان عن الآثار العميقة فيها،كما يكشفان عن التوحيد من حيث كونه محركا واعيا لحركة الإنسان في الحياة … محركا دائب العطاء ومستمر الدفع في ميادين البناء والسلوك الرباني، وهذا يفسر لنا لم كان العهد المكي على طوله معنيا بقضايا التوحيد والنبوة، والآخرة التي نحن راحلون إليها رحلة قدرية لا مناص منها، إنّ الصلاة على جلالة قدرها لم تشرع إلا في أواخر العهد المكي كما هو معلوم، ولو لم يكن التوحيد هو القاعدة الرئيسة في بناء الحياة وصياغة الإنسان وإقامة المجتمع الإسلامي بكل ميادينه وآفاقه وعباداته وأخلاقه وحلاله وحرامه وسلوكياته ومشاعره لما كان كل هذا الاهتمام الكبيربه، ولما استقر التوحيد في النفوس، لقد آن أن يفصل في مقتضياته، ويكشف عن آثاره في النفس وآفاق المجتمع والسلوك علما أن القاعدة الأساس لم تغفل في مرحلة البناء بل شد التنزيل من أزرها، وأكدها المرة بعد المرة، فما هذان المثلان ؟ المثال الأول قوله – تعالى – {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها…} [إبراهيم: ۲٤-۲٥].
المثال الثاني: قوله – تعالى – {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [الزمر: ۲٩].
فالمثل الأول رصد فيض العطاء من الكلمة الطيبة، وهي كلمة التوحيد، تنضح على الجوارح، فإذا بها جوارح ربانية السلوك، عيناً ولساناً وأذناً ويداً ورجلاً بل وقلباً نابضاً بالخير خاشعاً مخبتا نظيفاً سليماً، وما أبعد هذه الجوارح بأنوار التوحيد عن المفاسد، وما أشدها صلة بالمصالح التي تسعد بها الحياة، وسر ذلك أن جوارح الإنسان إما أن توظف بالخير أو في الشر، فإذا وضعت في برنامج كلمة التوحيد التي تقضي أن لا معبود بحق إلا الله، فإنها لا تعمل إلا وفق شرع الله حيث به تتحقق العبودية لله، فلا هوى متبع، ولا شهوة آثمة أسره تدفع طاقات الإنسان في دروب التدمير، وتنأى بها عن مسارح التعمير.
أهناك نص أجلى معاني وأنصع بياناً وأدل على أهمية التوحيد في السلوك من هذا المثل المضروب، وهنا أركز على وصف الشجرة ب “الطيبة”، والثمرات الطيبة لها جاذبيتها في رقي الحياة وصفائها وإمدادها بالطاقة النظيفة.
وأما الثاني فأمره عجيب إذ تعمق في النفس الإنسانية، ورصد أحوال القلق المزعج والتمزق الرهيب الذي يعيش فيه من لم يسلم أمره لله وحده، فالذي يخدم جماعة شركاء،أخلاقهم مختلفة ونياتهم متباينة، ومطالبهم متعادية لاتصافهم بالمشاكسة والتعاسر، لا يلقاه شريك فيه من الشركاء إلا جرّه إليه واستخدمه في أغراضه، فكم يلقى هذا من العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله لا يرضي واحداً من سادته ومالكيه بخدمة، لكثرة الحقوق عليه، وتفرق طاقاته بينهم، أما من خدم واحدا لا ينازعه فيه منازع، جمع قلبه عليه وألقى همومه في رحابه، فإذا أطاعه وحده علم منه ذلك، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأيهما أقـل تعبا، وأهـدى إلى سبيل السعادة وطمأنينة النفس، وأنت ترى أن المثل المضروب جسد حال أهل الشرك، الذين تتنازعهم الآلهة المزعومة، وحال أهل التوحيد، وهنا أركز على كلمتين وردتا في المثل “متشاكسون” وهي بجرسها تنضح اختلافا ومناكفة وإقلاقا وتذمرا على القلب الذي رضي بهؤلاء الشركاء، والثانية “سلما” وهي تعني مطلق التسليم، ولمن: لمن أقام هذا الوجود، وهو بقبضته، ولا يغرب عن علمه ذرة، ولا يخرج شيء عن قدرته وإرادته، الغني مالك الملك، وهذا يشعرك أن من أسلم له وجهه، وحط رحاله بين يديه، عاش في أمن وطمأنينة وجمع قلب، وسعادة، وعموما فكل من لم يسلم لله وحده بديع السموات والأرض لابــد من أن تتعاوره المعبودات الموهومة المصطنعة، وكفى بالهوى إلها يعبد من دون الله ممزقا، وكفى بالشهوات المستعبدة للإنسان إن لم تؤخذ من يد الشريعة مشتتة ومرهقة. أجل لو لم يكن للتوحيد إلا ما نضح به هذان النصان لكفى ولزاد على الكفاية.

سؤال: فضيلة الشيخ، ما تقييمكم إذن للفضائيات اليوم، وقد صارت بالمئات؟

الشيخ: أقل ما يقال فيها أنها تحول الحياة إلى آلة مادية دون مشاعر، وتكرس مجموعة من المفاهيم والسلوكيات التي تحول الناس إلى حضارة الآلات وحضارة الأشياء، ثم أليس في أكثر هذه الفضائيات ما يهيج الغرائز وما يحول الشباب إلى جمر يحترق، إن الأدخنة التي تنتج عن حرق النفوس بنيران الشهوات تلوث الأجواء وتنأى بالناس عن التسامي والاتزان، أضف إلى ذلك إعلاماً يروج للإلحاد والمذاهب الوجودية وإقصاء الرسالات وتغييب الحقائق والتضليل وتحريف الكلم عن مواضعه!
أما ما يسمى بالفضائيات الإسلامية فمع كثير من الخير فيها نجد منها ما يعبث بالحقائق ويؤول النصوص ويكفر الآخر وينشر الفتن ويمزق الأمة، ونجد أن كثيراً مما يعرض في أفضلها ليس مضبوطاً بضوابط الشريعة والحلال والحرام. كما تثار أحياناً بعض المواضيع الخلافية على الملأ والأصل في هذه المواضيع أنها تعرض وتناقش على مستوى النخبة من العلماء، وهذا يثير القلائل والشكوك بين الناس.
ثم ما قيمة هذا الإعلام الإسلامي إن كان يسمح لنفسه أن ينزل إلى مستوى التصويت على الحقائق الكبرى أو الأحكام الفقهية أو القيم المنبثقة من نصوص الإسلام،هل يعقل مثلا التصويت بين عينة من الشباب والشابات على حكم المرتد أو تعدد الزوجات أو حكم النقاب أو الحجاب!
ثم إن الاختلاف سنة من سنن الحياة ولكنه يعرض في هذه الفضائيات على أنه خلاف من نوع ماحق.

وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة من الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان